لماذا أتخيل أسوأ ما يمكن أن يحدث؟ حين تدفع ثمن المشكلة قبل وقوعها

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

لم يحدث شيء جديد منذ الأمس.

المكالمة نفسها لم تأتِ. التحليل لم يظهر. القرار لم يصدر. الدين ما زال كما هو. الخلاف لم يُحسم. الباب لم يُفتح ولم يُغلق.

ومع ذلك، استيقظ القلب أكثر تعبًا.

في الصباح تخيّل أسوأ ما يمكن أن يحدث. عند الظهر أعاد الحوار الذي لم يقع. في المساء بنى على الاحتمال احتمالًا آخر. وقبل النوم كان قد عاش خسارة كاملة، وسمع كلمات لم تُقل، ورأى أيامًا لم تأتِ، ودفن في داخله أشياء ما زالت حيّة.

المشكلة لم تتحرك.

لكنها داخلك قطعت مسافة طويلة.

وهنا قد لا يكون أكثر ما يرهق الإنسان هو البلاء نفسه، بل أن العقل يبدأ في صرف البلاء بالتقسيط قبل أن يعرف حجمه الحقيقي.

يأخذ احتمالًا واحدًا، ثم يحوّله إلى أيام من الألم المسبق.

السؤال ليس: هل مشكلتك مؤلمة؟

قد تكون مؤلمة فعلًا.

السؤال الأدق:

كم مرة عشتها قبل أن تقع؟
شخص يجلس أمام خبر لم يُحسم بينما تتكرر حوله ظلال الاحتمالات في مشهد يعبّر عن عيش المشكلة قبل وقوعها
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

أنت لا تحمل اليوم فقط

تصل رسالة قصيرة من العمل: «نحتاج أن نتحدث غدًا.»

هذه هي الواقعة.

لكن النفس لا تحب الفراغ.

بعد دقائق: ربما هناك ملاحظة.

ثم: لعلهم غير راضين.

ثم: قد أفقد عملي.

ثم يبدأ الحساب: ماذا عن الإيجار؟ ماذا عن الأسرة؟ ماذا سأقول للناس؟ أين سأذهب؟ كيف سأبدأ من جديد؟

في أقل من ساعة، كان الإنسان قد انتقل من رسالة من سبع كلمات إلى انهيار حياة كاملة.

ولم يأتِ الغد بعد.

أو تشعر بألم في جسدك. موعد الفحص بعد أيام. الطبيب لم يقل شيئًا. لكنك تفتح الهاتف، تقرأ، تقارن، تنتقل من عرض إلى مرض، ومن مرض إلى أسوأ احتمالاته، ثم تجلس بين أهلك بوجه شخص تلقّى خبرًا لم يتلقه أصلًا.

أو يتغير شخص تحبه قليلًا.

يصمت.

ينشغل.

يتأخر.

فتبدأ النفس عملها الصامت: «ربما ملّ. ربما تغيّر. ربما هناك أحد آخر. ربما هذه البداية.»

وبعد ساعات يصبح قلبك غاضبًا من إنسان على قصة كتب معظمها خوفك.

لا يعني هذا أن كل مخاوفك وهم.

قد يقع ما تخشاه.

وقد تكون هناك قرائن تستحق الانتباه.

لكن بين أن ترى خطرًا محتملًا، وبين أن تعيش الكارثة كاملة قبل ثبوتها، مسافة قد يضيع فيها كثير من القلب.

بعض المشكلات تؤلمنا مرة.

ونحن نؤلم أنفسنا بها كل صباح.

العقل الذي يريد أن يسبق الضربة

قد تقول النفس: «أنا فقط أحاول أن أستعد.»

وهذا صحيح أحيانًا.

التفكير في الاحتمالات قد يكون حكمة. الاستعداد المالي، سؤال الطبيب، مراجعة الخيارات، طلب المشورة، وضع خطة بديلة؛ كل ذلك من الأخذ بالأسباب.

لكن الاستعداد له نهاية.

أما الدوران فلا نهاية له.

الاستعداد يسأل: ماذا أستطيع أن أفعل إن وقع هذا؟

ثم يفعل ما يستطيع.

