تقف على قمة أسبابك، مشدود القامة، موفور العافية، ممتلئ اليدين.
تنادي فيُستجاب لك، وتأمر فيُطاع لك، وتخطط فتنتظم أشياء كثيرة كما أردت. خبرتك تدلّك على مواضع الخطوات، ومالك يمنحك مساحة من الأمان، ومكانتك تسبقك إلى المجالس، وصحتك توهمك أن الطريق ما يزال طويلًا تحت قدميك.
تمسك هاتفك فتُجري اتصالًا يغيّر قرارًا، وتوقّع بقلمك فتتحرك أموال وأعمال، ثم تضع يدك على صدرك مصادفةً…
فتشعر بنبضة لم تأمر بها.
نبضة لم تستأذنك قبل أن تبدأ، ولا تملك أن تأمرها بأن تأتي بعد لحظة.
وهنا ينهض السؤال الذي تُسكته ضوضاء القوة:
ماذا تملك حقًّا، إذا كنت لا تملك استمرار الإنسان الذي يملك؟
تستيقظ في صباحك، فتنهض بقدمين سليمتين، وتمضي إلى شأنك بعقل حاضر، ويدٍ تعرف كيف تعمل، ولسان يحسن البيان، وخبرة تراكمت فيك حتى صرت تعرف من أين تبدأ، وكيف تتجاوز العقبات، وكيف تبلغ ما تريد.
تفتح الأبواب، وتعقد الصفقات، وتحل المشكلات، وتدبّر أمورك، ثم تعود في آخر يومك وفي صدرك شعور خفيّ يقول لك:
لقد استطعت.
ولم تقل: استغنيت عن الله.
لكن قلبك ربما تصرّف كأنك استغنيت.
خفّ دعاؤك، وقلّ انكسارك، وصرت تدخل إلى أعمالك معتمدًا على ما في يدك، لا مستعينًا بمن وضع القوة في يدك. تنظر إلى خبرتك كأنها ضمان، وإلى ذكائك كأنه حارس لا يغفل، وإلى قدرتك كأنها ملك ثابت لا يزول.
وهنا يبدأ أخطر الفقر:
أن تكون محتاجًا إلى الله في كل شيء، ثم لا تشعر بحاجتك إليه؛ لأنك قادر.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
لماذا يحتاج القادر إلى الله؟
فهل سألت نفسك يومًا:
من الذي أقنعك أن القدرة ترفع عنك الافتقار؟
إن العاجز يحتاج إلى الله ليقدر، ولكن القادر يحتاج إلى الله كي تبقى قدرته، وكي يهتدي بها إلى الصواب، وكي تُفتح لها الطريق، وكي لا تنقلب عليه، وكي تبلغ غايتها، وكي يبارك الله أثرها، ويحفظ قلبه من أن يُفتن بها.
أنت لا تحتاج إلى الله فقط عندما تعجز يدك عن العمل؛ بل تحتاج إليه واليد تعمل.
ولا تحتاج إليه فقط عندما يعجز عقلك عن إيجاد المخرج؛ بل تحتاج إليه وعقلك يفيض بالحلول.
ولا تحتاج إليه فقط حين تُغلق الأبواب؛ بل تحتاج إليه وهي مفتوحة؛ لأن الباب المفتوح قد لا يوصلك، والطريق الواضح قد يُحجب عنك في آخره، والقوة التي بين يديك قد تعمل طويلًا ثم تعجز عند اللحظة التي كنت تظن أنها لحظة الحسم.
تملك أن تشتري أفخم سرير، لكنك لا تملك أن تأمر النعاس بأن ينزل.
وتملك أن تملأ مائدتك بأشهى الطعام، لكنك لا تملك أن تضمن شهية تستمتع به، أو جسدًا ينتفع بما أكل.
وتملك أن تبني بيتًا تحرسه الكاميرات، لكنك لا تملك أن تمنع القلق من أن يتسلل إلى صدرك في جوف الليل.
وتملك الدواء، لكنك لا تملك الشفاء.
وتملك أسباب الراحة، لكنك لا تملك أن تُلزم الطمأنينة بالإقامة في قلبك.
