ما لم تستطع عليه صبرًا: حين يؤلمك المشهد قبل أن تعرف تأويله

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

ما لم تستطع عليه صبرًا قد يكون مشهدًا مؤلمًا لم ينكشف تأويله بعد؛ فليس كل ما تراه في لحظة الألم هو كل الحقيقة المتعلقة بما وقع.

سفينة خشبية صغيرة بها لوح متضرر تطفو أمام سفينة كبيرة غامضة في الضباب، تعبيرًا عن ألم المشهد قبل انكشاف تأويله
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين يؤلمك المشهد قبل تأويله

بعد بعض الأحداث المؤلمة، لا يكون أثقل ما فيها أنها وقعت؛ بل أنها وقعت دون تفسير يستطيع القلب أن يسكن إليه.

يتحمل الإنسان الألم مرة، ثم يعيده في رأسه مرات وهو يحاول أن يفهم: لماذا وقع هذا بالذات؟ كيف سيصلح ما أفسده؟ متى ينكشف وجه الأمر وتنتهي هذه الحيرة؟

كأن معرفة السبب ستعيد إلى الماضي احتماله، ومعرفة الكيف ستخفف ثقل الحاضر، ومعرفة الموعد ستمنح المستقبل حدًّا يستطيع القلب أن ينتظر عنده.

لكن الأجوبة لا تأتي دائمًا.

قد تعرف ما وقع، ولا تعرف لماذا قدّره الله. وقد ترى ما انكسر، ولا تعرف كيف يمكن إصلاحه. وقد تدعو بالفرج، ولا تعلم ما يقدّره الله، ولا متى يتغير الحال، ولا الصورة التي يكون عليها ما يأتي، ولا هل يكون الفرج فيما طلبته أم فيما يختاره الله لك.

وهنا يتضاعف البلاء: ألم الحادثة، وألم العجز عن تأويلها.

موسى والخضر: المشهد الحقيقي والعلم الغائب

في رحلة موسى عليه السلام مع الخضر، لم يكن موسى يرى أوهامًا، بل كان يرى أحداثًا حقيقية أمامه: سفينة تُخرق، وغلامًا يُقتل، وجدارًا يُقام لقوم امتنعوا عن إكرامهما.

وكان ظاهر هذه الأفعال مستنكرًا بحسب ما يعلمه موسى عليه السلام؛ ولذلك بادر إلى السؤال والإنكار. أما الخضر، فقد كان قد قال له منذ البداية:

﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾

[الكهف: 68]

لم يقل له إن ما تراه غير مؤلم، ولا إن ظاهر المشهد سهل. وإنما كشف له موضع العجز: أنت ترى الفعل، لكنك لم تحط بما تعلق به من علم.

المشهد ليس كل الحقيقة المتعلقة به

رأى موسى عليه السلام خرقًا في سفينة قوم حملوهما، ولم ير الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبًا. كان الخرق في المشهد المرئي نقصًا، ثم كشف التأويل أن هذا النقص حفظ السفينة لأصحابها.

ورأى جدارًا يُقام بلا أجر في قرية رفض أهلها أن يضيفوهما، ولم ير الغلامين اليتيمين، ولا الكنز المدفون تحته، ولا الإرادة التي اقتضت أن يبقى محفوظًا حتى يبلغا أشدهما.

أما قتل الغلام، فكان أشد المشاهد وأبعدها عن احتمال العقل دون وحي يبيّنه؛ ثم جاء تفسيره بعلم من الله لا يملكه الناس ولا يجوز لأحد أن يدعيه.

كل مشهد كان حقيقيًا، لكن المشهد لم يكن كل الحقيقة المتعلقة به.

وحين انتهت الصحبة قال الخضر لموسى عليه السلام:

﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾

[الكهف: 78]

جاء التأويل لاحقًا، لا لأن المشاهد الأولى كانت كاذبة، بل لأن العلم الذي أحاط بها لم يكن قد ظهر لموسى عليه السلام بعد.

