التعلق بالأسباب: حين تتحول الوسيلة إلى موضع اعتماد في القلب

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث
رجل في غرفة مظلمة يتأمل نافذة يعبر منها ضوء الشمس في رمز إلى التعلق بالأسباب

يجلس رجلٌ في غرفةٍ مظلمة شديدة البرودة.

وفجأة، تُفتح في الجدار نافذة صغيرة، فينساب منها شعاع شمس دافئ، يطرد شيئًا من الظلمة، ويذيب بعض الجليد المتراكم في المكان.

كان ينبغي أن يرفع الرجل رأسه إلى الشمس، وأن يعلم أن النافذة لم تصنع النور، وإنما سمحت له بالعبور.

لكنه اقترب من إطارها الخشبي، وأخذ يمسح زجاجها، ويراقبها بخوف، ويعلّق بها قلبه، حتى نسي الشمس التي وراءها.

ثم جاء يومٌ أُغلقت فيه النافذة.

فلم يقل: أُغلق معبرٌ، وبقي المنبع.

بل ظن أن النور قد انطفأ من الوجود كله.

وهكذا تبدأ أكثر صور التعلق بالأسباب خفاءً وخطرًا:

لا حين تستخدم النافذة، بل حين تنسى الشمس.

لا حين تأخذ بالسبب، بل حين تمنحه في قلبك ما لا يملكه في الحقيقة.

لم يبدأ الأمر بانحرافٍ ظاهر.

لم تقل يومًا إن هذا الإنسان يملك رزقك، ولا إن هذه الوظيفة تملك مستقبلك، ولا إن هذا الطبيب يملك شفاءك، ولا إن هذا الباب قادرٌ على أن يعطيك بعيدًا عن الله.

كنت تعرف بلسانك أن الأمر كله لله.

لكن السبب اقترب منك قليلًا قليلًا…

دخل أولًا إلى يدك، فاستعملته.

ثم دخل إلى فكرك، فخططت به.

ثم تسلل إلى قلبك، فاطمأننت إليه.

حتى صار بقاؤه هو الأمان، وغيابه هو الخوف، وإقباله هو البشارة، وإدباره هو الانهيار.

وهنا لم يعد السبب وسيلةً تسير بها إلى ما كتب الله.

لقد جلس في الموضع الذي لا ينبغي أن يسكنه الاعتماد المطلق إلا على الله.

قد يكون هذا السبب شخصًا وعدك بالمساعدة.

أو عميلًا علّقت عليه سداد حاجتك.

أو وظيفةً رأيت فيها نجاتك.

أو طبيبًا ظننت أن الشفاء متوقف على يده.

أو واسطةً بدت لك أقصر الطرق.

أو رسالةً تنتظرها، وتظن أن حياتك ستتغير إن وصلت.

أو مبلغًا من المال شعرت أن أمانك كله مجتمع فيه.

أو خطةً أحكمت تفاصيلها حتى نسيت أنها لا تملك أن تمنح نفسها النجاح.

ليست المشكلة في الأسباب.

فقد خلق الله الإنسان في عالمٍ تجري فيه الأمور بأسبابها، وأمره أن يسعى، ويعمل، ويتداوى، ويحتاط، ويُحكم خطته، ويطرق الأبواب الممكنة.

فالزارع يبذر الحب.

والمريض يتناول الدواء.

وطالب الرزق يضرب في الأرض.

والخائف يغلق بابه.

والمسافر يتزود لرحلته.

المشكلة ليست في أنك طرقت الباب.

المشكلة أن الباب أخذ من قلبك مساحةً لا يملك استحقاقها.

وليست المشكلة في أنك فرحت بالبشارة.

المشكلة أن فرحك تحول إلى سكونٍ بالعلامة، كأنها تضمن ما لم يكتبه الله بعد.

وليست المشكلة في أنك حزنت حين تعطل السبب.

فالحزن البشري لا يقدح في الإيمان.

لكن الخلل أن يتحول تعطل السبب في شعورك إلى معنى خفي يقول: لم يعد للخير طريقٌ إليّ.

