معنى ﴿بشيء من الخوف﴾: حين لا يكون «البعض» هينًا

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

بشيء من الخوف لا تعني أن أثر البلاء هيّن على صاحبه؛ فالآية تضعه داخل حد، لكنها لا تنكر ثقله في شعور المبتلى ولا تتهمه لأن الألم ملأ مجال رؤيته.

منزل صغير تحت مطر غزير ينهمر من سحابة محدودة في سماء داكنة، تعبيرًا عن بلاء محدود في نطاقه لكنه شديد الأثر في شعور صاحبه
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

هل تعني ﴿بِشَيْءٍ﴾ أن البلاء هيّن؟

قد يمر المبتلى على كلمة ﴿بِشَيْءٍ﴾ فيشعر بحرج لا يقوله.

هو يعلم أن كلام الله حق، ولا يعترض عليه، لكن شيئًا في داخله يقول: ما أصابني ليس صغيرًا في قلبي. الخوف أخذ نومي، والمرض أتعب جسدي ومن حولي، والفاقة مسّت كرامتي وضرورياتي، وفقد إنسان واحد لم يكن عندي «نقصًا» عابرًا؛ بل غاب معه جزء من الحياة التي أعرفها.

يقرأ:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾

[البقرة: 155]

ثم ينظر إلى بلائه فيجده قد ملأ مجال رؤيته، فيخشى أن يكون تألمه الشديد دليلًا على ضعف صبره، أو أن تكون كلمة ﴿بِشَيْءٍ﴾ مطالبة له بأن يرى ما يوشك أن يسحقه أمرًا هيّنًا.

الآية لا تجادل المبتلى في وجعه

لكن الآية لا تجادل المبتلى في وجعه.

لقد سمّت الخوف خوفًا، والجوع جوعًا، والنقص نقصًا. لم تطلب من الخائف أن ينكر ارتجافه، ولا من الجائع أن يتظاهر بالشبع، ولا ممن نقص ماله أو فقد حبيبًا أن يسمي الخسارة اكتمالًا.

بل إن ذكر هذه الآلام في القرآن إقرار بثقلها على البشر؛ ولذلك لم تأت بعدها ملامة للمتألمين، وإنما جاءت بشارة للصابرين.

والسؤال الكاشف هنا:

هل جاءت كلمة ﴿بِشَيْءٍ﴾ لتصغّر ما تشعر به، أم لتضع البلاء ـ مهما اتسع في إحساسك ـ داخل حد لا يخرج عن علم الله وتقديره؟

الابتلاء داخل نظام الدنيا

افتتحت الآية بقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾.

اللام ونون التوكيد لا تتركان النفس تنتظر حياة لا يمسها البلاء. وقوع الابتلاء في الدنيا ليس حادثًا خارج نظامها، ولا دليلًا بذاته على أن المبتلى مطرود من رحمة الله أو معاقب على ذنب معين. قد يكون في البلاء تكفير ورفعة وامتحان، وقد يقع بسبب من الأسباب، ولا نملك تعيين حكمته في شخص بعينه بغير دليل.

لكن الآية تهيئ القلب لحقيقة لا يحب سماعها: لن تمر الحياة كلها كما تريد. سيمسك الخوف مواضع منك، وقد يمسك الجوع أقوامًا، وتنقص الأموال والأنفس والثمرات، وسيكون في الدنيا ما يؤلم ولا تستطيع رده كله.

ثم جاءت كلمة ﴿بِشَيْءٍ﴾.

محدود في جنسه وعظيم في أثره

هي لا تعني أن أثر البلاء سيكون يسيرًا عليك، ولا أن مدته قصيرة، ولا أن ما فقدته قليل القيمة. قد يكون «الشيء» من الخوف ليلة لا يستطيع فيها الإنسان أن يغمض عينيه، وقد يكون خوفًا يلازمه زمنًا. وقد يكون النقص جزءًا من المال في الحساب، لكنه عند صاحبه قوت أسرته وأمان بيته. وقد تكون النفس المفقودة واحدة في العدد، لكنها في قلب أم أو أب أو زوج أو ولد عالم كامل من الذكريات والمودة.

المحدود من جنس البلاء قد يكون عظيمًا في الأثر، والبعض منه قد يملأ شعور المبتلى حتى يظنه كل شيء.

لكن امتلاء شعورك بالبلاء لا يعني أن البلاء صار بلا حد.

إنه معلوم لله قبل أن يقع، ومقدّر لا منفلت، ولم يخرج وقوعه عن ملكه. وليس هو كل قصتك، ولا كل حقيقتك عند الله، ولا كل ما بقي من حياتك، وإن حجب عنك الألم رؤية غيره.

قد يحجب الألم عنك هذا المعنى؛ لأن الإنسان لا يقيس المصيبة بعدد ما بقي، بل بقدر ما أخذت منه. ومن فقد عافيته لا تسليه بسهولة قائمة النعم، ومن خاف على ولده لا يستطيع أن يوزع قلبه على بقية ما يملك، ومن اجتمع عليه المرض والفاقة قد يصبح يومه كله محاولة للبقاء.

