ما معنى «ما لا عين رأت ولا أذن سمعت»؟ سجن الحواس أمام نعيم الجنة

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

أغمض عينيك، وحاول أن تتخيّل أقصى ما يمكن أن يبلغه النعيم.

قصرًا لا ينتهي جماله، وأنهارًا لا يتغيّر صفاؤها، وثمارًا لا تنفد، وصحةً لا يعقبها مرض، وشبابًا لا يمسّه هرم، وفرحًا لا يقطعه خوف.

ستجمع أجمل ما رأيت، وأعذب ما سمعت، وألذّ ما ذقت، ثم توسّعه وتجمّله وتضاعفه، وتقول في نفسك:

لعل الجنة هكذا.
رجل ينظر من داخل كهف محدود الحواس إلى مشهد مضيء واسع يعبّر عن عجز الخيال البشري عن تصور نعيم الجنة

لكنّك، مهما حلّق خيالك، لم تغادر الأرض بعد.

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

خيالك يعيد ترتيب أرشيف الدنيا

أنت لا تصنع في مخيّلتك شيئًا جديدًا؛ بل تعيد ترتيب أرشيفك الدنيوي. تبني قصورك من رخام رأيته، وتملأ أنهارك بماء عرفته، وتلوّن جمالك بألوان التقطتها عيناك، وتصوغ سعادتك من مشاعر مرّت بقلبك من قبل.

حتى خيالك، الذي تظنه حرًّا، لا يملك إلا أن يعيد تدوير ما دخل إليه من نوافذ الحواس.

خيالك واسع… لكنه ليس خالقًا.

إنه لا يستطيع أن يتخيّل لونًا لا أصل له في الألوان التي عرفها، ولا لذّة لا تشبه شيئًا ذاقه، ولا جمالًا لا يمتّ إلى شيء رآه بصلة.

ولهذا جاء الحديث القدسي العظيم ليحرّر قلبك من سجن المقاييس الأرضية، ويهدم السقف الذي تحاول أن تحبس تحته عطاء الله.

قال الله عز وجل في الحديث القدسي:

«أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» متفق عليه.

أعددت لعبادي الصالحين

تأمّل أول كلمة:

«أعددتُ».

لم يأتِ الحديث بصيغة نعيمٍ مجهولٍ تُرك بلا عناية، بل نسب الله الإعداد إلى ذاته العليّة؛ ليعلم القلب أن ما ينتظره ليس عطاءً عابرًا، ولا ضيافةً أُعدّت للناس على قدرٍ واحد، بل كرامة أعدّها الكريم لعباده الصالحين.

فإذا كان الذي خلق جمال السماء، وأبدع الضوء، وأجرى الماء، وأودع في الأرض كل هذا الحسن الذي يأسر عينيك… هو الذي يقول: «أعددتُ»؛ فكيف تحاول أن تقيس ما أعدّه بما رأيته؟

إن خيالك يستعير مفرداته من الخلق.

أما عطاء الله فلا يحدّه مخزونك، ولا تضبطه تجربتك، ولا تبلغ مداه أمنياتك.

ما لا عين رأت

لقد رأت العين جبالًا وشواطئ وحدائق وقصورًا ووجوهًا جميلة، ورأت من بهجة الدنيا ما يقطع الأنفاس.

لكن كل ما رأته عيناك، وكل ما يمكن أن تراه في هذه الأرض، لا يصلح أن يكون مقياسًا لما هناك.

ليست الجنة نسخةً أوسع من الدنيا، ولا تحسينًا لما نعرفه، ولا تجميعًا فاخرًا لمحاسن الأرض.

إنها دار أخرى، أعدّها الله بكرمه، وجعل حقيقتها فوق ما تستوعبه المقاييس التي نحملها الآن.

ولا أذن سمعت

كل كلمة أفرحتك، وكل صوت آنسك، وكل بشارة دخلت إلى قلبك من طريق السمع، ما هي إلا جزء ضئيل من عالمٍ محدود.

أما ما أعدّه الله، فلم تلتقطه أذن، ولم يُحط به وصف، ولم تحمله لغة على حقيقته.

نقرأ عن الجنة، ونسمع أسماء أنهارها وثمارها وقصورها، لكن بين الاسم الذي نعرفه والحقيقة التي أعدّها الله من التفاوت ما يعجز عنه إدراكنا.

ولا خطر على قلب بشر

ثم جاءت العبارة التي تهدم آخر حصون الخيال:

«ولا خطر على قلب بشر».

