القلق من المستقبل: كيف تتوقف عن عيش مصيبةٍ قبل وقوعها؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

القلق من المستقبل قد يجعلك تعيش اليوم تحت عبء احتمالٍ لم يقع بعد. هذه الموعظة تفرّق بين الاستعداد الهادئ والخوف الذي يسرق يومك، وتعيدك إلى الطمأنينة بالله وأنت تأخذ بما تستطيع.

امرأة تجلس أمام نافذة وقت الغروب مع ظل كبير لنبات صغير يرمز إلى تضخيم الاحتمال في القلب
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

لا يحدث شيءٌ بعد.

لم يصل الخبر.

لم يقل الطبيب كلمته.

لم يأتِ الرفض.

لم يقع ما تخافه.

لكن قلبك سبق كل ذلك.

تخيلت المكالمة.

ورأيت في رأسك وجوه من سيتألمون.

رتبت خسائر لم تقع.

وأعدت الحوار الذي ستقوله إذا حدث الأسوأ.

وربما كنت جالسًا بين أهلك، أو في عملك، أو تمسك هاتفك في هدوء؛ لكنك في الحقيقة لست هنا.

أنت تعيش في غدٍ لم يصل.

وتحمل في صدرك مصيبةً لم تقع.

وهنا لا يكون السؤال:

هل تخاف؟

بل:

كم مصيبةً دفعت ثمنها من قلبك، قبل أن يكتبها الله عليك؟

فالخوف لا يأتي دائمًا صارخًا.

أحيانًا يأتي في صورة حرص.

يقول لك: فكّر في كل احتمال كي لا تُفاجأ.

توقع الأسوأ كي لا تتألم إذا جاء.

عِش التفاصيل من الآن، لعلّك تكون مستعدًا.

فتصدّقه.

ثم تبدأ في بناء فيلمٍ كامل من احتمالٍ صغير: تأخر ردٌّ، فتتخيل رفضًا. ألمٌ عابر، فتتخيل مرضًا كبيرًا. تعثر سببٌ، فتتخيل أن الحياة كلها ستضيق. كلمةٌ غامضة من شخصٍ قريب، فتتخيل أن العلاقة انتهت.

والغريب أنك لا تملك دليلًا كافيًا.

لكن عقلك يعامل الاحتمال كأنه خبرٌ مؤكَّد.

ثم يطلب من قلبك أن يحزن عليه.

وهذا لا يحميك من الألم.

إنه يجعلك تتألم مرتين: مرةً في خيالك قبل أن يقع شيء، ومرةً إن وقع ما تخافه فعلًا.

وقد لا يقع.

فتكتشف بعد أيام أنك بكيت داخليًا على شيءٍ لم يكن موجودًا إلا في رأسك.

لا يعني هذا أن كل خوفٍ وهم

بعض الأمور تحتاج إلى تخطيط، وإلى سؤالٍ، وإلى فحصٍ، وإلى ترتيبٍ للأسباب. وقد يكون القلق إشارةً تقول لك: انتبه، افعل ما تستطيع الآن.

لكن بين الاستعداد وبين الاستنزاف فرقٌ كبير.

الاستعداد يسأل: ما الذي أملكه اليوم لأفعله؟

أما الخوف المستنزِف فيسأل: ماذا لو انهار كل شيء؟

الاستعداد يأخذ خطوة.

أما الخوف، فيجلسك أمام ألف خطوة لم تصل إليها بعد.

الاستعداد يجعلك ترى الواقع.

أما الخوف، فيُلبسك واقعًا لم يقع.

وقد يكون أثقل ما في الغد أنك تحاول أن تواجهه بقوة اليوم وحدها

تريد الآن أن تعرف كيف ستحتمل إن جاءت المصيبة.

كيف ستقف إن انقطع السبب.

كيف ستصبر إن وقع ما تخاف.

وكأن الله أعطاك معركة الغد، ثم تركك بلا عون.