القاعدة التي يختل القلب حين تختل هي:

السبب مكانه اليد، ومُسبِّب السبب موضع اعتماد القلب.

الأيدي تعمل، وتخطط، وتحسب، وتتقن.

أما القلب، فلا يعتمد اعتمادًا مطلقًا إلا على الله؛ لأنه وحده الذي يملك أن يفتح للسبب، أو يسلبه أثره، أو يأتي بالنتيجة من طريقٍ لم يخطر لك على بال.

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

هجرة السبب من اليد إلى القلب

المأساة لا تبدأ حين نهمل الأسباب، بل تبدأ بخطأ داخلي خفي: حين تهاجر الأسباب من أيدينا لتستوطن في قلوبنا.

تمسك الوظيفة بيدك، وهذا طبيعي.

لكنها تبدأ بالصعود إلى قلبك حين تصبح هي التفسير الوحيد لرزقك، والضمان الذي لا تتصور الحياة دونه.

تتناول الدواء، وهذا من الأخذ المشروع بالأسباب.

لكنه يتجاوز موضعه حين يستقر في أعماقك أن الشفاء محبوس داخله، وأن غيابه يعني أن أبواب العافية قد أُغلقت كلها.

تستعين بصاحب خبرة أو نفوذ، وهذا سبب مباح.

لكنه يجلس في قلبك حين تبدأ ترى أن مصيرك معلقٌ بكلمته، وأن مستقبلك كله يقف خلف هاتفه، وأن الخير لن يصل إليك إلا من خلاله.

ترسل طلبًا أو ملفًا، ثم تقول: أنا متوكل على الله.

لكن قلبك يظل معلقًا بشاشة الهاتف.

كل إشعار يوقظ نبضك.

كل تأخير يستهلك طمأنينتك.

كل كلمة غامضة تبني عليها مستقبلًا كاملًا.

فإذا جاء وعدٌ، امتلأت يقينًا قبل أن يتم الأمر.

وإذا تأخر الرد، خُيّل إليك أن أبواب الحياة كلها قد أُغلقت.

وهذه الهجرة لا تقع غالبًا بضجيج.

لا تسمع لحظة دخول السبب إلى قلبك.

إنها تبدأ بارتياح زائد لوجوده.

ثم بسكون النفس إليه.

ثم بتعليق الأمان عليه.

ثم بالخوف المفرط من فقدانه.

حتى يصبح وجوده طمأنينة، وغيابه فزعًا، وإقباله حياة، وإدباره نهاية.

وحينها لا تعود النافذة معبرًا للنور.

تتحول في وعيك إلى المنبع نفسه.

تقول: «أنا لا أتعلق بالسبب».

لكن قلبك يفضح موضع اعتماده حين تتغير حركة السبب.

فإذا تأخر الشخص، اضطربت.

وإذا صمت الهاتف، اختنقت.

وإذا أُغلق الباب، رأيت الدنيا كلها قد أُغلقت.

وإذا ظهرت بوادر النجاح، سكنت إليها قبل أن يتم الأمر.

وإذا ضعفت المؤشرات، سقط رجاؤك في اللحظة نفسها.

فاسأل نفسك بصدق:

إن كان اعتماد قلبي على الله، فلماذا يرتفع يقيني وينخفض بحسب حركة السبب؟

لماذا أطمئن حين يقول إنسان: «الأمر مضمون»، ثم أفقد طمأنينتي حين يعتذر؟

لماذا يهدأ قلبي عند وجود المال، ثم يشعر أنه صار بلا سند عند نقصه، مع أن الله الذي رزقني بالأمس لم تنقص خزائنه اليوم؟

لماذا أتعامل مع الباب المفتوح كأنه وعد، ومع الباب المغلق كأنه حكم نهائي؟

هذا هو التعلق الخفي:

أن تؤمن بقدرة الله نظريًا، ثم تعيش عمليًا كأن قدرته لا تعمل إلا من خلال الطريق الذي عرفته أنت.

كأن الرزق لا يأتي إلا من هذه الوظيفة.

والفرج لا يقع إلا بهذه الموافقة.

والشفاء لا يكون إلا على يد هذا الطبيب.