أما القلق فيسأل: كيف سيكون شعوري؟ ثم يعيد الشعور. ماذا سيقولون؟ ثم يسمعهم في رأسه. ماذا سأخسر؟ ثم يتفقد الخسارة كل ساعة.

كأن النفس تقول لنفسها: دعيني أتألم الآن؛ حتى لا أفاجأ بالألم لاحقًا.

لكن الألم لا يعمل بهذه الطريقة.

الوجع المسبق لا يُخصم دائمًا من وجع الغد.

قد تتعب اليوم كله، ثم يأتي الغد بما تخشاه فتتعب مرة أخرى.

وقد تتعب اليوم، ثم لا يقع شيء أصلًا.

فتكتشف أنك دفعت فاتورة أيام كاملة لحدث لم يشترِ منك شيئًا.

إن النفس أحيانًا تحاول أن تسبق الضربة؛ لأنها تظن أن المفاجأة هي الخطر الأكبر. فتظل مشدودة، تراقب الباب، كأن بقاءها في حالة تأهب دائم سيمنحها سيطرة على ما لم يقع.

لكن الذي يحدث غالبًا أن المشكلة، قبل أن تمس حياتك، تكون قد استهلكت انتباهك، ونومك، وصلاتك، وحديثك مع أهلك، وقدرتك على رؤية أي شيء آخر.

لم تنتهِ المشكلة بعد.

لكن يومك انتهى.

كيف تبتلع المشكلة بقية حياتك؟

في البداية تكون المشكلة جزءًا من يومك.

ثم تصبح العدسة التي ترى بها اليوم كله.

تجلس مع من تحب، لكن نصفك غائب.

تسمع خبرًا جميلًا، فيمر سريعًا؛ لأن القلب يقول: «ليس وقت الفرح.»

تفتح المصحف، فتقرأ السطر بعينيك، بينما ذهنك يعود إلى الرسالة نفسها.

تصلي، فإذا سلّمت امتدت يدك إلى الهاتف كأن الإجابة ربما وصلت أثناء الركعة الأخيرة.

تجلس موظفة أمام عملها، لكن عقلها في نتيجة تنتظرها. يراجع طالب درسه، ثم يترك الصفحة كل عشر دقائق ليفكر في مشكلة عائلية لا يملك في تلك الساعة حلها. يدخل أب بيته، فيرد على أبنائه بنصف صوت؛ لأن قلبه ما زال في دين يخافه. وتجلس أم مع أسرتها، لكن داخلها حوار كامل مع غدٍ لم يأتِ.

المشكلة هنا لم تعد تطلب حلًا.

لقد طلبت احتلالًا.

تريد أن تكون أول فكرة في الصباح، وآخر فكرة في الليل، والتفسير الخفي لكل شيء بينهما.

والمؤلم أن النفس قد تسمي هذا «اهتمامًا».

تقول: لو لم أفكر، فأنا مهمل.

لو ضحكت، فكأنني لا أبالي.

لو انشغلت بشيء آخر، فأنا أهرب.

وكأن الوفاء للمشكلة يقتضي أن تمنحها حياتك كلها حتى تنتهي.

ليس من الصدق مع ألمك أن تحوله إلى صاحب البيت.

هو ضيف ثقيل.

قد يطول مقامه.

لكن لا تسلمه المفاتيح.

المشكلة الواحدة تصير عشرًا

الخطر في التفكير المتكرر أنه لا يحفظ المشكلة بحجمها.

بل يضيف إليها.

هناك الحدث نفسه.

ثم خوفك من الحدث.

ثم خوفك من ألا تتحمل الحدث.

ثم خوفك من أن يراك الناس ضعيفًا.

ثم خوفك من أن يطول.

ثم غضبك من نفسك لأنك خائف.

ثم شعورك بالذنب لأن قلبك لم يعد حاضرًا في عبادتك كما كان.

فإذا بك تدخل من باب مشكلة واحدة وتجد نفسك في عشر غرف.

وقد يكون بعض ما يرهق القلب ليس أصل البلاء، بل هذا التراكم الذي صنعناه حوله.

