الخوف من سوء الخاتمة: لا تراقب النهاية وأصلح الطريق

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

الخوف من سوء الخاتمة لا يُعالج بمحاولة كشف الغيب، بل بإصلاح ما تعرفه من طريقك الآن: توبة، وردّ حق، وعودة صادقة إلى ما قصّرت فيه.

يد تضع رسالة في ظرف عند نافذة قبل الفجر ترمز إلى إصلاح الطريق قبل فوات الأوان
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

تأتيه الفكرة في آخر الليل.

ربما بعد جنازةٍ مرّ خبرها على هاتفه.

ربما حين يسمع أن شخصًا كان بخير، ثم غاب فجأة.

ربما وهو وحده، وقد سكن البيت من حوله، فيتذكر أن يومًا سيأتي لا يستطيع فيه أن يعود إلى غرفته، ولا أن يفتح صفحةً جديدة، ولا أن يقول: سأصلح الأمر غدًا.

فيخاف.

يتذكر ذنبًا قديمًا.

وحقًا لم يرده.

وصلاةً فرّط فيها.

وعادةً يعرف أنها تضعفه.

ثم يسأل نفسه السؤال الذي لا يملك له جوابًا:

كيف ستكون خاتمتي؟

وقد يكون هذا السؤال باب يقظةٍ جميلة، إذا حمله إلى التوبة.

لكنه قد يتحول إلى بابٍ آخر: يقف أمام النهاية المجهولة مذعورًا، ثم لا يغيّر شيئًا معلومًا في طريقه.

يخاف الموت، لكنه لا يترك الذنب الذي يخاف أن يلقاه به.

يخاف سوء الخاتمة، لكنه يؤجل ردّ الحق.

يخاف أن ينقطع عمله، ثم ينام بعد الفكرة نفسها، ويستيقظ ليعيش يومه كما عاش الأمس.

وهنا لا يكون السؤال:

هل تخاف النهاية؟

بل:

ماذا فعل خوفك بالطريق الذي تمشيه إليها؟

إن الخوف من سوء الخاتمة ليس عيبًا في القلب. كيف لا يخاف الإنسان يومًا يخرج فيه من الدنيا بما في قلبه وعمله، ويقف بين يدي الله لا يملك أن يضيف ركعةً أو يرد مظلمةً أو يعتذر عن أذى؟

لكن الخوف الصحيح لا يتركك عند صورة النهاية

يُنزلك إلى هذه الساعة.

إلى الرسالة التي ينبغي أن تقطعها.

إلى الذنب الذي تعرف بابه.

إلى الصلاة التي تحتاج أن تعود إليها.

إلى الحق الذي بقي في يدك أكثر مما ينبغي.

إلى كلمة الاعتذار التي تؤجلها، مع أنك لا تضمن أن يبقى بينك وبين صاحبها غدٌ مشترك.

الخاتمة لا تُصلحها الرهبة وحدها.

يصلحها — بإذن الله — قلبٌ كلما انحرف عرف طريق الرجوع.

ولهذا لم يقل لك الله: اعرف كيف ستكون نهايتك.

فهي غيبٌ استأثر به.

لكنه فتح لك ما هو أقرب وأوضح: باب التوبة، وباب العمل، وباب الدعاء، وباب إصلاح ما تستطيع إصلاحه الآن.

فلا تحوّل جهلَك بالخاتمة إلى شلل

ولا تحوّله إلى حكمٍ قاسٍ على نفسك.

قد يمرّ بالعبد خوفٌ فيقول: ربما أكون من أهل سوء الخاتمة. ثم يبدأ يفتش في ماضيه حتى لا يرى فيه إلا مواضع السقوط، ويجعل الذنب الذي تاب منه نبوءةً عن مصيره، ويعامل تعثره كأنه كشفٌ من السماء لا يتغير.

وهذا ليس خشوعًا.

قد يكون يأسًا دخل على القلب من بابٍ ديني.

فالذنب الذي ندمت عليه، وتبت منه، وجاهدت نفسك فيه، ليس عقدًا وقّعته مع مستقبلك. والضعف لا يعني أن باب الله أُغلق في وجهك، كما أن لحظة استقامة لا تمنح أحدًا شهادة أمان.