والنجاة لا تمر إلا عبر هذا الشخص.

فإذا سقط الطريق، سقط معه رجاؤك.

مع أن الذي وعدك بالكفاية لم يحصر كفايته في طريق واحد:

﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.

لم يقل: ومن يطمئن إلى المؤشرات إذا تحسنت.

ولا: ومن يعتمد على السبب إذا اكتمل.

بل ردّ القلب إلى أصلٍ واحد لا يتبدل:

الله حسبك.

قد يفتح لك بالسبب الذي في يدك.

وقد يصرفه عنك، ويأتيك من حيث لم تحتسب.

وقد يتأخر ما طلبت لحكمة لا تعلمها.

وقد يُصرف عنك بابٌ كنت تراه نجاة، ويكون وراءه ما لم تره.

وقد ترى ضعف الوسيلة، فتتذكر أنها لم تكن يومًا صاحبة الأمر.

والله أعلم بما يصلح عبده.

لكن النفس لا تحب هذا الاتساع.

إنها تريد طريقًا تراه، وموعدًا تعرفه، وشخصًا تمسك به، وضمانًا تطمئن إليه.

تريد من الله أن يرزقها، لكن بالطريقة التي اختارتها.

وأن يفرّج عنها، لكن من الباب الذي وقفت عنده.

وأن ينقذها، لكن بالسبب الذي أقنعها أنه المنقذ.

فإذا أُغلق ذلك الباب، لم تتألم فقط لفوات المطلوب؛ بل شعرت أن الأرض سُحبت من تحتها، لأن قلبها لم يكن واقفًا على الله، بل كان متكئًا على السبب.

حين تختلط النعمة بالطريق الذي جاءت منه

تأخذ الدواء مرة، فيشفيك الله به.

ثم تأخذه مرة أخرى، فيجعل الله فيه نفعًا.

ومع تكرار المشهد، قد تضعف رؤية القلب شيئًا فشيئًا.

في المرة الأولى تقول:

الحمد لله الذي نفعني بهذا الدواء.

ثم لا تلبث أن يستقر في داخلك:

هذا الدواء هو الذي يشفيني.

والفرق بين العبارتين ليس فرقًا لغويًا صغيرًا.

إنه فرق بين قلب يرى السبب نافذةً يمر عبرها الفضل، وقلبٍ نسي المنعم وتعلّق بالنافذة.

ينزل الراتب في موعده شهرًا بعد شهر، فتعتاد النفس انتظامه، ثم تبدأ معاملته كأنه رزقٌ مضمون لا يتخلف.

تنجح الخطة مرة بعد مرة، فتنتقل في شعورك من الثقة بالله مع إحكام التخطيط، إلى الثقة بالخطة نفسها.

يقف إلى جوارك شخص قوي، فتطمئن إلى وجوده، ثم تنسى أن قلبه، وقدرته، وإرادته، والظروف التي تحيط به، كلها بيد الله.

تنجح صفقة، فتقول بلسانك: هذا فضل الله.

لكن قلبك يبدأ بتقديس الصيغة، أو العميل، أو مهارتك، أو الطريق الذي جرى منه الربح، حتى تظن أن الرزق صار أسيرًا له.

وهنا يقع الخلط بين المعبر والمنبع.

الوظيفة معبر.

والطبيب معبر.

والرصيد معبر.

والعلاقة معبر.

والخطة معبر.

والإنسان الذي أحسن إليك معبر.

أما المنبع الذي لا تنفد خزائنه، ولا يعجزه طريق، ولا تتوقف قدرته على نافذة واحدة، فهو الله وحده.

قال تعالى:

﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾.

من الله أولًا، ولو وصلت على يد ألف إنسان.

ومن الله وحده، ولو جاءتك في وظيفة، أو صفقة، أو علاج، أو كلمة، أو شخص.

فلا تنسب إلى الوعاء ما جاءك من خزائن الله.

لا تجعل يد الساقي تنسيك صاحب الماء.

ولا تجعل الطريق يحجبك عن الذي خلق الطريق، وقدّر الخطوات، وأوصل العطاء.

