لماذا تحتقر المقصرين بعد الطاعة؟ حين تصبح العبادة مرآةً للنفس

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

احتقار المقصرين بعد الطاعة قد يبدأ من مقارنةٍ صامتة تجعل عملك مرآةً تكبّر صورتك، بدل أن يكون بابًا يزيدك افتقارًا إلى الله ورحمةً بعباده.

مصلٍّ أمام مرآة تكبّر صورته وتصغّر الناس في مشهد يرمز إلى العجب بالطاعة واحتقار المقصرين

تخرج من صلاةٍ أطلت فيها الوقوف. لا يزال أثر السجود على قلبك، وتشعر بخفةٍ هادئة؛ كأنك فعلت شيئًا جميلًا بينك وبين الله.

ثم ترى إنسانًا يفرّط في صلاته، أو تسمع منه كلمةً لا تليق، أو تعرف عنه ذنبًا ظاهرًا.

ربما لا تنصحه، وربما لا تتكلم عنه، لكن شيئًا دقيقًا يرتفع في داخلك. تقول: كيف يفعل هذا؟

ثم لا تقف عند خطئه، بل تبدأ ـ من حيث لا تشعر ـ في قياس المسافة بينه وبينك. أنت تصلي، أنت تجاهد نفسك، أنت تحاول أن تستقيم، أما هو فلا يفعل.

ومع كل مقارنة، تكبر صورتك في عين نفسك قليلًا، ويصغر هو في عينك قليلًا، حتى تصبح الطاعة التي دخلت بها على الله بابًا تنظر منه إلى عباده من أعلى.

وهنا لا يكون السؤال:

هل رأيت خطأه؟

بل:

متى تحولت الطاعة التي كان ينبغي أن تكسر نفسك، إلى مرآةٍ تكبّرك؟

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

الطاعة في أصلها اعتراف

حين تقوم للصلاة، فأنت تعترف بأن قلبك لا يستقيم وحده. وحين تستغفر، فأنت تعترف بأنك لا تنجو بعملك. وحين تقرأ القرآن، فأنت تعترف بأن نفسك قد تضل إن لم يردّها الله. وحين تترك ذنبًا، فأنت لا تعلن قوة إرادتك، بل تشهد ـ إن عرفت حقيقة نفسك ـ أن الله حال بينك وبينه.

فالطاعة لا تقول لك:

انظر كم أنت عظيم.

بل تقول:

انظر كم أنت فقير إلى أن يثبتك الله.

لكن النفس بارعة في سرقة المعاني حتى من داخل العبادة. تأخذ الطاعة من يدك، ثم تضعها أمام عينيك لا لتريك فضل الله عليك، بل لتريك فضلك على الناس.

فتصبح صلاتك دليلًا على أنك خيرٌ من المقصّر، وصدقتك دليلًا على أنك أنقى من الممسك، ومعرفتك دليلًا على أن غيرك أقل فهمًا، وتركك لذنبٍ معين شهادةً تمنحها لنفسك، ثم تنظر بها إلى من وقع فيه كأن حياته كلها قد اختُصرت في تلك الزلة.

وهذا من أخفى أمراض الطاعة

لأن الإنسان لا يشعر أنه يتكبر. قد يظن أنه يغار للحق، وقد يظن أن كراهيته للمعصية هي التي جعلته يضيق بالعاصي، وقد يظن أن حرصه على الاستقامة هو الذي يجعله قاسيًا في حكمه على المقصرين.

ورؤية الخطأ ليست خطأ. والحزن لظهور المعصية ليس كبرًا. وإنكار المنكر، أو النصيحة الصادقة، قد يكونان واجبين أو مستحبين بحسب المقام والقدرة والحكمة.

لكن بين النصيحة والتعالي خيطًا لا يظهر في العبارة وحدها، بل يظهر في حركة القلب.

النصيحة ترى المخطئ فتقول: كيف أكون سببًا في عودته؟ أما التعالي فيراه فيقول في داخله: الحمد لله أنني لست مثله.

النصيحة تتألم لأن عبدًا ابتعد عن الله. أما التعالي فيجد في عثرة غيره سلّمًا خفيًا يرتفع به في عين نفسه.

النصيحة تُبقي في القلب رحمةً وخوفًا وتواضعًا. أما التعالي فيترك فيه قسوةً وبرودةً، وربما لذةً خفية كلما انكشف تقصير أحد؛ لأن سقوط الآخرين صار يمنح النفس إحساسًا بالعلو.

وقد لا تشمت بلسانك، لكن قلبك يشمت بمكانته الجديدة.

