كيف تعرف أن الفرج قريب؟ الفرج لا يُقرأ من عقارب الأسباب

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

كيف تعرف أن الفرج قريب؟ لا تمنحك الأسباب المفتوحة ولا سكينة القلب علمًا بموعده؛ فهي تعينك على السعي والعبادة، لكنها لا تكشف لك ما استأثر الله بعلمه من الغيب.

رجل يقف بين ساعة كبيرة وباب مضاء مفتوح وآخر مغلق في ممر داكن، تعبيرًا عن أن الأسباب لا تكشف موعد الفرج
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين تصنع من الأسباب ساعة للفرج

يأتيك اتصال بعد انتظار طويل، أو يتيسّر موعد تعذّر مرارًا، أو يَعِدك شخص بالمساعدة، أو يظهر في الطريق سبب لم يكن موجودًا بالأمس.

فجأة يخفّ ما في صدرك، ويتسع تنفسك، وتقول في داخلك: اقترب الفرج.

ثم يتعطل الموعد، أو يتأخر الرد، أو يتراجع من وعدك، أو يُغلق السبب الذي ظننته بداية النهاية. فتعود الوحشة إلى قلبك، وتقول: يبدو أن الفرج ما يزال بعيدًا.

خلال أيام قليلة أصدرت حكمين متناقضين على موعد لا تعرفه: قرّبته حين انفتح السبب، وأبعدته حين تعثر. لم يأتك في الحالتين علم بموعد الفرج؛ كل ما تغيّر هو ما ظهر لك من الأسباب وما مر بقلبك من مشاعر.

لكن شدة الحاجة تجعل الإنسان يبحث عن ساعة يخبر بها نفسه كم بقي.

فيأخذ من كل باب ينفتح عقربًا، ومن كل راحة يشعر بها عقربًا آخر، ثم يصنع منهما ساعة يتوهم أنها تقيس المسافة بينه وبين الفرج. فإذا تحركت الأسباب إلى الأمام اطمأن، وإذا توقفت ظن أن الموعد ابتعد، وإذا انشرح صدره جعل انشراحه بشارة، وإذا عاد إليه الخوف عدّه نذيرًا بأن ما رجاه لن يقع.

ولست تفعل ذلك عبثًا. أنت متعب، وعدم معرفة الموعد يؤلم. تريد علامة تمنح الانتظار حدًّا، وتقول لقلبك إن ما يحمله لن يطول كثيرًا.

السبب لا يخبرك بالغيب

لكن السبب لم يُخلق ليخبرك بالغيب، والشعور لم يُجعل نافذة على المستقبل.

والسؤال الكاشف هنا:

هل جعل الله الأسباب وسائل تعمل بها، أم عقارب تطلعك على موعد ما أخفاه عنك؟

قال الله تعالى:

﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾

[الأنعام: 59]

موعد الفرج وكيفيته من الغيب الذي لا يعلمه العبد قبل وقوعه بمجرد ما يراه من أسباب أو يشعر به من أحوال. أما انفتاح سبب أو انغلاقه، وراحة القلب أو اضطرابه، فلا تمنح الإنسان حق الجزم بما سيأتي.

قد يكون السبب المفتوح قويًا ومبشّرًا بحسب الحسابات الظاهرة، ومن حقك أن تراه فرصة، وأن تستعد له، وأن ترجّح نجاحه إذا قامت القرائن المعتبرة. لكن الترجيح البشري ليس وعدًا من الله، والاحتمال القوي لا يتحول إلى علم بالغيب.

ماذا يعني الباب المفتوح أو المغلق؟

الباب المفتوح يقول لك: هنا سبب متاح، فخذه.

ولا يقول لك: انتهى الانتظار، وسيتحقق المطلوب حتمًا.

والباب المغلق يقول لك: هذا السبب لم يتم الآن.

ولا يقول لك: كُتب عليك الحرمان، ولن يفتح الله لك سواه.

الأسباب تدل على إمكانات الواقع، لا على تمام القدر. قد يقوى السبب ولا تتم النتيجة، وقد يأتي الفرج من جهة لم تدخل في حسابك. ولذلك أُمرت أن تأخذ بالسبب، ولم تُؤمر أن تسلّمه قلبك أو تستخرج منه موعدًا.

السكينة رحمة للحاضر لا وعد للمستقبل

وكذلك الراحة.

قد يشرح الله صدرك، ويهبك ساعة من السكينة بعد تعب، فتشعر أن الحمل صار أخف. هذه نعمة تستحق الحمد، لكنها نعمة في وقتها الحاضر، لا وثيقة تخبرك بما سيقع غدًا.

قد تكون الراحة أثرًا لدعاء، أو ذكر، أو نوم، أو تقبّل نفسي مؤقت، أو كلمة طيبة سمعتها. انتفع بها لتعبد الله، وتستعيد قوتك، وتواصل سعيك؛ ولا تحمّلها ما لا تحتمل من خبر عن المستقبل.