ليست الآية دعوة إلى ترك الأسباب، بل دعوة إلى ألا تحجبك الأسباب عن الذي أجرى النعمة من خلالها.

ولهذا يحتاج القلب إلى تذكّر الفرق بين سبب الرزق ومصدر الرزق؛ فالراتب والوظيفة أبواب، أما الرزّاق فلا تنفد خزائنه بانغلاق باب.

مقياس الهلع: أين يسكن السبب في داخلك؟

هناك لحظة تكشف لك موضع السبب أكثر من مئات الكلمات:

لحظة انقطاعه.

راقب قلبك حين يتأخر الراتب.

حين يُغلق باب الوظيفة.

حين يعجز الطبيب.

حين تتعثر الخطة التي أحكمتها لشهور.

حين يتخلى عنك الشخص الذي كنت تراه الجسر الوحيد للنجاة.

حين تتوقف المعاملة بعدما ظننت أنها أوشكت على الاكتمال.

حين يأتي الاعتذار بعد الوعد.

ستحزن؛ لأنك بشر.

وقد تضيق، وتضطرب، وتبكي، وتحتاج إلى وقت حتى تستعيد توازنك.

وليس كل خوفٍ أو حزنٍ دليلًا على فساد التوكل؛ فالنفوس تتألم، والشرع لا يطالب الإنسان أن يتحول إلى حجرٍ لا يتأثر.

لكن السؤال الكاشف هو:

هل سقط السبب من يدك، أم سقط معه قلبك؟

إن كان السبب في يدك، آلمك فقده، لكنك لا تلبث أن ترفع رأسك.

تقول:

تعطّل مفتاح، ولم تنفد الخزائن.

أُغلق طريق، ولم تُغلق أبواب قدرة الله.

انكسرت نافذة، لكن الشمس لم تنطفئ.

أما إن كان السبب قد استولى على مساحة الاعتماد في قلبك، فقد تشعر عند زواله أن الحياة نفسها قد انتهت، وأنك تُركت في العراء، وأن جميع الأبواب قد أُغلقت.

لا لأن الخسارة يسيرة.

بل لأن قلبك كان قد أسند إليها من ثقله ما لا تحتمله.

نحن لا نتألم دائمًا من فقدان السبب لأنه ثمين فقط.

بل لأننا قد نسند ظهورنا إليه بكل ثقلنا.

فلما يُسحب من خلفنا، لا يسقط هو وحده.

نسقط معه.

وربما كان مقدار الهلع عند فقد السبب كاشفًا عن مقدار المساحة التي منحناها له في القلب.

لا لتتهم نفسك.

ولا لتحكم عليها.

ولا لتفتح باب الوسواس في كل حزن أو خوف.

ولكن لتعرف موضع الخلل الذي يحتاج إلى إصلاح.

وراقب قلبك عند البشائر أيضًا.

فهناك يظهر التعلق كما يظهر عند الخسارات.

إذا جاءك وعدٌ، فلا تسكن إليه كأن الأمر قد تم.

وإذا ظهرت فرصة، فلا تبنِ عليها قلبك قبل أن يكتب الله تمامها.

وإذا تحرك سبب، فلا تسبق القدر بفرحٍ يستهلك روحك، ثم تسقط إذا لم يكتمل.

قل:

هذه بشارة أرجو خيرها، وليست عهدًا على الله.

هذا باب أطرقه، وليس ربًّا أتوكل عليه.

هذه وسيلة أحسن استخدامها، ولا أهبها قلبي.

فإن تم الأمر، حمدت الله، وعلمت أن السبب لم يكن إلا خادمًا للقدر.

وإن لم يتم، حزنت بقدر إنسانيتي، لكنني لا أدفن رجائي مع سببٍ سقط.

فخزائن الله لم تسقط.

وقدرته لم تتعطل.

ورحمته لم تكن معلقةً بموافقة إنسان.

السبب يعمل… لكنه لا يحكم

السبب قد ينفع، لكنه لا يملك أن يضمن النتيجة.

وقد يكون قويًا في حسابات البشر، ثم يتعطل أثره.

وقد يكون ضعيفًا في أعينهم، ثم يضع الله فيه من النفع والبركة ما لا يتوقعونه.