قوتك تمتد إلى أشياء كثيرة خارجك، أما في الداخل، حيث معمل الحياة الحقيقي، فأنت تعيش بنعمة لا تملك مفاتيحها.
أنت قوي بما أُعطيت، لكنك فقير إلى الله في استمرار ما أُعطيت.
فقر الجسد الذي لا ترفعه المكانة
تأمل هذا الجسد الذي تمشي به، وتبني على عافيته خطط السنوات المقبلة.
هل تملك إيقاع نبضة واحدة في قلبك؟
هل تملك حركة خلية في دمك، أو سلامة شريان دقيق في دماغك، أو بقاء ذاكرتك التي تدير بها أعمالك وتعرف بها أسماء من تحب؟
إنك لا تملك جسدك ملكًا ذاتيًّا مستقلًّا، بل تعيش فيه بنعمة يجريها الله عليك لحظة بعد لحظة. نبضك من فضله، وعافيتك من عطائه، وذكاؤك هبة، وقدرتك وديعة، وكل ما تزهو به محتاج إلى حفظ الله قبل أن تحتاج أنت إلى استعماله.
قد يعجز قائد يحرّك آلاف الرجال أمام اضطراب دقيق في جسده.
وقد يقف صاحب الملايين عاجزًا أمام ألم لا يستطيع ماله أن يحمله عنه.
وقد يملك الإنسان من النفوذ ما يفتح له أبواب المدن، ثم يعجز أن يفتح لقلبه باب السكينة.
وليس المقصود أن تعيش خائفًا من جسدك، تراقب نبضك، وتتوقع زوال نعمك، وتنتظر المصائب؛ بل أن تصحح موضع القوة في قلبك:
أن تعرف أن العافية نعمة، لا وثيقة ضمان.
وأن القدرة أمانة، لا صفة ذاتية لا تنفك عنك.
وأن الأسباب تعمل، لكنها لا تعمل مستقلة عن مشيئة الله، ولا تملك أن تمنحك أثرها بغير إذنه.
كم من إنسان امتلك أدوات النجاح كلها، ثم ضلّ القرار!
وكم من قويّ أفسدت قوته ما بناه في أيام ضعفه!
وكم من ذكيّ قاده ذكاؤه إلى باب هلاكه؛ لأنه وثق بعقله حتى لم يعد يرى مواضع عماه!
وكم من نعمة لم تُهلك صاحبها بفقدها، بل أهلكته حين أساء حملها!
ليست النعمة أن تملك القدرة فحسب، بل أن يحفظ الله عليك بصيرتك وأنت قادر؛ فلا تغتر، ولا تطغى، ولا تظلم، ولا تنسب إلى نفسك ما أجراه الله على يديك.
فتنة القوة ووهم الاستغناء
ولهذا كان استحضار الافتقار إلى الله في حال القوة أصدق وأخفى من استحضاره في حال العجز.
فالعاجز تدفعه حاجته إلى الباب، أما القادر فقد يحتاج إلى مجاهدة قلبه كي لا يبتعد عنه.
العاجز يرى فقره، والقادر قد تحجبه أدواته عن رؤيته.
العاجز يقول: لا أملك.
أما القادر فقد يقول بلسانه: الأمر لله، بينما يقول قلبه في صمت:
أنا أعرف كيف أفعلها.
وهذه هي الفتنة.
ليست الفتنة دائمًا أن تقول: أنا مستغنٍ عن الله.
بل قد تكون الفتنة أن تمضي في طريقك دون أن تشعر أن الله لو وكلك إلى نفسك، لضاع منك ما كنت تظن أنك تحسنه.
قال الله تعالى:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾.
لم يقل: حين استغنى؛ فالإنسان لا يستغني عن ربه حقيقة.
بل قال: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾.
إنها رؤية مختلة، لا حقيقة ثابتة.
يرى نفسه مكتفيًا؛ لأن الأسباب اجتمعت في يده، وينسى أن يده نفسها، وعقله الذي يديرها، والفرصة التي اجتمعت له، والنتيجة التي خرجت منها، كلها نعم لا تقوم بذاتها.
ليس الخطأ أن ترى أثر جهدك، بل أن تنسى فضل الله فيه.