لا تستخدم ﴿بِشَيْءٍ﴾ لإسكات المتألم

ولهذا لا ينبغي أن نستعمل كلمة ﴿بِشَيْءٍ﴾ لإسكات المتألم، فنقول له إن ما أصابه قليل وعليه ألا يجزع. هذا ليس من المواساة، وقد يضيف إلى ألمه شعورًا بأنه متهم لأن البلاء أثقله.

الآية لا تقول إن الصابرين هم الذين لم يشعروا بشدة ما أصابهم، بل تبشر من صبروا وهم داخله.

الصبر ليس غياب الألم

الصبر ليس غياب الألم، ولا جمود العين، ولا ألا يخاف القلب لحظة، ولا ألا يشتاق الفاقد، ولا ألا يتمنى المريض العافية. الصبر أن يبقى العبد في حدود عبوديته وهو يتألم: فلا يحملنه البلاء على قول محرم، ولا على ظلم، ولا على ترك ما يقدر عليه من واجب، ولا على اليأس من رحمة الله.

وقد يضعف الصابر، ويبكي، ويشكو إلى الله، ويطلب العون، ويأخذ العلاج، ويبحث عن الرزق، ويستعين بمن يستطيع مساعدته. كل ذلك لا يناقض الصبر؛ فالصبر لا يعني ترك دفع البلاء، بل يعني ألا تفقد قلبك ودينك وأنت تدفعه بما تستطيع.

ثم وصف الله الصابرين بقوله:

﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

[البقرة: 156]

لم يقل إنهم فهموا لماذا وقعت المصيبة، ولا إنهم عرفوا متى تنتهي، ولا إنهم لم يتألموا. إنما ردوا أنفسهم وما يحبون إلى الحقيقة الكبرى: نحن لله، وما في أيدينا لله، وإليه مرجعنا.

﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾: إعادة العبد إلى موضعه

قول ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ ليس عبارة تقال لتخدير الوجع، بل إعادة لموضع العبد حين يحاول الألم أن يخرجه منه. أنت مملوك لله قبل البلاء وفيه وبعده، وهو أرحم بك وأعلم، ولا تملك من أمر نفسك ولا من تحب استقلالًا عنه.

﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾: البلاء ليس النهاية

وقول ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ لا يعدك بأن كل ما فقدته سيعود إليك في الدنيا، لكنه يرد نهاية الطريق إلى الله. فلا يكون البلاء هو خاتمة وجودك، ولا تكون الخسارة هي الكلمة الأخيرة في ميزان لا ترى منه الآن إلا صفحة الدنيا.

بشارة الصابرين التي نصت عليها الآية

ثم بيّن الله بنفسه بشارة الصابرين:

﴿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾

[البقرة: 157]

لم يحصر البشارة في رجوع المال، أو زوال المرض، أو تعويض الفقد بعين ما يتمناه الإنسان. هذه أمور قد تقع وقد لا تقع بالصورة التي نرجوها. أما البشارة التي نصت عليها الآية فهي صلوات من الله ورحمة وهداية.

وهذا أضبط للرجاء وأرحم بالقلب؛ لأن بشارة الله ثابتة، أما السيناريو الدنيوي الذي نختاره فلا نملك أن ننسب إليه وعدًا لم يرد به دليل.

كيف تمنع البلاء من أن يصير كل شيء؟

والعلاج ليس أن تطلب من نفسك أن ترى بلاءها صغيرًا، بل أن تمنعه من التحول إلى الحكم الوحيد على كل شيء.

سمِّ ما يؤلمك باسمه. قل: أنا خائف، أو مريض، أو فقدت مالًا، أو فقدت إنسانًا أحبه. لا تخفف العبارة حتى تكذب على نفسك، ولا توسعها حتى تقول: انتهت حياتي كلها.

ثم خذ يومك بمقداره. لا تحمل ألم الشهر المقبل قبل أن يأتي، ولا تضف إلى نقص اليوم كل ما تخشاه في الغد. افعل السبب الممكن الآن: دواء، أو طلب مساعدة، أو سعي في رزق، أو حفظ حق، أو راحة يحتاجها جسدك، أو صلاة تؤديها بقدر استطاعتك.

وإذا لم تجد في نفسك إلا القليل، فلا تحتقره. قد يكون صبر هذه الساعة أن تمنع لسانك من كلمة يأس، أو أن تنهض لواجب واحد، أو أن تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون وأنت تبكي.

الصبر أن تبقى في طريق العبودية

لا تقس صبرك بمقدار ما تشعر به من راحة، بل بمقدار بقائك في طريق العبودية رغم ما تشعر به من ألم.

الصبر ليس أن يصغر البلاء في شعورك؛ بل ألا يخرجك كبره عن عبوديتك.

فلا تخجل لأن «شيئًا» من الخوف أثقل صدرك، أو لأن «نقصًا» واحدًا غيّر شكل حياتك. الله الذي سمّى البلاء ﴿بِشَيْءٍ﴾ هو الذي علم ثقله، ثم لم يترك صاحبه داخله بلا بشارة.

وضع البلاء داخل حد، ووضع الصابرين داخل رحمته.

تعليقات

عدد التعليقات : 0