وهنا يجيء السؤال الكاشف:

هل لا يطمئن قلبك حتى تعرف لماذا جرى كل شيء، أم تستطيع أن تعرف حدود علمك وتبقى عبدًا لله قبل أن ينكشف التأويل؟

هل تشترط الفهم لتطمئن إلى الله؟

طلب الفهم ليس ذنبًا. الإنسان مفطور على البحث عن المعنى، وقد يخفف عنه أن يعرف السبب، وأن يفهم ما يستطيع فهمه من سنن الله والأسباب الدنيوية. وله أن يسأل أهل العلم والخبرة، ويراجع قراراته، ويفحص موضع الخطأ، ويبحث عن الطريق الذي يصلح به ما يمكن إصلاحه.

لكن طلب الفهم شيء، واشتراطه للطمأنينة إلى الله شيء آخر.

أن تقول: يا رب، علّمني ما ينفعني فهمه، طلب مشروع.

أما أن يقول القلب: لن أحسن الظن بك حتى تشرح لي لماذا فعلت، ولن أعبدك مطمئنًا حتى أعرف كيف ستصلح الأمر ومتى؛ فهنا تتحول الحاجة إلى الفهم إلى شرط خفي على التسليم.

كأن العبد لا يكتفي بأن يكون الله حكيمًا، بل يريد أن يرى الحكمة. ولا يكتفي بأن يكون الله عليمًا، بل يريد أن يطلع على العلم الذي وراء التقدير. ولا يكتفي بأن يكون الله رحيمًا، بل يريد أن تأتي الرحمة بالصورة التي يستطيع التعرف إليها فورًا.

وموضع العبودية العميق أن يبقى الله في قلبك حكيمًا حين تخفى عليك الحكمة، وعليمًا حين تعجز عن تفسير ما وقع، ورحيمًا حين لا ترى في المشهد الذي أمامك إلا الألم.

التسليم لا يعني تزيين الشر

ليس لأن الألم رحمة في ذاته، ولا لأن كل خسارة ينبغي أن تسمى حماية، ولا لأننا نملك تعيين حكمة الله في وقائع الناس. قد يكون ما أصاب الإنسان نتيجة ظلم، أو خطأ، أو مرض، أو أسباب بشرية معلومة، وقد يجب عليه دفع الضرر واسترداد الحق وإصلاح الخلل. الإيمان بالحكمة لا يعني تزيين الشر، ولا تعطيل الأسباب، ولا مطالبة المظلوم بأن يصمت حتى يظهر له معنى ظلمه.

قصة الخضر ليست إذنًا لتجاوز الشرع

وقصة الخضر ليست إذنًا لأحد أن يخالف الشرع بدعوى أنه يعرف باطن الأمور؛ فالخضر نفسه ختم تفسيره بقوله:

﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾

[الكهف: 82]

لقد تصرف بعلم علّمه الله إياه، لا بحدس بشري ولا بدعوى غامضة. أما نحن فنحكم على أفعال الناس بما ظهر لنا من الشرع والحق، ونتخذ الأسباب المأذون بها، ولا نبرر الظلم بقصة لا نملك علمها.

إنما نتعلم من القصة أصلًا آخر: أن علمنا بالحادثة ليس هو العلم بكل ما تعلق بها، وأن جهلنا بالحكمة لا يعني غيابها، وأن نقص علم العبد لا يصلح حكمًا على كمال تدبير الله.

ثلاثة علوم يطلبها المبتلى

المبتلى يريد ثلاثة علوم قد تخفى عنه في وقت واحد.

يريد أن يعرف لماذا وقع الأمر، وقد لا يعلم الحكمة الخاصة.

ويريد أن يعرف كيف سيخرج منه، وقد لا يرى الطريق بعد.

ويريد أن يعرف متى ينتهي، وقد لا يملك موعدًا يستند إليه.

وحين تغيب هذه الأجوبة، تبدأ النفس بملء الفراغ. تارة تملؤه بوعد لم يعد الله به، فتقول: لا بد أن ينتهي قريبًا، ولا بد أن يعوضني الله بعين ما فقدت. وتارة تملؤه بحكم قاس لم يدل عليه شيء، فتقول: ما دام قد طال فلن ينتهي، وما دام قد وقع فقد تركني الله.

والجوابان ادعاء على الغيب، وإن كان أحدهما مريحًا والآخر موجعًا.

