كيف أتخلص من الخوف من العين والحسد؟ حين يكبر ظل المخلوق في القلب

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

يأتيك خبرٌ يفرحك: نجاح، أو رزق، أو شفاء، أو بابٌ بدأ ينفتح بعد طول انتظار.

تفتح هاتفك لتشارك من تحب، ثم تتوقف إصبعك فجأة.

تتذكر شخصًا بعينه. تضع رمزًا على الصورة، أو تحذفها، أو تخفض صوتك وأنت تتحدث عن النعمة. ثم تقرأ المعوّذات، لكن قلبك لا يهدأ؛ لأن خوفك لم يكن من سببٍ ظاهر تستطيع دفعه، بل من نظرة إنسان، أو نيّته، أو اسمه الذي مرّ في خاطرك.

وربما تكون وحدك في سريرك، لا خطر حاضر، ولا خصم أمامك، لكن مجرد التفكير في مسؤول، أو منافس، أو شخصٍ تظنه يحسدك أو يكيد لك، يجعل معدتك تنقبض، ونبضك يتسارع، والنوم يهرب من عينيك.

قف هنا.

ما الذي تخافه حقًّا؟

هل تخاف فعلًا معلومًا يمكن أن يقع: كلمةً ظالمة، أو قرارًا مؤذيًا، أو اعتداءً يمكن الاحتياط له؟

أم أنك جعلت وجود هذا الإنسان نفسه قوةً غامضة، كأن بيده مفاتيح رزقك، وصحتك، ومستقبلك، يستطيع أن يفسدها متى شاء، ولو لم يشأ الله؟

رجل ينظر إلى ظل بشري ضخم صنعته يده الصغيرة تعبيرًا عن الخوف من العين والحسد وتعظيم المخلوق في القلب
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

كيف يبدأ الخوف من العين والحسد؟

هنا يقع الخلل الدقيق.

فالخوف الطبيعي من ضررٍ متوقع، أو من شخصٍ يملك وسيلةً ظاهرة للأذى، شعورٌ بشري لا يُلام عليه الإنسان، بل قد يدفعه إلى الحكمة، والحذر، واتخاذ الأسباب. تخاف من سيارة مسرعة فتبتعد، ومن مسؤول ظالم فتُحسن ترتيب كلامك، ومن شخص مؤذٍ فتغلق عنه بابًا وتطلب حقك بالطرق المشروعة.

لكن الخوف الذي يَسكن القلب من مخلوقٍ على هيئة قوةٍ خفيةٍ مستقلة، أو يجعلك تظن أن ضرره نافذٌ في حياتك خارج مشيئة الله، فهذا بابٌ خطير ينبغي أن يفتشه المؤمن في نفسه ويعالجه.

ليس كل خاطرٍ عابر، ولا كل قلقٍ مفاجئ، حكمًا على عقيدتك. فقد يمرّ الخوف بالقلب ويضعف الإنسان، وقد تشتد عليه الوساوس أو التجارب. لكن الخطر أن يرضى القلب بتعظيم هذا الخوف، وأن يبني حياته على أن فلانًا يملك ما لا يملكه إلا الله.

حين يتحول التحصن إلى هلع

تقرأ:

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾.

ثم يصبح قلبك مشغولًا بشر الحاسد أكثر من تعلقه برب الفلق.

تقول: «الله حافظي». ثم تتعامل في داخلك كأن حفظ الله قد يضعف أمام عين إنسان، أو مكره، أو حسده.

وهنا لا تكون المشكلة في إثبات العين أو الحسد؛ فالعين حق، والشرع علّمنا الأذكار، وأمرنا بأسباب الوقاية، ونهانا عن التباهي الذي يؤذي القلوب. المشكلة أن يتحول السبب إلى سيّدٍ في القلب، وأن يتحول التحصن إلى هلع، والكتمان إلى سجن، والحذر إلى مراقبة مرهقة للناس ونواياهم.

المتوكل قد يستر نعمته أدبًا وحكمةً، ويقرأ أذكاره، ولا يفتح أبوابًا لا حاجة لفتحها؛ لكنه يفعل ذلك وقلبه مطمئن إلى أن الكون كله لا يملك تحريك ذرةٍ إلا بإذن الله.

