هل الحزن ينافي الصبر؟ الصبر لا يُقاس بهدوء الطريق

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

هل الحزن ينافي الصبر؟ لا يُقاس الصبر بهدوء الطريق أو ثبات المشاعر، بل ببقاء العبد في طريق الله حين يعود الخوف، ويثقل الألم، وتتبدل طاقة القلب.

مسافر وحيد يواصل السير على طريق صخري مبتل تحت المطر نحو ضوء بعيد، تعبيرًا عن الصبر والثبات في طريق العبودية رغم الألم واضطراب القلب
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

عودة الألم لا تمحو صبرك

يهدأ الألم ليلة، فتظن أنك أخيرًا تعلمت الصبر.

تستيقظ وفي صدرك شيء من السكينة، وتصلي دون ذلك الثقل المعتاد، وتنظر إلى البلاء فلا يهجم عليك كما كان يفعل. تقول في نفسك: لقد رضيت، تجاوزت المرحلة الأصعب، ولن أعود إلى اضطرابي القديم.

ثم يأتي صباح آخر.

يعود الخوف، أو يشتد المرض، أو تستيقظ الذكرى، أو تتجدد الحاجة التي لم تجد لها دفعًا. يضيق صدرك، وتبكي، وتجد نفسك تكرر الدعاء نفسه بحرارة من ظن أنه هدأ ثم اكتشف أن وجعه ما زال في موضعه.

ولا تكتفي بالتألم، بل تضيف إلى ألمك اتهامًا:

لو كنت صابرًا حقًا لما عدت إلى هذا الاضطراب.

كأنك لا تعترف بصبرك إلا حين يجف الطريق تحت قدميك، وتهدأ الريح، وتستقيم خطواتك بلا تعب. أما حين يثقل السير، أو تتباطأ، أو تحتاج إلى التوقف قليلًا، فتظن أنك خرجت من الطريق كله.

لكن المسافر لا يُقاس بثيابه الجافة، بل بوجهته. قد يبتل بالمطر، وترتجف قدماه، ويجلس ليسترد أنفاسه، ويقطع في ساعة ما كان يقطعه في دقائق؛ ومع ذلك لا يكون قد غادر الطريق.

والسؤال الكاشف هنا:

هل الصبر أن يهدأ الطريق، أم أن تبقى في طريق الله وهو يؤلم قدميك؟

الصبر ليس هدوءًا شعوريًا ثابتًا

الصبر ليس حالة شعورية ثابتة لا يدخلها الخوف أو الحزن. ولو كان الصبر هو الراحة، لما كان للابتلاء فيه معنى؛ لأن الإنسان لا يحتاج إلى كثير مجاهدة حين يطمئن كل شيء داخله.

إنما يظهر الصبر حين يدعوك الألم إلى طريق، وتختار أنت طريق العبودية.

يدعوك الخوف إلى سوء الظن، فترتجف دون أن تتهم الله. ويدعوك الغضب إلى الظلم، فتغضب دون أن تتعدى. ويدعوك الحزن إلى ترك ما تستطيع من واجب، فتؤديه على قدر طاقتك. ويدعوك التأخير إلى اليأس، فتقول: لا أعلم ما يأتي، لكنني لا أغلق باب رحمة الله.

قد يكون قلبك في هذه اللحظات مضطربًا، لكن اضطرابه لا يعني أنه غادر الله.

الصبر والحزن في قلب واحد

يعقوب عليه السلام قال حين اشتد عليه الفقد:

﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾

[يوسف: 83]

ثم قال:

﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾

[يوسف: 86]

اجتمع الصبر والحزن في قلب واحد. لم يكن الصبر إنكارًا للفقد، ولم تمنعه شدته من أن يبث حزنه إلى الله. لقد صبر، لكنه لم يصبح حجرًا. بقي أبًا موجوعًا، وبقي مع ذلك عبدًا يرجع بوجعه إلى ربه.

فالشكوى إلى الله ليست نقيض الصبر، والبكاء لا يمحوه، وطلب الفرج لا يفسده. ولك أن تصف ألمك لمن يستطيع معاونتك، وأن تطلب العلاج والمشورة، وأن تستريح حين يعجز جسدك، وأن تقول إنك متعب دون أن يكون هذا اعتراضًا على الله.

الفرق ليس بين من يتألم ومن لا يتألم، بل بين من يحمل ألمه إلى الله ومن يجعل الألم يقوده بعيدًا عنه.