لكن الغد إذا جاء، لا يأتي وحده.

يأتي بما يقدره الله معه من قوة، ومن أسباب، ومن أناس، ومن فهم، ومن سكينة، ومن أبواب لم تكن تراها وأنت تنظر إليه من بعيد.

أنت لا تملك الآن كل ما ستحتاجه هناك.

ولا يُطلب منك أن تملكه.

فلا تحاكم نفسك اليوم على قدرتك على احتمال شيءٍ لم يقع بعد.

ولا تقل: أنا لن أتحمل.

أنت لا تعرف كيف ستكون إذا جاء الوقت، ولا ما الذي سيضعه الله في قلبك حينها، ولا كيف ستتغير الصورة قبل أن تصل إليها.

المشكلة ليست أنك تفكر في الغد

المشكلة أن تجعل الغد يحتل اليوم.

أن تترك صلاةً حاضرة لأنك غارق في خوفٍ مستقبلي.

أن تضيع على من تحبهم دفءَ وجودك لأنك منشغل بمشهدٍ لم يقع.

أن تتعب جسدك في معركةٍ بلا عدو ظاهر، ثم تقول: لماذا لا أستطيع أن أواصل؟

كيف تواصل وقد حملت على ظهرك أيامًا لم تأتِ؟

وهنا يحتاج القلب إلى أن يعود إلى موضعه

ليس إلى إنكار الخوف، ولا إلى التظاهر بأن كل شيء سيكون سهلًا.

بل إلى سؤالٍ أبسط:

ما الذي حدث فعلًا الآن؟

هل هناك خبرٌ مؤكد؟

هل هناك خطوةٌ واجبة؟

هل أحتاج أن أتصل، أو أستشير، أو أرتب أمرًا، أو أراجع طبيبًا، أو أصلح سببًا في يدي؟

فإن كان هناك شيءٌ تستطيع فعله، فافعله.

ثم توقّف.

لا تحوّل الخطوة العملية إلى إقامةٍ دائمة في الاحتمال.

وإن لم يكن في يدك شيءٌ الآن، فلا تُعذّب نفسك بمحاولة السيطرة على ما ليس في يدك.

يا رب، إن كان هذا الأمر سيأتي، فاجعلني فيه عبدًا لك، ولا تكلني إلى ضعفي. وإن لم يأتِ، فلا تجعل خوفي منه يسرق ما أعطيتني من يومي.

ثم عُد.

عُد إلى طعامك.

إلى عملك.

إلى صلاتك.

إلى الشخص الجالس أمامك.

إلى المهمة الصغيرة التي تستطيع إنجازها.

فالحياة لا تُعاش في الغد المتخيَّل.

تُعاش في الأمانة التي بين يديك الآن.

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.

فلا تكلّف نفسك اليوم وسعَ أيامٍ لم تُكتب عليك بعد.

ولا تجعل عقلك يقنعك أن الحزن المسبق بطولة، أو أن الهلع إعدادٌ ناضج للمصائب.

قد يكون أثقل ما تحتاج إلى فعله هو أن تترك الغد عند الله، لا لأنك لا تهتم به، بل لأنك تعرف أن قلبك لا يُصلحه أن يعيش فيه قبل أوانه.

وفي المرة القادمة التي يسحبك فيها الخوف إلى مستقبلٍ مظلم، لا تدخل معه في الفيلم كله

أوقفه عند المشهد الأول.

قل:

هذا احتمال، وليس قدرًا وقع.

ولي اليومُ الذي أنا فيه، ولي ربٌّ لا يغيب عن الغد حين يأتي.

ثم خذ نفسًا، وافعل ما تستطيع، واترك ما لا تستطيع عند الله.

فليست الشجاعة أن تضمن ألا تأتي المصيبة.

الشجاعة أن لا تسمح لمصيبةٍ لم تأتِ… أن تأخذ منك يومك كله.

تعليقات

عدد التعليقات : 0