ومن أخطر ما في مرآة الطاعة أنها لا تعرض لك الصورة كاملة

تعرض لك طاعتك التي تعرفها، ولا تعرض لك ذنوبك التي سترها الله. تعرض لك ركعتك التي أطلت فيها، ولا تعرض لك قلبًا ربما التفت فيها، أو نيةً تسللت إليها، أو كلمةً جرحت بها إنسانًا ثم نسيتها.

تعرض لك ما تركته من الحرام، ولا تعرض لك العجب الذي دخل قلبك بسبب هذا الترك. تعرض لك دمعتك في الدعاء، ولا تعرض لك حقًّا أخّرته، أو نفسًا كسرتها، أو مظلمةً لم تشعر بثقلها كما شعرت بلذة عبادتك.

ثم تعرض لك من الآخر خطأً واحدًا ظاهرًا، ولا تعرض لك معركته التي لا تعرفها، ولا الأبواب التي أغلقها لأجل الله، ولا الذنوب التي قاومها ولم ترها، ولا توبةً صادقةً وقعت في خلوةٍ لم يشهدها أحد، ولا قلبًا منكسرًا ربما كان أقرب إلى الرحمة من قلبٍ مشغولٍ بإحصاء طاعاته.

فكيف نصبت نفسك قاضيًا، وأنت لم تر من القضية إلا ورقةً واحدة؟

قال الله تعالى:

﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾.

سورة النجم: 32

لا تقل: أنا لا أزكي نفسي، وإنما أعرف أنني أفضل منه.

فأية تزكيةٍ أخفى من أن تمنح نفسك رتبةً في القلوب لم يمنحك الله علمها؟ وأية شهادةٍ أخطر من أن ترى عملك الظاهر، ثم تبني عليه حكمًا على منزلتك ومنزلة غيرك عند الله؟

أنت تعلم من نفسك صلاةً صليتها، لكن هل تعلم ما قُبل منها؟ تعلم ذنبًا تركته، لكن هل تعلم لماذا تركته، وهل سلم قلبك بعد تركه؟ تعلم من غيرك زلةً ظهرت، لكن هل تعلم ما بينه وبين الله بعدها؟

الله وحده يعلم من قام ليلًا يبكي من ذنب، ومن عاش بين الناس هادئ الوجه وهو يجاهد في داخله ما لو ظهر لأعجز غيره، ومن أُعين على عملٍ صالح ثم خاف أن يُرد عليه، ومن حُرم طاعةً اليوم، ثم يُفتح له غدًا باب رجوعٍ لا تعلمه، ومن استتر بذنبٍ ثم صدق في توبته، ومن ظهر بطاعةٍ ثم أفسدها العجب وهو لا يشعر.

نحن نحكم على لقطات.

والله يعلم الطريق كله.

قد ترى من إنسانٍ ذنبًا، ولا ترى عشرات المعاصي التي حال بين نفسه وبينها. وقد ترى من نفسك طاعةً، ولا ترى العيوب التي لو كشفها الله لك لانكسر إعجابك بنفسك قبل أن ينكسر في عيون الناس.

فلا تجعل ستر الله عليك منصةً تنظر منها إلى عباده من فوق

كان الأولى أن يجعلك ستره أرحم. كلما تذكرت كم أخفى عن الناس من نقصك، رقّ قلبك لمن ظهر نقصه. وكلما تذكرت كم مرةً ثبتك فيها ولم تكن تملك الثبات وحدك، خفت على من زلّ بدل أن تحتقره.

وكلما رأيت نعمة الاستقامة عليك، قلت:

هذا فضلٌ قد يُسلب إن وكلني الله إلى نفسي.

فالطاعة التي لا تزيدك تواضعًا تحتاج أن تخاف عليها.

ليس معنى ذلك أن كل طاعةٍ وجدت بعدها عجبًا قد بطلت، ولا أن وجود الخاطر وحده يجعل الإنسان متكبرًا؛ فالقلوب تعتريها خواطر يدفعها المؤمن ويكرهها.

لكن الخطر أن يستقر العجب، وأن ترعاه بالمقارنة، وأن تتلذذ به، وأن تصنع من عملك مقامًا ترى منه نفسك فوق عباد الله.

فالنفس قد لا تمنعك من الطاعة

بل قد تدفعك إليها، ثم تنتظرك عند نهايتها لتأخذ نصيبها.

تدعك تقوم الليل، ثم تقول لك عند الفجر: من يقوم كما تقوم؟ تدعك تنفق، ثم تهمس لك: أين أمثال كرمك؟ تدعك تتعلم، ثم تجعلك ترى الجاهلين باحتقار. تدعك تنصح، ثم تحول النصيحة إلى إثباتٍ لتفوقك لا طلبٍ لهداية غيرك.

