كيف أعرف أن عبادتي مقبولة؟ حين يصبح شعورك محكمةً على الغيب

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

كيف أعرف أن عبادتي مقبولة؟ قد يدفعك هذا السؤال إلى تفتيش دمعتك وانشراح صدرك، مع أن الشعور لا يملك أن يصدر حكمًا على غيب القبول.

مصلٍّ أمام ميزان يحمل دمعة وحجرًا داخل محكمة رمزية عن قبول العبادة والحكم بالمشاعر

انتهيت من صلاتك، لكنك لم تنهض. بقيت تنتظر شيئًا.

دمعةً تنزل. انشراحًا يتسع له صدرك. رعشةً تُشعرك أن الدعاء لقي قبولًا.

ثم لم تجد ما كنت تنتظره. فقمت مثقلًا؛ لا لأنك تركت الصلاة، بل لأن سؤالًا بدأ يلاحقك:

هل قُبلت؟

وقد تفعل خيرًا لا يعلم به أحد، ثم تعود إلى نفسك تفتّشها: هل شعرت بالإخلاص حقًا؟ هل كان قلبي حاضرًا كما ينبغي؟ هل فرحت بالطاعة فرحًا صحيحًا؟ هل كان ندمي قويًا بما يكفي؟

فإذا لم تجد الشعور الذي رسمته في ذهنك، أصدرت حكمك من داخلك:

ربما لم يُقبل.

وهنا يبدأ الخلل الهادئ.

ليس في خوفك من القبول؛ فهذا خوفٌ يليق بقلبٍ يعرف أن العمل، مهما بدا حسنًا، لا يستغني عن فضل الله ورحمته.

لكن الخلل أن تُنصّب شعورك قاضيًا على غيبٍ استأثر الله بعلمه.

إن انشرح صدرك، قلت: لعل الله رضي. وإن جفّت عينك، قلت: لعل الله ردّني.

كأن القبول ورقةٌ يوقّعها مزاجك بعد كل عبادة.

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

وشعورك لا يملك مفاتيح الغيب

قد تقف في الصلاة وقلبك مثقلًا بتعبٍ أو همّ، مشتتًا بما يطوف في رأسك، ثم لعل تلك الصلاة تكون عند الله أصدق مما ظننت؛ لأنك قاومت ما فيك، وقمت بين يديه، ولم تجعل ثقل قلبك عذرًا لترك بابه.

وقد تبكي بكاءً طويلًا، ثم تحتاج بعده إلى أن تخاف على قلبك من العجب، أو من الاتكاء على دمعتك، أو من أن تجعل لحظة التأثر دليلًا يطمئنك إلى نفسك أكثر مما يردّك إلى ربك.

فليست الدمعة شهادةَ قبول.

وليست قسوة الشعور حكمًا بالرد.

إنها أحوال تمرّ بالقلب؛ منها ما هو نعمة تُشكر، ومنها ما هو ابتلاء يجاهد فيه العبد نفسه.

أما القبول، فبابه عند الله

ولهذا تأمل إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وهما يرفعان قواعد البيت: عملٌ من أعظم الأعمال، ومقامٌ لا يشبهه مقام، ثم لا يقفان عند ما أنجزاه، ولا يتكئان على عظمة ما صنعا، بل يقولان:

﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.

سورة البقرة: 127

لم يكن دعاؤهما تقليلًا من العمل، ولا يأسًا منه.

كان افتقارًا يليق بمن عرف أن العمل لا يُقبل بقوة صاحبه، وإنما بفضل الله ورحمته.

وهذا هو الموضع الدقيق

أن تُحسن العمل، ثم لا تتكئ عليه.

وأن تخاف من تقصيرك، ثم لا تحوّل خوفك إلى محكمةٍ تعطل بها سيرك إلى الله.

بعض الناس لا يترك الطاعة لأنه لا يريدها، بل لأنه يريد أن يشعر بها شعورًا كاملًا

يؤخر التوبة حتى يأتيه ندمٌ أعظم. ويؤجل الدعاء حتى يصفو قلبه. ويتردد في الصدقة لأنه لا يضمن صفاء نيته. ويعيد تفتيش قلبه، حتى يصبح منشغلًا بنفسه أكثر من انشغاله بربه.

وهذا بابٌ متعب؛ لأنك لن تبلغ في الدنيا قلبًا لا يختلط عليه شيء، ولا نيةً لا تحتاج إلى تصحيح، ولا عبادةً لا يداخلها نقص.

فماذا تصنع؟

أتترك العمل حتى تشعر أنك أهلٌ له؟

أم تعمل، وتستغفر من تقصيرك فيه، وتسأل الله أن يصلح ما لا تراه من نفسك؟

ليس المطلوب أن تتجاهل عيوبك

إن علمت أنك ظلمت إنسانًا، أو تعمدت طلب المدح بعملك، أو قصّرت في واجبٍ تعرفه، فلا تسمِّ مواجهة الخلل وسواسًا. أصلح ما تعرفه، وردّ الحق، وجدّد نيتك، واخرج من الطريق الذي أفسد عليك عملك.

لكن بعد أن تفعل ما تستطيع، لا تطلب من شعورك أن يخبرك بما لم يُؤذن له أن يعرفه.

لا تقل: لم أتأثر، إذن لا فائدة.

قل: يا رب، هذا ما استطعت، وأنت أعلم بضعفي؛ فتقبله وأصلحه.

ولا تقل: لم أشعر بندمٍ يليق بذنبٍ مثلي.

قل: يا رب، أنا أعلم أني أخطأت، ولا أريد الإقامة على خطئي؛ فأعنّي على توبةٍ صادقة، ولو كانت دموعي قليلة.

فقد يكون صدقك في أن تقوم إلى الصلاة وقلبك ثقيل، وفي أن تقطع طريق المعصية ونفسك لا تزال تشتاق إليه، وفي أن تعود إلى الدعاء، وأنت لا تشعر بشيءٍ واضح.

ليس كل عملٍ صالح يترك فيك أثرًا تشعر به فورًا

بعض الأعمال تعمل فيك تحت السطح، كالبذرة التي لا تسمع لها صوتًا وهي تشق التراب.

فلا تحفرها كل يوم لتتأكد أنها تنمو.

اسقها بالطاعة، واحرسها بالتوبة، واترك أمر إنباتها لله.


اقرأ أيضًا

وفي المرة القادمة التي تنتهي فيها من عبادة، ثم يقف بك السؤال: هل قُبلت؟

لا تُجب عن الغيب.

ضع السؤال في موضعه الصحيح، وقل:

يا رب، تقبل مني، ولا تكلني إلى عملي، ولا إلى شعوري، ولا إلى حكمي على نفسي.

ثم انهض.

لا تحمل معك شهادةَ قبولٍ لم تُعطَ لك.

ولا تحمل حكمَ رفضٍ لم يُكتب عليك.

احمل فقرك إلى الله، وأحسن عملك، وجدّد توبتك.

فالقبول ليس في يد الدموع، ولا في ميزان المزاج.

إنه فضلٌ يُسأل، وعملٌ يُحسن، وربٌّ لا يضيع إليه رجوعٌ صادق.

تعليقات

عدد التعليقات : 0