قد تعجز العين عن رؤية شيء، ثم يصفه لك غيرك.

وقد تعجز الأذن عن سماعه، ثم يصوّره لك الخيال.

لكن حين يخبرك الله أن ما أعدّه لم يخطر على قلب بشر، فقد أغلق باب القياس كله.

ليس المعنى أنك لم تتخيّل الجنة بدقة فحسب.

بل إن أبلغ ما يستطيع خيالك بلوغه لا يزال خارج حقيقة ما أعدّه الله.

كلما رسمت في قلبك صورةً للنعيم، فاعلم أن الحقيقة أعظم.

وكلما بلغت بأمنيتك أقصى ما تعرف، فاعلم أن عطاء الله لا يقف عند آخر ما تستطيع أن تتمنّاه.

فأنت تتمنى بما تعرف.

والله يعطيك من خزائن فضله ما لا تعرف.

طغيان المعاين وأفدح المقايضات

وهنا ينكشف سؤال أشدّ من مجرد التأمّل في وصف الجنة:

كيف نبيع ما لا يخطر على قلب بشر، من أجل شيء رأته العين وملّته بعد حين؟

كيف ينتصر علينا الحرام، وهو لذّة عرفناها، محدودة البداية والنهاية، لا تكاد تستقر في الجسد حتى تنقضي، ثم تترك وراءها وحشةً أو حسرةً أو قيدًا؟

وكيف تثقل علينا الطاعة، مع أن وراءها من كرامة الله ما لم تقترب منه أمنياتنا؟

إن السرّ في كثير من ضعفنا هو طغيان المُعايَن.

الدنيا تعرض بضاعتها أمام عينيك. الشهوة حاضرة. والمال الحرام ملموس. والثناء مسموع. والمنصب منظور. والانتقام لذته عاجلة.

أما الجنة فغيب، ووعد الله يُمتحن به صدق يقينك.

فتأتي المعصية وتقول لك:

خذ الآن.

وتأتي الطاعة فتقول لك:

اصبر لله.

تعرض الدنيا القليل مزخرفًا، ويخبّئ الله لعباده الكثير امتحانًا لإيمانهم.

وهنا تقع أفدح المقايضات:

أن يترك الإنسان ما لا عين رأت من أجل صورة رآها.

وأن يبيع ما لا أذن سمعت من أجل ثناء سمعه.

وأن يستبدل بما لم يخطر على قلب بشر شهوةً خطرت على قلبه، ثم أذلّته.

ليس العجيب أن نُفتن بما نراه؛ فالنفس تتأثر بالعاجل، والإنسان خُلق ضعيفًا.

لكن العجيب أن نعرف حجم الصفقة، ثم نرضى لأنفسنا بأرخص الأثمان.

ولهذا يكشف معنى الخوف من مقام الله ونهي النفس عن الهوى كيف تصبح الجنة حاضرةً في القرار الذي لا يراه أحد.

ما لا تراه وراء الطاعة والصبر

تقوم للصلاة مثقلًا، ولا ترى ما يُكتب لك.

تردّ نفسك عن الحرام، ولا ترى ما يُدّخر لك.

تعفو وأنت قادر على الانتقام، ولا ترى ما يرفعه الله لك.

تغلق بابًا لا يرضي الله، وقد بدا لك أنه باب سعادتك الوحيد، ولا ترى ما قد يدّخره الله لك في الآخرة.

تجاهد ذنبًا يلحّ عليك، وتسقط أحيانًا ثم تنهض، ولا ترى كيف تتحول هذه المجاهدة الصادقة إلى كرامة لا يحيط بها خيالك.

أنت ترى ركعتين في جوف الليل.

لكنّك لا ترى النور الذي قد يجعله الله بهما.

ترى دمعة خشية مرّت على خدّك ثم جفّت.

لكنّك لا ترى الفرح الذي قد يُنبت منها.

ترى شهوةً منعت نفسك منها دقائق.

لكنّك لا ترى النعيم الذي لا تنقضي دقائقه ولا أعوامه.

ترى ألم الصبر.

ولا ترى ما أعدّه الله للصابرين.

وهذا من أعمق معاني أن أجر العمل ليس مرهونًا بما رأيت؛ فغياب الثمرة عن العين لا يعني غيابها عن علم الله وكتابه.

الإيمان بالجنة قوة في الحاضر

ولهذا ليس الإيمان بالجنة معلومةً عن المستقبل فحسب.

إنه قوة تحرس قلبك في الحاضر.

حين تدعوك المعصية، تذكّر أنك لا تترك لذّةً فقط؛ بل تحمي نصيبك من نعيم لم تره عين.

