هل كل بلاء غضب من الله؟ لا تجعل الألم رسالةً لم تُكتب

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

هل كل بلاء غضب من الله؟ ليس للمؤمن أن يجعل كل ألمٍ يقع له حكمًا غيبيًا على علاقته بربه؛ يتوب من ذنبه، ويأخذ بالأسباب، ويرجو رحمة الله دون أن يدّعي معرفة سرّ كل شدة.

ورقة بيضاء قرب نافذة ممطرة ترمز إلى عدم تفسير الألم رسالةً محددة من الله
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

يتعثر يومك فجأة.

تأتيك خسارةٌ صغيرة.

يتأخر ردٌّ كنت تنتظره.

تؤلمك علةٌ في جسدك.

يحدث توترٌ في بيتك، أو ينغلق بابٌ ظننت أنه سيفتح.

وفي اللحظة نفسها، لا تسأل: ما الذي أستطيع أن أفعله الآن؟

بل تعود بذاكرتك سريعًا إلى ذنبٍ قديم.

إلى تقصيرٍ تعرفه.

إلى لحظةٍ لم تكن كما ينبغي.

ثم تقول في قلبك:

هذه بسببه.

الله غاضبٌ عليّ.

وقد يكون في هذه الرجعة شيءٌ جميل؛ أن القلب لا يريد أن يعيش غافلًا عن ذنوبه، وأنه يعرف أن المعصية ليست أمرًا هيّنًا.

لكن الخلل يبدأ حين تتحول كل شدةٍ في حياتك إلى رسالةٍ محددة، تنسبها إلى الله بغير علم

يتأخر رزقك، فتقول: هذه عقوبة.

يمرض من تحب، فتقول: هذا بسبب تقصيري.

يتعطل أمرٌ صغير، فتفتش في يومك: ماذا فعلت حتى يُفعل بي هذا؟

ثم لا تعود ترى في البلاء إلا حكمًا واحدًا:

الله يعاقبني.

وهنا لا يكون السؤال:

هل راجعت نفسك؟

بل:

من أعطاك يقينًا أن هذا الألم رسالةُ غضبٍ كُتبت لك؟

قد يكون الذنب سببًا لحرمانٍ أو ضيق، والله أعلم بحكمته وقدره. والمؤمن لا يأمن أثر معصيته، ولا يبرّئ نفسه، ولا يمرّ على خطئه كأنه لا يعنيه.

لكن لا يجوز أن تجعل هذا المعنى بابًا تحاكم به حياتك كلها

فليس كل وجعٍ عقوبة.

وليس كل تأخيرٍ غضبًا.

وليس كل بابٍ أغلق في وجهك بسبب ذنبٍ تعرفه.

هذه أمورٌ من الغيب، لا يملك العبد أن يقرأها من حادثةٍ عابرة أو من دمعةٍ أو من خسارة.

قد يبتلي الله عبدًا يحبه ليرفعه.

وقد يضيّق عليه ليوقظ فيه دعاءً لم يكن سيخرج في الرخاء.

وقد يمنع عنه شيئًا رحمةً به وهو لا يعلم.

وقد تأتي الشدة امتحانًا، أو تمحيصًا، أو تذكيرًا، أو أثرًا لأسبابٍ دنيوية واضحة ينبغي أن يتعامل معها بحكمة.

وأنت لا تعرف أيَّ المعاني أراد الله بهذا الألم بعينه.

لكنّك تعرف شيئًا واحدًا لا يحتاج إلى تفسير

أنك عبدٌ محتاجٌ إلى الله في الرخاء والشدة.

وأن الذنب الذي تذكرته يحتاج إلى توبة، سواءٌ نزل البلاء بعده أم لم ينزل.

فلا تتب لأنك تريد أن توقف العقوبة التي تخيلتها فقط.

تب لأن الذنب ذنب.

ولأن الله أحق أن يُطاع.

ولأن قلبك لا يصلح له أن يترك موضع الخطأ مفتوحًا.

هناك فرقٌ بين أن تقول: يا رب، أنا لا أعلم سرّ هذه الشدة، لكنني أرجع إليك وأراجع نفسي.

وبين أن تقول: يا رب، أنت تعاقبني بهذا حتمًا، وأنا أعرف حكمك عليّ.

الأولى عبوديةٌ فيها افتقار.