فتنجو من معصية الجوارح، ثم تدخل عليك معصية القلب من باب العبادة نفسها.

ولهذا كان المؤمن إذا أعانه الله على طاعة خاف عليها من جهتين: أن يشوبها ما يفسدها، وأن يُحجب بها عن رؤية فقره إلى الله.

فبعد أن يصلي، لا يلتفت إلى الناس ليقيس نفسه بهم، بل يلتفت إلى نقصه، ويسأل الله القبول.

وبعد أن يترك ذنبًا، لا يزدري من وقع فيه، بل يتذكر أنه لولا عون الله ربما كان في الموضع نفسه، أو في موضعٍ آخر لا يراه الناس.

وبعد أن ينصح، لا يخرج من النصيحة منتصرًا لنفسه، كأنه أثبت صلاحه وأدان غيره، بل يسأل:

هل أردت له الخير حقًا؟

هل كان في كلامي رحمة؟

هل قلت ما ينفع، أم ما يرفعني في عين نفسي؟

وهل لو قيل لي مثل هذا الكلام قبلته، أم غضبت وكابرت؟

فالمرآة الصحيحة للطاعة لا تجعلك ترى وجهك أجمل من وجوه الناس

بل تجعلك ترى ما بقي في وجهك من غبار. لا تقول لك: أنت وصلت. بل تكشف لك في كل منزلةٍ مقدار ما تحتاجه من إخلاصٍ وخوفٍ وافتقار.

ولا يعني هذا أن تتجاهل الخطأ، ولا أن تساوي بين الطاعة والمعصية، ولا أن تمتنع عن النصيحة خوفًا من الرياء أو العجب. فالحق حق، والباطل باطل، والمعصية لا تصبح مقبولةً لأننا أُمرنا بالتواضع.

لكن قل الحق دون أن تنصب لنفسك عرشًا فوق من تقوله له. وانصح وأنت تتذكر أنك أنت أيضًا تحتاج إلى من يبصّرك. وأنكر الخطأ دون أن تنسى أن الله قادرٌ على أن يبتليك بما عافاك منه.

وارحم صاحب الذنب دون أن ترضى بذنبه. فالرحمة بالعاصي ليست تهوينًا للمعصية، والتواضع لا يعني تمييع الحق.

إنما يعني أن تكره الخطأ، ولا تجعل كراهيتك له مبررًا لتزكية نفسك أو احتقار صاحبه.

وإذا رأيت طاعةً في حياتك، فلا تقف أمامها طويلًا كأنها صورتك النهائية

اشكر الله عليها. واستغفره من نقصها. واسأله أن يقبلها. واسأله ألا يجعلها حجابًا بينك وبين معرفة عيوبك.

ولا تقل: أنا الذي ثبتُّ.

بل قل:

يا رب، أنت الذي أعنتني، فلا تكلني إلى نفسي بعد أن سترتني وثبتني.

وإذا رأيت ذنبًا عند غيرك، فلا تجعل قلبك محكمةً تصدر فيها الأحكام على مصيره ومنزلته. إن وجبت النصيحة، فانصح. وإن استطعت الإصلاح، فأصلح. ثم اجعل ما رأيت بابًا للخوف والدعاء، لا بابًا للعلو.

قل:

اللهم أصلحني وأصلحه.

واسترني واستره.

وثبتني ولا تفتني.

ولا تجعل عافيتي من ذنبه سببًا لمرض قلبي بالعجب.

فالعبد لا يعلو على الناس لأنه أطاع. بل تزداد طاعته صدقًا كلما ازداد شعوره بأن الفضل لله، وأنه لا يأمن على قلبه، وأن من يراه اليوم مقصرًا قد يسبقه غدًا بصدقٍ لم يبلغه.


اقرأ أيضًا

فإذا وقفت أمام مرآة الطاعة، فلا تسأل:

كم صرت أجمل من غيري؟

بل اسأل:

هل جعلتني هذه الطاعة أصدق مع الله، وأرحم بعباده، وأشد خوفًا من نفسي؟

فإن كبرت في عين نفسك كلما أطعت، وصغر الناس كلما أخطؤوا، فخف على قلبك من المرآة التي تنظر فيها.

لأن الطاعة الحقيقية لا تصنع للعبد منصةً يقف عليها فوق الخلق.

بل تصنع في قلبه موضعًا أعمق للسجود.

وكلما اقترب من الله، رأى فضله أكبر، ورأى نفسه أفقر، واتسعت رحمته بالناس.

تعليقات

عدد التعليقات : 0