وليس الخلل أن تستفيد من خبرتك، بل أن تتحول الخبرة في قلبك من سبب تستعمله إلى معتمد تستغني به.
وليس التوحيد أن تنكر الأسباب، بل أن تستعملها بكامل قوتك دون أن تمنحها في قلبك سلطة لا تملكها.
فالسبب أداة، لا ربّ.
وباب، لا عهد.
ووسيلة، لا تملك أن تصدر الحكم الأخير.
أنتم الفقراء إلى الله
وقال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
لم يقل: أنتم الفقراء إلى الله حين تضعفون.
ولم يقل: حين تمرضون، أو تُغلق في وجوهكم الأبواب، أو تنفد من أيديكم الأسباب.
قال: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾.
فقر ملازم لوجودك، لا ترفعه صحة، ولا مال، ولا علم، ولا جاه، ولا قوة، ولا كثرة أسباب.
أنت فقير إليه في نبض قلبك الذي لا تأمره أن ينبض، وفي عقلك الذي قد تملؤه الأفكار ثم يعجز عن رؤية أبسط الحقائق، وفي لسانك الذي قد يعرف الكلام ثم يُغلق عنه البيان، وفي قوتك التي قد تسكن جسدك كاملة ثم يُحال بينها وبين ما تريد.
أنت فقير إليه كي تبدأ.
وفقير إليه كي تستمر.
وفقير إليه كي لا تفسد في الطريق.
وفقير إليه كي تُتم.
وفقير إليه بعد أن تُتم؛ كي يتقبل منك، ويبارك لك، ويحفظ عليك ما أنجزت.
تحتاج إليه حين تسأله أن يعطيك، وتحتاج إليه حين تسأله أن يحفظ ما أعطاك، وتحتاج إليه كي يرزقك شكر نعمته، ويحمي قلبك من أن يُفتن بها.
لأن قدرتك نفسها تحتاج إلى الله كي تبقى، وكي تستقيم، وكي لا تنقلب عليك.
أنت لا تحتاج إليه فقط ليزيد قدرتك، بل تحتاج إليه ليحرسك من طغيانها.
تحتاج إليه ليضع البركة في مالك، فلا يصبح فتنة تستعبدك.
وفي مكانتك، فلا تتحول إلى كِبر يفسد قلبك.
وفي ذكائك، فلا يقودك إلى الغرور والتيه.
وفي قوتك، فلا تتحول إلى بطش بمن هم أضعف منك.
وفي نجاحك، فلا يصبح حجابًا يحجبك عن المنعم.
فقد تكون حاجة القادر إلى استحضار افتقاره أشد إلحاحًا؛ لأن الضعف يذكّر الإنسان بعجزه، أما القوة فقد تستر عجزه بثوب لامع حتى ينسى حقيقته.
ثم يبقى في الإنسان فقر لا تصل إليه خزائنه.
قد يملك وسائل العيش كلها، لكنه لا يملك جوابًا يشفيه حين يسأل نفسه في خلوته:
ما قيمة كل هذا؟
وإلى أين أمضي؟
ولماذا يزداد ما حولي امتلاء، بينما يزداد داخلي فراغًا؟
المال يشتري وسائل الراحة، لكنه لا يصنع المعنى.
والنفوذ يجمع الناس حولك، لكنه لا يضمن أن تزول وحشتك بينهم.
والنجاح يرفع اسمك، لكنه لا يجيب قلبك حين يسأل عن وجهته ومصيره.
وليست هذه إدانة للمال أو النجاح أو القوة؛ فهي نعم قد يُعبد الله بها، وتُصان بها الكرامة، وتُقضى بها الحاجات، ويُنفع بها الخلق.
لكنها خُلقت لتكون في يدك، لا لتستقر في محراب قلبك.
فإذا طلبت منها ما لا يملكه إلا الله، عذّبتك وهي بين يديك؛ لأنك انتظرت من المحدود أن يملأ فيك فقرًا لا يملؤه إلا الاتصال بالغني الحميد.
الأسباب في اليد لا في القلب
ولهذا قال نبي الله شعيب عليه السلام:
﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
لم ينفِ عن نفسه العمل، ولم يترك الأخذ بالأسباب، ولم يجلس ينتظر النتائج باسم التوكل.