قد تأخذ أنفع الأدوية، ولا يقع الشفاء في الوقت الذي تنتظره.

وقد تطرق أقوى الأبواب، فلا تُفتح.

وقد تملك أمتن العلاقات، ثم تُخذل.

وقد تحسب حساباتك بدقة، ثم تأتي النتيجة على خلاف ما توقعت.

وفي المقابل، قد يأتيك الفرج من طريق لم تضعه في حسابك، وعلى يد شخص لم تعرفه، وفي وقتٍ كنت تظن أن جميع الإمكانات قد انتهت.

لماذا؟

لأن الأسباب ليست قوى مستقلة موزعة في الكون.

إنها مخلوقات محدودة، تعمل بما قدّره الله لها، وتقف حين لا يُقدّر لها الأثر، وتنفع بإذنه، ولا تملك من الأمر شيئًا استقلالًا.

فالسبب لا يعطيك لأنه قوي بذاته.

إنما يعطيك إذا أذن الله له أن يكون موصلًا لعطائه.

والطبيب لا يشفيك استقلالًا بمهارته.

إنما يجعل الله على يده نفعًا إن شاء.

والعمل لا يخلق رزقك.

إنما يسوق الله إليك رزقك من خلاله.

والإنسان لا يحفظك بذاته.

إنما قد يجعله الله سترًا لك مدةً، ثم ينقلك إلى سترٍ آخر.

نحن لا نملك أن نجزم لماذا تعطّل سببٌ بعينه، ولا أن نفسر كل خسارة على أنها رسالة خاصة محددة؛ فحِكم الله أوسع من إدراكنا، وقد تخفى علينا.

لكن تعطل السبب يذكّرك بحقيقة لا ينبغي أن تغيب:

أن السبب لا يرى غدك، ولا يعرف مصلحتك، ولا يملك لنفسه أثرًا مستقلًا عن تقدير الله.

وقد يكون في انكسار بعض الأسباب رحمة لا تتبين لك أول الأمر.

أو صرفٌ لشر.

أو نقلٌ إلى باب آخر.

أو تصحيحٌ لاتجاه القلب.

وقد تكون له حكمة لا نعرفها.

والله أعلم.

لكن اليقين الذي لا يتغير هو:

سقوط النافذة لا يعني سقوط السماء.

لقد أخذ يعقوب عليه السلام بالأسباب حين قال لبنيه:

﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾.

رتّب.

واحتاط.

وفكر.

لكنه لم يسمح للتدبير أن يتحول إلى معتمد القلب، فقال بعدها:

﴿وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾.

هذا هو الميزان الذي يختل فينا كثيرًا:

نأخذ بالأسباب، ثم ننسى أنها لا تُغني من الله شيئًا.

نحسب الاحتمالات، ثم نتعامل معها كأنها أقدار نهائية.

نرى الباب مفتوحًا، فنظن أن الدخول مضمون.

ونراه مغلقًا، فنظن أن الوصول مستحيل.

مع أن الأبواب لا تفتح بذاتها، ولا تغلق بذاتها.

قد يكون الباب مفتوحًا، ويُصرف عنك ما وراءه.

وقد يكون في ظاهره مغلقًا، ثم يخلق الله لك فيه منفذًا لم يخطر لك.

الأسباب تعمل… لكنها لا تحكم.

حين يتحول التوكل إلى كلمة نقولها

كثيرون يقولون:

توكلت على الله.

لكن القلب في الحقيقة يراقب السبب.

اللسان يقول: الله هو الرزاق.

والقلب يفتش كل ساعة عن رد صاحب العمل.

اللسان يقول: الله هو الشافي.

والقلب يرى أن العافية كلها معلقة باسم الطبيب.

اللسان يقول: الأمر لله.

والقلب لا يهدأ إلا إذا اكتملت الخطة كما رسمها.

وهنا يصبح التوكل فكرة صحيحة لم تنزل بعد إلى موضع الاضطراب الحقيقي.

لأن التوكل لا يُختبر حين تكون النوافذ كلها مفتوحة، والراتب حاضرًا، والطبيب مطمئنًا، والخطة تسير كما تريد.