العبودية لا تملأ المجهول بقصة

العبودية لا تملأ المجهول بقصة، بل تتركه في علم الله.

تقول: لا أعرف لماذا وقع هذا، لكنني أعرف أن الله لا يظلم عباده. لا أعرف كيف يصلح، لكنني أعرف أن قدرتي ليست حد قدرته. لا أعرف متى ينكشف، لكنني أعرف ما يجب علي فعله اليوم.

هذا القدر من المعرفة لا يزيل الألم، لكنه يعيد كل شيء إلى موضعه. ما تعرفه تعمل به، وما تجهله لا تصنع له جوابًا.

اعرف واجبك داخل الحادثة

وقد لا يكون المطلوب منك الآن أن تفهم الحادثة، بل أن تعرف واجبك داخلها.

إن كان عليك حق فأدِّه. وإن أخطأت فتب وأصلح. وإن وقع عليك ظلم فادفعه بالطريق المشروع. وإن كان هناك علاج فاطلبه. وإن وجدت سببًا ممكنًا فخذه. وإن لم تملك إلا الصبر والدعاء، فلا تحتقرهما لأنهما لم يكشفا لك النهاية.

أنت لا تحتاج إلى تأويل القصة كلها حتى تؤدي عبادة هذه الساعة.

حين يأتي وقت الصلاة، صلِّ وإن لم تعرف لماذا تأخر الفرج. وحين يظهر سبب مشروع، خذه وإن لم تعرف إلى أين يوصلك. وحين يشتد حزنك، اشكُ إلى الله ولا تجعل بكاءك اتهامًا له. وحين تعجز عن فهم ما وقع، قل بصدق: يا رب، لا أعلم، وأنت تعلم.

قف بالعقل عند حدّه

هذه العبارة ليست هروبًا من التفكير، بل وقوف بالعقل عند حدّه. فالعقل مأمور أن يبحث فيما يمكنه، لكنه ليس مكلفًا أن يقتحم الغيب حتى يمنح القلب تفسيرًا بأي ثمن.

وإذا عاد السؤال يطوف بك، فلا تعاقب نفسك على وجوده. قد يعود «لماذا» لأن الألم ما زال حاضرًا، لا لأن إيمانك قد فسد. خذ من السؤال ما يقودك إلى فهم نافع أو عمل ممكن، ثم رد ما وراء ذلك إلى الله.

قل: هذا هو المشهد الذي رأيته، وليس كل ما يعلمه الله عنه.

قد ينكشف لك بعض التأويل بعد زمن، فترى أثرًا لم تكن تراه. وقد يبقى وجه الحكمة خفيًا عنك في الدنيا. لا نملك أن نعدك بأن كل سؤال سيجاب، ولا بأن كل فقد سيعوض بالصورة التي تريدها. لكن عدم انكشاف الحكمة لك لا ينقص من كمال حكمة الله.

ولست متعبدًا بأن تفهم كل شيء؛ بل بأن تتقي الله فيما فهمت، وأن تقف عند حدك فيما لم تفهم، وأن تبقى معه حين تعجز عن تفسير ما يقدره عليك وفيما حولك.

قد يتأخر التأويل ولا تتأخر العبودية

قل له:

يا رب، قد آذاني المشهد، وأتعبني غياب تأويله. فعلّمني ما ينفعني علمه، وأعني على ما يجب علي فعله، ولا تجعل جهلي بحكمتك بابًا لسوء الظن بك، ولا حاجتي إلى الفهم شرطًا لعبادتك، وارزقني صبرًا لا يدعي الغيب، وتسليمًا لا يعطل السبب.

قد يتأخر التأويل، لكن العبودية لا تتأخر حتى يأتي.

فإذا خفي عنك لماذا، فلا تخترع جوابًا. وإذا خفي كيف، فلا تترك ما تستطيع. وإذا خفي متى، فلا تجعل التأخير حكمًا نهائيًا.

ابقَ عبدًا لله في المشهد الذي لم تفهمه؛ فكمال حكمة الله لا يتوقف على انكشاف وجهها لك.

تعليقات

عدد التعليقات : 0