مرض يحتاج متابعة، فنضيف إليه كل سيناريو قرأناه.

خلاف يحتاج حديثًا، فنضيف إليه تاريخ العلاقة كله.

ضائقة مالية تحتاج ترتيبًا، فنضيف إليها حكمًا على مستقبلنا وقيمتنا وكرامتنا.

تأخر أمر نتمناه، فنضيف إليه سؤالًا ثقيلًا عن حياتنا كلها: «هل سيظل كل شيء هكذا؟»

لاحظ الكلمة.

كل شيء.

هكذا تكبر المشكلة داخل اللغة.

من: «هذا الأمر لم يُحل.»

إلى: «لا شيء يُحل.»

من: «أنا متعب هذه الأيام.»

إلى: «أنا دائمًا هكذا.»

من: «هذا الباب تأخر.»

إلى: «أبوابي كلها مغلقة.»

العقل المتعب لا يكتفي بوصف الجرح.

قد يجعله خريطة للعالم كله.

ليست الطمأنينة أن تعرف النهاية

قد يظن الإنسان أن قلبه لن يهدأ إلا إذا عرف ماذا سيحدث.

وهنا يتعلّق بنقطة النهاية.

«فقط أريد أن أعرف.»

لكن بعض المشكلات لا تعطيك هذه الرحمة سريعًا.

تتركك في المنتصف.

لا خبر حاسم.

لا جواب كامل.

لا قدرة على إنهاء الأمر بيدك.

وهذا المنتصف هو المكان الذي قد تلتهمك فيه المشكلة أكثر.

لأنك تحاول كل يوم أن تنتزع يقينًا لم يُعطَ لك بعد.

تراجع الرسائل.

تفتش في النبرة.

تسأل الشخص نفسه بصيغ مختلفة.

تقرأ عن الأعراض.

تراقب الحساب.

تعيد الحسابات.

وتقول: أريد أن أطمئن.

لكن ربما ما تطلبه في تلك اللحظة ليس الطمأنينة.

بل السيطرة.

تريد ضمانًا.

ورقة داخلية تقول: لن يحدث ما تخافه.

والحياة لا تعطي هذه الورقة دائمًا.

وقد يلتبس هذا على القلب حتى يصبح طلب الطمأنينة من إغلاق الاحتمالات محاولة مرهقة للسيطرة على ما ليس في يده.

وهنا يحتاج القلب إلى معنى أعمق من معرفة النهاية.

قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3].

ليس معنى التوكل أن تتوقف عن العلاج، أو السؤال، أو التخطيط، أو دفع الضرر بما تستطيع.

لكن من معانيه أن تعرف أن قلبك لا يحتاج أن يرى الصفحة الأخيرة حتى يستند إلى الله.

قد تجهل ما سيحدث.

ولا تجهل ربك.

وهذه ليست جملة لإلغاء الخوف.

بل موضع تسترد فيه قلبك من الغد.

أعِد المشكلة إلى حجم اليوم

حين يندفع عقلك إلى آخر الطريق، لا تدخل معه كل مرة.

توقف عند أول جملة.

قل: ماذا أعرف الآن؟

ليس ماذا أخشى.

ولا ماذا يمكن نظريًا أن يحدث.

ماذا أعرف؟

«أعرف أن هناك فحصًا، ولم تظهر النتيجة بعد.»

«أعرف أن هناك خلافًا، ولم نتحدث بعد.»

«أعرف أن المال قليل هذا الشهر، ولدي خطوات أستطيع فعلها.»

«أعرف أنني أنتظر جوابًا، وليس عندي الآن رفض ولا قبول.»

أعد الواقعة إلى حدودها.

ثم اسأل:

ما الذي يطلبه مني هذا اليوم؟

اتصال؟

موعد؟

اعتذار؟

ترتيب مبلغ؟

استشارة؟

نوم؟

صلاة بهدوء؟

إغلاق الهاتف ساعة؟

إن كان هناك فعل، فافعله.

وإن لم يكن هناك فعل الآن، فلا تحوّل العجز عن العمل إلى عمل ذهني مستمر.