والثانية قد تتحول إلى قسوةٍ على النفس، وإلى كلامٍ على الله بغير علم.

وقد يتعب الإنسان من هذا الباب حتى يصبح خائفًا من كل خبر

إذا مرض، فزع من ذنب.

وإذا خسر، فتش عن تقصير.

وإذا رأى من يحب يتألم، حمل نفسه مسؤولية ما لا يملك.

ثم ينشغل بقراءة الحوادث، أكثر من انشغاله بإصلاح ما يعرفه يقينًا.

وهذا ليس من العدل مع نفسك.

ولا من حسن الظن بالله.

الله لم يطلب منك أن تفكّ شيفرة كل ألم.

لم يطلب منك أن تجعل حياتك دفترَ عقوباتٍ سرية.

طلب منك إذا أخطأت أن تتوب، وإذا نزل بك البلاء أن تصبر، وإذا احتجت أن تدعوه، وإذا وجدت سببًا أن تأخذ به.

فإذا مرضت، تعالج

وإذا تعطّل أمرٌ، تبحث عن أسبابه وتصلح ما تستطيع.

وإذا ضاق بك الحال، تعمل وتسعى.

وفي كل ذلك، لا تنسى قلبك، ولا تقطعه عن الله.

لكن لا تجعل التداوي اعترافًا بأن الله غاضب، ولا تجعل الأخذ بالأسباب محاولةً للهروب من قدره.

خذ بالأسباب لأن الله أمر بها، وارجع إليه لأنك لا غنى لك عنه.

وإن جاءك الألم بعد ذنب، فلا تهرب منه إلى تأويلاتٍ مرعبة.

لا تقل: انتهيت، لقد أُغلق الباب.

قل: ربما لا أعلم لماذا وقع ما وقع، لكنني أعلم أن باب التوبة مفتوح، وأن الله لم يمنعني من الرجوع إليه.

ثم ارجع.

استغفر.

أصلح ما تعرفه.

ردّ حقًا إن كان في يدك حق.

واقفل بابًا يضعفك.

واسأل الله العافية دون أن تشترط أن تعرف سرّ كل ما يؤلمك.

فقد يكون الألم نفسه هو الذي يخلّصك من وهمٍ قديم: أنك لا تستطيع أن تسير إلى الله إلا إذا فهمت كل شيء.

ولست مطالبًا بأن تفهم كل شيء.

أنت مطالب أن لا تضيع حين لا تفهم.

﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.

لم يقل إنك ستعرف وجه الخير فورًا.

ولم يقل إن كل ما تكرهه عقوبة.

قال إن علمك محدود، وأن وراء ما تراه حكمةً لا تحيط بها.

فلا تجعل الألم مترجمًا وحيدًا لعلاقتك بالله.

قد تكون في شدةٍ والله يطهّر قلبك.

وقد تكون في سعةٍ وأنت تحتاج إلى أن تخاف على قلبك من الغفلة.

وفي الحالين، لا تنظر إلى الحدث وحده.

انظر إلى ما يوقظه فيك.

هل قرّبك؟

هل جعلك أصدق في توبتك؟

هل علّمك أن تفتقر؟

هل جعلك أرحم بمن يتألم؟

هذه أسئلةٌ تنفعك.

أما السؤال الذي لا ينتهي: هل هذا غضب؟ هل هذه عقوبة؟ هل انتهيت عند الله؟ فقد يتركك واقفًا أمام بابٍ لم يأمرك الله أن تفتحه.


اقرأ أيضًا

وفي المرة القادمة التي يؤلمك فيها شيء، ثم يندفع قلبك ليكتب له تفسيرًا قاسيًا، توقف

قل:

يا رب، لا أعلم لماذا وقع هذا، ولا أدّعي أنني أعرف حكمك عليّ. لكنني أعلم أني محتاج إليك، وأن لي ذنوبًا أستغفرك منها، وأن لي ضعفًا أستعينك عليه، وأن رحمتك أوسع من خوفي.

ثم امضِ.

لا تحمل الألم أكثر مما يحمل.

ولا تحوّله إلى رسالةٍ لم تُكتب.

فقد لا يكون ما يؤلمك دليلًا على أن الله أبعدك.

قد يكون الموضع الذي تتعلم فيه… كيف تعود إليه.

تعليقات

عدد التعليقات : 0