يُختبر حين تهتز الأسباب، ثم تنظر:

إلى أين يركض قلبك؟

هل يركض إلى الله، ثم يعود إلى العمل؟

أم يركض من سببٍ إلى سبب، ومن شخصٍ إلى شخص، ومن حسابٍ إلى حساب، ولا يرفع حاجته إلى الله إلا بعد أن تستنفد الأرض كل وعودها؟

ليس المقصود أن تتوقف عن البحث عن البدائل.

بل ابحث، واتصل، وخطط، وجرّب، واستشر.

لكن لا تجعل انتقالك بين الأسباب انتقال قلبٍ يظن أن كل سبب جديد هو المنقذ الأخير.

اجعل قلبك متوجهًا إلى الله، ويدك تتحرك في الأرض.

التوكل ليس أن تترك الأسباب وتنتظر الخوارق.

وليس أن تهمل التخطيط ثم تسمي إهمالك يقينًا.

وليس أن تغلق الأبواب التي أذن الله لك أن تطرقها.

التوكل أن تعمل بجوارحك، دون أن يسجد قلبك لما تعمل به.

أن تمسك السبب بيدك، لكن تبقيه خارج موضع الاعتماد المطلق في قلبك.

أن تبذل وسعك في إعداد الملف، ومراجعة الطبيب، والبحث عن العمل، ومتابعة المعاملة، وتحصيل الرزق، ثم تقول في داخلك بصدق:

هذا سببٌ يعمل بإذن الله، ولا يحكم على الله.

قد ينفع، وقد لا ينفع.

قد يتم، وقد يتوقف.

قد يكون هو الطريق، وقد يكون خطوةً تقودني إلى طريق آخر.

أما الخير، فلا يملكه إلا الله.

قلب مفتقر… ويد تعمل

التوكل ليس كسلًا مقنعًا بعبارات إيمانية.

وليس انتظارًا للنتائج من غير عمل.

وليس إهمالًا لقوانين الحياة بحجة أن الله قادر.

بل هو توازن دقيق:

أن تكون شديد السعي، كثير العمل، محكم التخطيط، واضح الحساب، باذلًا وسعك؛ لأن الله أمرك أن تأخذ بالأسباب.

ثم لا تمنح شيئًا من ذلك حق التحكم في طمأنينتك؛ لأن النتائج ليست ملكك ولا ملك أسبابك.

تزرع بإتقان، وأنت تعلم أن الزرع لا يُنبت نفسه.

تأخذ الدواء في موعده، وتبحث عن الطبيب الماهر، وتلتزم العلاج.

لكن قلبك يقول:

يا شافي، هذا سبب من خلقك، فانفعني به، واكتب لي العافية من حيث تشاء.

تبحث عن العمل، وترسل طلباتك، وتطور مهاراتك، وتطرق الأبواب.

لكن قلبك لا يقول:

رزقي خلف هذا الباب بعينه.

بل يقول:

رزقي عند الله، وهذا بابٌ أطرقه امتثالًا وسعيًا، فإن فتحه الله دخلت، وإن أُغلق لم تنفد أبوابه.

تتابع المعاملة، وتسأل عن الرد، وتستوضح الموعد، وتراجع النقص.

لكن المتابعة تبقى عملًا في يدك، لا إقامةً دائمة في قلبك.

فلا تجعل سلامك الداخلي رهينةً لإشعار.

ولا تجعل يقينك معلّقًا بكلمة موظف.

ولا تبنِ حياتك على وعد لم يكتمل.

هذا هو التوازن:

لا تُسقط السبب من يدك.

ولا ترفعه إلى قلبك.

لا تتعلق به، ولا تهمله.

لا تعبده، ولا تعاديه.

ضعه في موضعه الذي خلقه الله له:

وسيلةً تُستعمل، لا سندًا مطلقًا يُعتمد عليه.

لا تنتظر حتى تنكسر النافذة

لا تنتظر زوال النعمة حتى تعرف أنك كنت متعلقًا بها.

فتش قلبك الآن.