نحن لا نملك أن نحكم على نهاياتنا.

ولهذا نعمل، ولا نزكي أنفسنا.

نخاف، ولا نقنط.

ونسأل الله حسن العاقبة، ولا نتكئ على ما مضى من خير.

قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالخواتيم».

لكن هذه الكلمة ليست سيفًا يرفعه الإنسان على رقبته كلما أخطأ.

إنها دعوةٌ إلى ألا يغترّ أحدٌ بما هو عليه الآن، وألا ييأس أحدٌ مما كان عليه بالأمس.

فقد يفتح الله للعبد باب توبةٍ في آخر عمره، وقد يحرمه إن هو أصرّ على التأجيل حتى ألف قلبه البعد. وقد يحمل الإنسان خيرًا كثيرًا، ثم يحتاج أن يظل خائفًا منه على نفسه حتى لا يفسده بالعجب أو الغفلة.

فلا تسأل: هل ضمنت النهاية؟

لن تستطيع.

اسأل: هل أنا أصلح الآن ما أعرف أنه يحتاج إلى إصلاح؟

هناك فرقٌ بين من يخاف الخاتمة فيبقى يراقب قلبه، وبين من يخافها فيحرس قلبه

الأول يطلب يقينًا لا يملكه: هل أنا بخير؟ هل سأُقبل؟ هل سأثبت؟

والآخر يقول: لا أعلم ما يُكتب لي، لكنني أعلم أن هذا الذنب لا يليق أن أبقى عليه، وأن هذه الصلاة حق، وأن هذا الحق يجب أن يعود، وأن باب الله مفتوح الآن.

فيتحرك.

ولا ينتظر أن يصبح نقيًا تمامًا حتى يرجع.

ولا ينتظر أن تزول الرغبة حتى يترك.

ولا ينتظر أن يشعر بندمٍ كامل حتى يبدأ.

يبدأ لأن الطريق لا يُصلح بالانتظار.

وإذا كان في حياتك بابٌ تخاف أن تلقى الله وأنت مقيم عليه

فلا تكتفِ بالخوف منه. اسأل: ما الذي يبقيه مفتوحًا؟

قد يكون هاتفًا لا تضبطه.

أو خلوةً تكررها.

أو علاقةً لا تقطعها لأنك لا تريد أن تؤلم نفسك الآن.

أو حقًا لإنسان تؤجل رده لأن الاعتراف ثقيل.

أو صلاةً تؤخرها حتى تصير عادتك أن تلحق بها في آخر الوقت.

لا تتعامل مع هذه الأشياء كأنها تفاصيل صغيرة أمام سؤال النهاية الكبير.

هذه هي الطريق.

والخاتمة ليست حدثًا غريبًا يهبط على الإنسان من خارج أيامه؛ إنها لقاءٌ مع ما كان يختاره، ويعود منه، ويصالح عليه قلبه، ويؤخر إصلاحه، أو يجاهد نفسه فيه.

لا نعلم كيف يختم الله لأحد.

لكننا نعلم أن أصدق استعدادٍ للخاتمة هو أن لا تجعل التوبة مشروعًا مؤجلًا.

أن تقوم إذا أيقظك الخوف إلى عملٍ واضح: تستغفر، وتردّ، وتقطع، وتصلح، وتدعو.

ثم تمضي دون أن تجعل القلق سيدًا عليك.


اقرأ أيضًا

وفي المرة القادمة التي تفزع فيها من سؤال: ماذا لو كانت نهايتي قريبة؟

لا تحاول أن تخترق الغيب.

ارجع إلى ما بين يديك.

يا رب، لا أعلم كيف أختم، لكني أعلم أني عبدك، وأن هذا اليوم ما زال في يدي. فأعنّي أن ألقاك وأنا في طريق الرجوع، لا في طريق التأجيل.

ثم أصلح شيئًا واحدًا تعرفه.

فأنت لا تحتاج أن تعرف خاتمتك كي تبدأ.

تحتاج أن تعرف أن الطريق الذي بين يديك… هو الذي يصنعه اختيارك الآن.

تعليقات

عدد التعليقات : 0