حين تتحول المشاعر إلى ساعة سرية

فإن جعلت الانشراح وعدًا، صار زواله نقضًا للوعد في شعورك. وكلما عاد القلق ظننت أن البشارة سُحبت منك، فتنتقل من مراقبة الأسباب إلى مراقبة قلبك: تفتش عن الطمأنينة، وتقيس درجتها، وتخاف من كل انقباض، كأن تغيّر الشعور يغيّر ما كتبه الله.

السكينة لا تعني حتمًا أن الفرج قريب، كما أن القلق لا يعني أنه بعيد. كلاهما يصف حالك في هذه اللحظة، ولا يكشف لك ما وراءها.

وقد يأتي الفرج والإنسان في أشد لحظات خوفه، وقد تمر به سكينة طويلة ولا يتغير واقعه بعد. ليس لأن السكينة بلا قيمة، بل لأنها رحمة تعين القلب على يومه، لا ساعة سرية تعد له ما بقي من البلاء.

كيف يربك هذا الربط عبوديتك؟

وحين تربط قرب الفرج بالأسباب والمشاعر، تصبح عبوديتك شديدة التقلب. تنشط في الدعاء حين يلوح لك أن الأمر قريب، وتفتر حين يتعثر السبب. تحسن الظن بالله حين يرتاح صدرك، ثم تخاف أن تكون قد خدعت نفسك حين يعود الألم.

وهكذا يصبح استقرار قلبك رهينًا للتقرير اليومي الذي تصدره الأسباب والمشاعر عن المستقبل.

التفويض: أعطِ السبب وظيفته

والتفويض لا يعني أن تغلق عينيك عن الواقع، أو أن تتوقف عن تقدير الاحتمالات، أو أن تترك سببًا تستطيع أخذه. التفويض أن تعطي السبب وظيفته، ثم تمنعه من تجاوزها.

تطرق الباب الممكن، وتتابع المعاملة، وتستشير، وتتعلم، وتتداوى، وتبحث عن الرزق. فإن ظهر تقدم حقيقي بنيت عليه الخطوة التالية، لكنك لا تنفق النتيجة في خيالك قبل أن تملكها، ولا تجعل قلبك يحتفل بتمام أمر لم يتم.

وإن تعطل السبب، راجعت ما تستطيع إصلاحه، وجربت طريقًا مشروعًا آخر، ثم لم تحول التعطل إلى حكم على الله أو على مستقبلك كله.

سمِّ الأشياء بأسمائها الدقيقة

سمِّ الأشياء بأسمائها الدقيقة.

حين ينفتح سبب، قل: هذه فرصة أحمد الله عليها، وسآخذ بها.

وحين تجد راحة، قل: هذه سكينة أحتاجها اليوم، ولا أعلم ما تأتي به غدًا.

وحين يُغلق سبب، قل: هذا الطريق لم يتم الآن، ولا أعلم ما قدّر الله بعده.

وحين يعود الخوف، قل: أنا متعب في هذه اللحظة، وليس تعبي نبأً عن المستقبل.

بهذا لا تقتل الرجاء، بل تنقذه من أن يتحول إلى تنبؤ. ولا تهمل الواقع، بل تقرؤه دون أن تطلب منه علم الغيب.

نظّم علاقتك بالأسباب

ثم نظّم علاقتك بالسبب. اجعل للمتابعة وقتًا معقولًا، وللسؤال موضعًا نافعًا، ثم عد إلى عملك وعبادتك وحياتك. كثرة النظر إلى العقارب لا تقدم الساعة، وكثرة فحص السبب لا تمنحه قدرة ليست فيه.

خذ الخطوة المطلوبة منك، واترك الموعد لمن يعلمه.

دعاء التفويض في انتظار الفرج

وقل لله:

يا رب، أنت تعلم حاجتي، وتعلم متى يكون فرجها وكيف يكون. فيسّر لي الأسباب النافعة، وأعني على الأخذ بها، ولا تجعل قلبي يطلب منها علم غيبك. وارزقني رجاءً لا يدّعي، وسكينة لا تتحول إلى وعد، وتفويضًا لا يعطل السعي.

موعد الفرج عند الله وحده

خذ من انفتاح الباب سببًا، ومن الراحة سكينة، ولا تأخذ من أيهما موعدًا.

قد يكون الفرج أقرب مما تظن، وقد يكون أبعد، وقد يأتي على صورة لم ترتبها. لا تعلم، وليس مطلوبًا منك أن تعلم.

المطلوب أن تعمل بما ظهر، وتستريح من حمل ما غاب؛ فموعد الفرج وكيفيته عند الله وحده.

تعليقات

عدد التعليقات : 0