ما الشيء الذي تشعر أن حياتك لن تستقيم بدونه؟

ما الشخص الذي إذا ابتعد، ظننت أن مستقبلك قد ضاع؟

ما الباب الذي عاملته كأنه الباب الأخير؟

ما الخطة التي لم تعد تراها احتمالًا، بل صارت في داخلك وعدًا لا بد أن يتحقق؟

ما السبب الذي تطمئن بوجوده طمأنينةً تتجاوز قدره الحقيقي؟

لا تُجب بلسانك.

راقب مقدار خوفك من فقده.

راقب مقدار فرحك حين يقترب.

راقب مقدار انهيارك حين يبتعد.

فقد تكشف حركة قلبك ما تخفيه عباراتك.

ثم أعد كل شيء إلى موضعه.

لا تكره السبب.

ولا تهمله.

ولا تكسره بيدك لتثبت أنك متوكل.

فهذا ليس توكلًا، بل قد يكون سوء فهم.

أبقِ السبب في يدك، وأخرجه من موضع الاعتماد المطلق في قلبك.

قل لنفسك كلما أقبل عليك سبب:

أنت نعمة، ولست إلهًا.

أنت باب، ولست ربّ الباب.

أنت طريق، ولست مالك الوصول.

سأحسن استخدامك، لكنني لن أستمد منك يقيني.

سأفرح بك من غير أن أركن إليك.

وسأحزن إن فقدتك، لكنني لن أظن أن قدرة الله على إيصال الخير إليّ قد توقفت عندك.

اكنس قلبك

اكنس قلبك من الأوهام التي تراكمت فيه بصمت.

أخرج منه الوظيفة حين تتحول من وسيلة رزق إلى ضمان مطلق.

وأخرج الطبيب حين يتحول من سبب علاج إلى مالكٍ للعافية.

وأخرج الوجيه حين يصبح في شعورك الممسك بمصيرك.

وأخرج الرصيد حين يمنحك من الأمان ما ينبغي أن يكون في الثقة بالله.

وأخرج الخطة حين تطلب منها أن تمنحك مستقبلًا لا تملكه.

وأخرج البشارة حين تتحول من علامة ترجّي إلى عهدٍ موهوم لا بد أن يقع.

لكن لا تلقِ هذه الأشياء خارج حياتك.

ضعها في حقيبة أدواتك.

استخدمها جيدًا.

تعلم قوانينها.

أتقن التعامل معها.

ثم امضِ.

فالأشياء في اليد أدوات نبني بها الحياة، لكنها حين تستولي على القلب قد تهدم طمأنينته.

والسبب خادم نافع ما بقي في موضعه.

فإذا تجاوز حدوده، بدأ يطالبك كل يوم بثمن وجوده:

خوفًا من زواله.

وقلقًا على بقائه.

ومراقبةً لا تنتهي لعلامات ضعفه.

وتنازلًا عن الحق إرضاءً له.

وربما معصيةً لله حتى لا تفقده.

وهنا تعرف أن السبب لم يعد يخدمك.

لقد أصبحت أنت الذي يخدمه.

تخشى غضبه أكثر مما تخشى مخالفة أمر الله.

وتتنازل له عما لا ينبغي.

وتجامل باطلًا حتى يبقى.

وتتعلق بكلمته حتى تنسى الدعاء.

وتراقب حركته حتى يضيع حضور قلبك مع الله.

ما كان في يدك صار ممسكًا بك.

وما خُلق ليكون خادمًا، صار سيدًا على طمأنينتك.

فتوقف.

لا لتكسر السبب.

بل لتكسر وهم سيادته.

حين يسقط ما كنت تستند إليه

حين ينقطع السبب الذي تعلقت به، قد تشعر أنك لا تملك شيئًا.

لكن ربما يشتد صدق افتقارك في تلك اللحظة.

حين لا تجد أمامك ما تستند إليه إلا الله.

حين تسقط العبارات الجاهزة.

وحين ترى أن قلبك كان يسكن إلى ما في يدك أكثر مما كنت تظن.

عندها قل:

يا رب، لقد كنت أظن أنني متوكل عليك، ثم رأيت من ضعف قلبي ما رأيت.