عمل، ونصح، وواجه، وتكلم، ثم ردّ توفيقه كله إلى الله.
فالمؤمن لا يتبرأ من قوته، ولكنه يتبرأ من الاعتماد عليها.
لا يهمل خبرته، ولكنه لا يجعلها معبود قلبه.
لا يترك السبب، ولكنه يعرف منزلته.
الافتقار ليس أن تتصنع العجز وأنت قادر.
وليس أن تهمل ما وهبك الله، ثم تسمي إهمالك توكلًا.
وليس أن تقلل من نعم الله عليك، أو تنكر ما آتاك من قدرة وعلم وخبرة.
الافتقار أن تبذل قوتك كلها، وقلبك يعلم أن القوة لا تعمل وحدها.
أن تُحكم خطتك، ثم لا تسكن إليها.
أن تستعمل عقلك، ثم تسأل الله أن يهدي عقلك.
أن تدخل الباب المفتوح، وأنت تعلم أن الفتح الحقيقي ليس في صورة الباب، بل في إذن الله أن يوصلك من خلاله.
أن تنجح، فلا ترى نفسك أكبر، بل ترى فضل الله أوضح.
وأن تفشل في أمر اجتهدت فيه، فلا تسحق نفسك؛ لأنك تعلم أن النتائج ليست ملكًا لك، وأن عليك صدق السعي، أما المقادير فلله وحده.
وهذا هو التوكل مع الأخذ بالأسباب: أن تبذل ما تستطيع، دون أن تنسب إلى السبب قدرة مستقلة أو تجعل النتيجة حقًّا مضمونًا بخطتك.
سجدة القادر في أوج قوته
ومن أصدق مشاهد العبودية أن تسجد لله وأنت في أوج قدرتك.
أن تدخل محرابك لا لأن الأبواب كلها أُغلقت، بل وهي مفتوحة.
لا لأن جسدك خانك، بل وهو موفور العافية.
لا لأن مالك نفد، بل ويدك ممتلئة.
لا لأن الناس أعرضوا عنك، بل وهم ينتظرون إشارتك.
ثم تضع جبهتك على الأرض، ويسجد قلبك قبل جسدك، وتقول بصدق:
يا رب، ما بي من نعمة فمنك، وما عندي قائم بفضلك؛ فلا تكلني إلى نفسي، ولا تجعل قوتي حجابًا عنك، ولا نعمتي سببًا لطغياني، وأعنّي أن أحمل ما وهبتني حمل العبد الشاكر، لا حمل من توهّم أنه المالك المستغني.
هذه السجدة لا تهدم قوتك، بل تطهّرها.
ولا تجعلك مترددًا عاجزًا، بل تحررك من الفزع الذي يصيب من ظن أن بقاء كل شيء معلّق بقدرته وحدها.
فمن اعتقد أن كل شيء قائم على كتفيه، عاش مذعورًا من السقوط.
أما من أخذ بالأسباب، ثم علم أن الأمر كله لله، فقد جمع بين العمل والسكينة؛ يتحرك بيده، ولا يعبد ما في يده، ويحسن التخطيط، ولا يسكن إلى خطته، ويستعمل قوته، ولا ينسى واهب القوة.
وقد يظن الإنسان أن استحضار افتقاره يجعله هشًّا خائفًا، لكن الافتقار الصحيح إلى الله لا يصنع الجبن، بل يحرر القلب من عبودية الأشياء.
حين تعرف أن مالك سبب لا رب، لا تنهار روحك كلما اضطربت الأسواق.
وحين تعرف أن الناس أسباب لا يملكون لك من دون الله نفعًا ولا ضرًّا استقلالًا، لا تبيع مبادئك خوفًا من رضاهم أو سخطهم.
وحين تعرف أن قوتك هبة، لا تحتقر الضعيف، ولا تتجبر على من لا يستطيع ردك.
وحين تعرف أن النتائج ليست ملكًا لك، تعمل بإتقان، ثم لا تمزق نفسك لأن أمرًا لم يخرج كما خططت.
فالافتقار لا يعني أن تهجر الأسباب، بل أن تنزع منها وهم السيادة.
ولا يعني أن تحتقر قوتك، بل أن تعرف صاحب الفضل فيها.