ليس مطلوبًا منك أن تحل الليلة مشكلة لا تملك أدوات حلها الليلة.

كلما حاول العقل أن يفتح غرفة الغد، قل له: ليس هذا موعدها.

ليس إنكارًا.

بل ترتيب.

لا تحمل الساعة ما يكفي لأسبوع.

لا تجعل المشكلة تقطعك عن مصدر قوتك

من أشد ما تصنعه المشكلات الطويلة أنها تدفع بعض الناس إلى تأجيل الحياة حتى تنتهي.

«سأهدأ بعد النتيجة.»

«سأعود إلى وردي عندما تستقر الأمور.»

«سأنام جيدًا بعد حل الدين.»

«سأكون حاضرًا مع أهلي عندما تزول الأزمة.»

لكن ماذا إن طالت؟

هل تعلّق قلبك وحياتك كلها على نهاية لا تعرف موعدها؟

وقد يزداد هذا التعليق حين تخاف أن ترتاح، كأن هدوءك لحظةً خيانة للمشكلة أو غفلة عن الخطر.

قد لا تستطيع أن تكون كما كنت.

وهذا مفهوم.

المتعب ليس كالمطمئن.

والقلب المثقل قد يضعف حضوره، ويقل تركيزه، ويحتاج إلى الرفق.

لكن لا تجعل المشكلة تقنعك أن كل ما عداها مؤجل.

صلِّ بما تستطيع من حضور، لا تنتظر قلبًا خاليًا تمامًا.

اجلس مع أهلك ولو كان في صدرك ثقل.

امشِ قليلًا.

أنجز عملك خطوة خطوة.

اقرأ صفحة.

نم.

كل.

تحدث.

هذه الأشياء لا تعني أنك نسيت المشكلة.

تعني أنك لم تسمح لها أن تأكل كل ما أبقاه الله لك في يومك.

قد لا تستطيع إخراج المشكلة من حياتك الآن.

لكن تستطيع، بإذن الله، أن تمنعها من أن تصبح الحياة كلها.

حين تعود الفكرة في الليل

ستعود.

ربما بعد أن ظننت أنك هدأت.

في منتصف الليل، أو بعد إشعار، أو عند رؤية شخص، سيبدأ العقل من جديد.

لا تدخل معه في محاكمة طويلة.

سمِّ الحركة فقط:

«أنا الآن أعيش احتمالًا.»

ثم أعد نفسك إلى الحقيقة التي بين يديك.

إن كان عندك ما تفعله، دوّنه للغد.

وإن لم يكن، فقل لله ما أنت فيه بصدق.

لا تحتاج كلمات مرتبة.

«يا رب، هذا الأمر أخذ من قلبي أكثر مما ينبغي. لا أملك نهايته، فاحفظ قلبي وأنا في وسطه.»

ثم اترك هاتفك.

ليس لأن المشكلة انتهت.

بل لأن يومك انتهى.

وهذا فرق كبير.


اقرأ أيضًا

علامة الذاكرة

لا تدع المشكلة تعيش نهايتها فيك مئة مرة قبل أن تعيشها الحياة مرة واحدة.

قد تأتي النهاية بما تخاف.

وقد تأتي بأخف منه.

وقد يأتي الفرج من موضع لم تحسبه.

والله أعلم بما يكون.

لكن ما دام هذا اليوم بين يديك، فلا تقدمه كله قربانًا لاحتمال.

خذ من المشكلة قدر ما تحتاجه لتفهم، وتخطط، وتتحرك، وتدعو.

ثم أعد إليها بابها.

لا تجعلها تنام في كل غرفة.

فربما لم تنتهِ المشكلة بعد.

لكن قلبك ليس مضطرًا أن ينتهي معها كل ليلة.

اللهم احفظ قلوبنا من خوف يستهلكها قبل وقوع ما تخشاه، وارزقنا بصيرة نأخذ بها بالأسباب، وتوكّلًا نرد به الغد إليك، وقوة نعيش بها يومنا دون إنكار لألمنا ولا استسلام له.

تعليقات

عدد التعليقات : 0