فأخرج السبب من موضع الاعتماد، ولا تخرجه بالضرورة من يدي.

علّمني أن أسعى دون عبوديةٍ للسعي.

وأن أنتظر دون تعلقٍ بالمنتظر.

وأن أفرح دون أن أغتر.

وأن أحزن دون أن أيأس.

وأن أرى الأسباب كلها محدودةً أمام قدرتك.

لا تطلب قلبًا لا يتألم عند سقوط الأسباب.

فالألم من طبيعة البشر.

لكن اطلب قلبًا يتألم ولا يعبد ألمه.

ويحزن ولا يسيء الظن بربه.

ويفقد الطريق، ولا يظن أنه فقد الله.

واعلم أن تحرير القلب من السبب لا يحدث بعبارةٍ تقولها مرةً واحدة.

إنها مجاهدة تتكرر كلما ظهر سببٌ جديد.

كلما لاح باب، ذكّر قلبك أنه باب لا مالك.

وكلما اقتربت بشارة، قل له:

تمهل، فالنتائج عند الله.

وكلما انقطع طريق، قل له:

انقطع الطريق، ولم تنقطع القدرة.

وكلما مدّ إليك إنسان يده، اشكره، لكن لا تسلمه موضعًا في قلبك لا يليق إلا بالله.

لا تقل:

ماذا بقي لي بعد سقوط هذا السبب؟

قل:

من بقي لي؟

فإن كان الله لك، فما فقدت الأصل.

وإن امتلأت يدك بالأسباب وغاب اعتمادك على الله، فقد تملك أشياء كثيرةً، وقلبك مع ذلك يبيت بلا سند.


اقرأ أيضًا

أُغلقت نافذة… ولم تنطفئ الشمس

قد يُغلق باب كنت تظنه آخر الأبواب.

وقد يسقط سبب بنيت عليه كثيرًا من الآمال.

وقد تستيقظ يومًا فلا تجد ما كان يطمئن إليه قلبك بالأمس.

ستتألم.

لكن لا تجعل الألم يكتب لك عقيدةً جديدة تقول إن كل شيء قد انتهى.

قل لقلبك:

أُغلقت نافذة، ورب الشمس حي لا يموت.

انكسر مفتاح، وخزائن الله لا تنفد.

تأخر طريق، وقدرة الله لا يعجزها طريق.

سقط ما كنت أراه سببًا للنجاة، وبقي الذي بيده النجاة كلها.

ثم انهض.

ابحث عن نافذة أخرى.

أصلح ما تستطيع إصلاحه.

غيّر خطتك.

استشر.

تعلّم.

ابدأ من جديد.

لكن ابدأ بالله، لا بالخوف.

واجعل يدك عاملةً في الأرض، وقلبك مفتقرًا إلى رب السماء.

ضع السبب حيث وضعه الله:

في يدك، لا في قلبك.

استعمله، ولا تعبده.

أحسن التعامل معه، ولا تمنحه يقينك.

تابعه، ولا تجعل سلامك الداخلي رهينةً لنتيجته.

فالأسباب تعمل…

لكنها لا تحكم.

والأبواب تُطرق…

لكنها لا تفتح إلا بإذنه.

والناس قد يساعدونك…

لكنهم لا يملكون لك من الله شيئًا.

وحين يستقر هذا المعنى في قلبك، لن تتوقف عن السعي، بل ستسعى بقلبٍ أخف.

لأنك لن تطلب من السبب ما لا يملكه.

ولن تنهار إذا تأخر.

ولن تغتر إذا نجح.

ولن تظن أن نجاتك كانت من صنعك.

ستأخذ بالأسباب كلها، ثم ترفع قلبك فوقها، وتقول:

يا رب، هذه يدي تبذل ما تستطيع…

أما قلبي، فلا يسكنه الاعتماد المطلق إلا عليك.

أمسك الأسباب بقوة في يدك، لكن لا تفتح لها موضع الاعتماد في قلبك.

فهي قد تحمل إليك النور…

لكنها ليست الشمس.

```3[❶](code://python)

تعليقات

عدد التعليقات : 0