ولا يعني أن تعيش مترقبًا زوال العافية، بل أن تعيش بها لله قبل أن تنقضي أيامها.
كيف تحيا الافتقار وأنت قوي؟
العلاج ليس أن تكسر ما في يدك، بل أن تكسر الصنم الذي قد يتشكل منه في قلبك.
كلما نجحت، فاذكر المنعم قبل أن تسكر بالنتيجة.
وكلما اشتدت قوتك، فاسأل نفسك:
هل جعلتني هذه النعمة أرحم بالناس، أم أشد استعلاء عليهم؟
وكلما اتسعت أسبابك، فراجع موضع اعتمادك:
هل السبب في يدك، أم تسلل حتى استقر في قلبك؟
وقبل أن تبدأ، قل بقلب صادق:
يا رب، لا أستطيع دونك، وإن كنت أملك الأدوات.
وأثناء عملك، راقب قلبك:
هل يستمد طمأنينته من الله، أم من إحكام الخطة؟
وبعد أن تنتهي، لا تقل في سرّك: نجحت لأنني كنت أذكى منهم.
بل قل كما قال سليمان عليه السلام:
﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾.
واستعمل قوتك فيما يرضي الله؛ لأن أصدق شكر للنعمة أن تتحول من وسيلة لتعظيم نفسك إلى وسيلة لنفع خلقه.
وهذا المعنى يتصل بسؤال لماذا لا نشكر الله على النعم؟؛ فالاعتياد على القدرة قد يجعل الإنسان يرى عطاء الله ملكًا طبيعيًّا له، لا منّة تستوجب الشكر وحسن الاستعمال.
وأكثر بقلب حاضر من دعاء الافتقار:
يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين.
ليس لأنك عاجز عن العمل، بل لأنك تعرف أن عملك نفسه لا يستقيم إلا بتوفيقه.
وليس لأنك تحتقر قوتك، بل لأنك تريد أن تبقى القوة نعمة في يد عبد، لا وثنًا في قلب متوهّم للاستغناء.
اقرأ أيضًا
لا تخلع قوتك
فربما كانت أعظم عبوديتك ألا تنكسر لله حين تسقط فقط، بل أن تنكسر له وأنت واقف.
وألا تسأله حين تفقد القوة فقط، بل أن تسأله أن يحفظك من فتنة القوة حين تملكها.
وألا تلجأ إليه عندما تنتهي حيلتك فقط، بل أن تبدأ به قبل أن تبدأ حيلتك.
لأن الفقر إلى الله ليس مرحلة تعبرها حتى تصبح قويًّا.
بل هو حقيقتك التي تنجو حين تعرفها، وتهلك من داخلك حين تنساها.
فلا تقل:
لماذا أحتاج إلى الله وأنا قادر؟
بل قل:
وكيف أبقى قادرًا إن لم يحفظني الله؟
وكيف أصيب الصواب إن لم يهدني؟
وكيف أبلغ إن لم يفتح لي؟
وكيف أنجو من نفسي إن لم يتولّني؟
إنك لا تفتقر إلى الله لأنك ضعيف فقط.
بل تفتقر إليه لأن كل قوة فيك منه، وكل بقاء لها بإبقائه، وكل خير يخرج منها فبتوفيقه.
فابذل ما عندك كله، ثم قف بقلبك على بابه فقيرًا.
واعمل مستفرغًا وسعك، وتوكل عالمًا أنك لا تملك من أمرك شيئًا إلا ما ملّكك الله إياه.
ولا تخلع قوتك، بل اخلع عنها دعوى الاستغناء.
ولا تترك الأسباب، بل أنزلها من عرش القلب إلى موضعها الصحيح في اليد.
ولا تنتظر حتى تسقط تيجان قدرتك لتعرف ربك؛ اعرفه والتاج فوق رأسك، واخفض له قلبك قبل أن تضطر الأيام إلى خفض قامتك.
فأعظم ما في القادر ليس أن يقف بين الناس شامخًا، بل أن يسجد لله صادقًا، وهو يعلم:
أن الأسباب قد تجتمع في يده كلها، ويبقى هو فقيرًا إلى من بيده كل شيء.