السكينة نعمة وليست المقياس الوحيد

وقد يخدعك الهدوء أحيانًا، فتظنه الصبر كله. تكون مرتاحًا لأن السبب خف، أو لأنك سمعت خبرًا جيدًا، أو لأن رجاءً قويًا غلب خوفك. فإذا زال ذلك الشعور ظننت أن إيمانك زال معه.

السكينة نعمة، لكنها ليست الشهادة الوحيدة على صدقك. قد يمنحك الله راحة تعينك، وقد تمر بك ساعات لا تجد فيها إلا القدرة على ألا تستسلم. وفي الحالتين أنت محتاج إليه.

لا تجعل علاقتك بالله رهينة الطقس الداخلي لقلبك. فالمشاعر تتبدل؛ يهدأ الخوف ثم يعود، ويقوى الرجاء ثم يضعف، وتنفتح النفس للعبادة ثم تثقل. أما العبودية فليست أن تضمن صفاء مشاعرك، بل أن تعرف ما يرضي الله منك في كل حال، وتأتي منه بما تستطيع.

أين يظهر صبرك اليوم؟

ربما كان صبرك اليوم صلاة أديتها مع ثقل شديد، لا خشوعًا يملأ صدرك. وربما كان كلمة مؤذية أمسكت عنها وأنت غاضب. وربما كان علاجًا واصلت أخذه بعدما مللت، أو عملًا خرجت إليه والحزن يرافقك، أو دعاء قلته دون أن تشعر بالانشراح الذي كنت تجده من قبل.

هذه الأفعال قد تبدو صغيرة لمن يراها من الخارج، لكنها خطوات حقيقية على طريق شديد.

ابقَ على الطريق بقدر استطاعتك

ولا يعني البقاء في طريق العبودية أن تسير بالسرعة نفسها كل يوم. للمريض قدرته، وللمرهق طاقته، ولصاحب البلاء أيام يقوى فيها وأيام يضعف. والله لا يكلّف نفسًا إلا وسعها.

قد يكون سيرك في يوم أن تنهض لأعمال كثيرة، وقد يكون في يوم آخر أن تحفظ الفرائض بحسب استطاعتك، وتكف نفسك عن قرار مؤذٍ، وتطلب مساعدة قبل أن يشتد عليك الأمر. الراحة التي تستعيد بها قدرتك ليست انسحابًا، والتداوي ليس نقصًا في الرضا، والاحتماء بمن يعينك ليس خروجًا من التوكل.

الطريق لا يطلب منك أن تتظاهر بالقوة، بل أن تظل وجهتك صحيحة.

العثرة لا تبطل الرحلة

وقد تقع منك زلة تحت شدة الألم. ربما تقول كلمة تندم عليها، أو يفوتك خير كان في وسعك، أو يسيطر عليك الجزع لحظة. لا تحول العثرة إلى حكم بأن رحلتك كلها بطلت. تب، وأصلح ما استطعت، وعد من الموضع الذي وقعت فيه.

الصابر ليس إنسانًا لا يتعثر أبدًا، بل عبد لا يجعل تعثره مبررًا لأن يعطي ظهره لله.

قِس صبرك بأثر العبودية

ولهذا لا تراجع يومك بالسؤال عن مقدار الراحة التي شعرت بها. انظر إلى أثر العبودية فيه: صلاة حفظتها، ومحرم قاومته، وحق أديته، وسبب مشروع أخذته، ودعاء عدت به إلى الله، أو زلة لم تصر عليها.

هنا ابحث عن صبرك، لا في غياب الدموع.

خذ خطوة الساعة

وحين يشتد الألم، لا تطالب نفسك بحمل الطريق كله دفعة واحدة. خذ الخطوة التي بين يديك. أدِّ عبادة الساعة، واترك ما بعدها حتى يأتي. قل: يا رب، لا أملك أن أجعل الطريق سهلًا، لكنني أسألك ألا يخرجني وجعه عنك.

لا تقس صبرك بمقدار ما تشعر به من راحة، بل بمقدار بقائك في طريق العبودية رغم ما تشعر به من ألم.

ابقَ لله وأنت تتألم

قد لا يهدأ الطريق قريبًا، ولا نملك أن نعدك بموعد زوال ما يؤلمك. لكنك تستطيع، بعون الله، أن تبقى متجهًا إليه: تتعب فتستريح، وتضعف فتستعين، وتتعثّر فتعود، وتبكي دون أن تجعل دموعك دليلًا على أنك غادرت الطريق.

فليس الصابر من لم تؤلمه الرحلة؛ بل من بقي لله وهو يتألم.

تعليقات

عدد التعليقات : 0