وحين تثقل عليك الطاعة، تذكّر أنك لا تبذل جهدًا ضائعًا؛ بل تسير إلى كرامة لم تسمع بها أذن.

وحين يطول البلاء، تذكّر أن صبرك لا ينتهي عند اللحظة التي تحملتها؛ فقد يثمر لك عند الله ما لم يخطر لك يومًا أن تطلبه.

وحين تضيق عليك الدنيا، فلا تجعل ضيقها مقياسًا لعطاء الله.

قد تبخل عليك بشيء تمنّيته. وقد تغلق في وجهك بابًا ظننته تمام سعادتك. وقد تحرمك راحةً تراها في أيدي غيرك.

لكن المؤمن لا يقيس كرم الله بما ناله في الدنيا وحدها؛ لأنه يعلم أن الدنيا ليست موضع استيفاء العطاء، ولا دار الجزاء الكامل.

قد يفوتك فيها ما رأته عيناك.

لكن الله أعدّ لعباده الصالحين ما لا تستطيع أعينهم الآن أن تحيط به.

وقد لا تسمع فيها الكلمة التي انتظرتها.

لكن هناك من البشارات ما لم تسمعه أذن.

وقد يظل في قلبك فراغ لم تملأه أمنية من أمنيات الأرض.

لكن هناك من النعيم ما لم يخطر على قلب بشر.

الرجاء في الجنة ليس أمنية بلا طريق

غير أن الرجاء في الجنة ليس أمنيةً بلا طريق.

فقد قال الله: «لعبادي الصالحين».

والصلاح ليس دعوى عصمة، ولا ادعاء كمال، بل إيمانٌ صادق، وعملٌ صالح، وتوبةٌ متجددة، ومجاهدةٌ لا ييأس صاحبها إذا زلّ.

فلستَ مطالبًا ألا تسقط أبدًا.

لكن لا تجعل السقوط بيتك.

ولستَ مطالبًا ألا تضعف.

لكن لا تجعل ضعفك حجةً لترك الطريق.

إن غلبتك نفسك، فتب.

وإن فترت، فاستأنف.

وإن ثقلت عليك الطاعة، فذكّر قلبك بمن أعدّ الجزاء.

وإن ألحّت عليك المعصية، فلا تنظر إلى لذتها وحدها؛ بل اسأل نفسك:

أأبيع ما لا يخطر على قلبي، من أجل ما سيزول من قلبي بعد لحظات؟

لا تحتقر طاعة صغيرة

لا تحتقر طاعةً صغيرة.

فلعل سجدةً خفيّة تعلو بك.

ولعل دمعةً نسيتها لم تُنس عند الله.

ولعل شهوةً تركتها في خلوة لا يعلم بها أحد تكون سببًا لنعيمٍ يدهشك يوم تلقاه.

ولعل كلمةً حبستها اتقاءً لله تنجيك من ندم طويل.

ولعل بابًا أغلقته في وجه الحرام يفتح الله لك به بابًا من الجنة.


اقرأ أيضًا

ما عند الله يبدأ حيث ينتهي الخيال

ازرع، وإن لم تر الثمرة.

وأطع، وإن لم يصفق لك أحد.

واترك، وإن لم يعلم بجهادك بشر.

واصبر، وإن لم يظهر لك الآن ماذا يصنع الصبر.

فأنت لا تعمل لما تراه وحده.

أنت تعمل ليوم تنكشف فيه الحجب، وترى ما كان يُدّخر لك وأنت تظن أن طاعتك صغيرة، وأن صبرك يضيع، وأن دمعتك مرّت بلا أثر.

هناك ستعرف أن كل ما تركته لله كان أهون مما نلت.

وأن تعب الطاعة كان أقصر من أن يُذكر أمام دوام النعيم.

وأن لذة الحرام التي قاومتها كانت أفقر من أن تستحق تلك المعركة التي خاضتها نفسك من أجلها.

فلا تبع الأبديّ بالعابر.

ولا تستبدل بما لا يخطر على قلبك شيئًا لا تستطيع الاحتفاظ به.

ولا تجعل ما تراه عيناك أقوى في قلبك مما وعدك به ربك.

فالدنيا كلّها، مهما اتسعت، لا تزال مما رأته العيون، وسمعته الآذان، وخطر على قلوب البشر.

أما ما عند الله…

فيبدأ من حيث ينتهي كل ذلك.
```2[❶](code://python)

تعليقات

عدد التعليقات : 0