أما الخائف خوفًا مريضًا، فيقرأ أذكاره وهو يظن أن قوة العائن أكبر من سكينة الذكر، ويكتم نعمته كأنها معلقة بنظرات الناس لا بحفظ الله، ويجعل كل تعثرٍ عينًا، وكل صداعٍ حسدًا، وكل خلافٍ مكيدة.

ثم ينسى أن في الحياة سننًا وأسبابًا وأخطاءً تحتاج إلى مراجعة، وأن ليس كل ألمٍ رسالةً من عدو، ولا كل تأخرٍ فعلًا خفيًا من إنسان.

حين يكبر ظل المخلوق فوق حقيقته

تخيل طفلًا في غرفةٍ مظلمة، أمامه شمعة، ومدّ أحدهم يده قريبًا من ضوئها. يظهر على الحائط ظلٌّ كبير يشبه وحشًا مفترسًا.

يبكي الطفل من الظل.

لكن الحقيقة أن ذلك الوحش ليس إلا كفًّا ضعيفةً كبّرها الضوء.

وكثير من المخلوقين الذين تضطرب من أجلهم قلوبنا يشبهون هذا الظل. لهم قدرة محدودة، وقد يؤذون، وقد يظلمون، وقد يحسدون، ولذلك لا ننكر الأسباب ولا نترك الاحتياط. لكن خوفنا حين يسلط عليهم ضوء الوهم يجعلهم أكبر من حقيقتهم، ويمنحهم في صدورنا حجمًا لا يملكونه.

المخلوق لا يخرج من سلطان الله

ذلك الإنسان الذي تخافه يمرض، ويضعف، ويخاف، وينام، وتتحرك أنفاسه بإذن الله. ناصيته بيد الله، وقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن، وما يملكه من وسيلة أو منصب أو مكر ليس خارجًا عن ملك الله ولا عن قدره.

قال الله تعالى:

﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾.

فإن وقع ضرر، لم يقع لأن المخلوق خرج من سلطان الله، بل وقع بقدر الله، وله حكمته التي قد تظهر لنا وقد تخفى. والمخلوق إن كان ظالمًا فهو محاسب على ظلمه، لكن لا يصبح بذلك ربًّا للأقدار في قلبك.

ولهذا قال النبي ﷺ لابن عباس رضي الله عنهما:

«واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك».

الأسباب في اليد لا في القلب

ليست هذه الكلمات دعوةً إلى التهور، ولا إلى ترك الأبواب، ولا إلى مواجهة المؤذي بلا حكمة. بل هي تحريرٌ للقلب وأنت تأخذ بالأسباب: تحصّن، واكتم ما يحتاج إلى كتمان، وابتعد عن المؤذي، ووثّق حقك، واطلب العون، لكن لا تسلّم رقبتك النفسية لمخلوق.

لا تجعل شخصًا واحدًا يجلس في رأسك كأنه يدير لوحة مفاتيح حياتك.

ولا تجعل خوفك منه يجعلك تقرأ الناس بعين الاتهام، أو يسرق منك شكر النعمة، أو يحوّل كل يومٍ إلى حقل ألغام.

كيف تعالج الخوف من العين والحسد؟

في المرة القادمة التي يمر فيها اسم من تخافه، أو تتردد في إظهار نعمة خوفًا من عينٍ أو مكر، قل لنفسك:

أنا آخذ بالسبب، لكنني لا أعبد السبب بالخوف.

أنا أستعيذ بالله، لا لأن عباده يملكون قدرته، بل لأن الله هو الحافظ، وهو المانع، وهو القادر على أن يجعل كيدهم في نحورهم، أو يصرفه عني، أو يقدّر لي فيه ما لا أعلمه ثم يعوضني ويجبرني.


اقرأ أيضًا


ثم قل:

اللهم إني أعوذ بك من خوفٍ يقطع قلبي عنك، ومن وهمٍ يعظّم المخلوق في صدري فوق قدره. اللهم اجعلني آخذ بالأسباب وأنا مستند إليك، وأستعيذ بك وأنا موقن بحفظك، ولا تجعل في قلبي لأحدٍ من خلقك سلطانًا لا يملكه. اكفنيهم بما شئت، وكيف شئت، واجعل يقيني بك أعظم من خوفي من كل عينٍ، وكل مكرٍ، وكل تدبيرٍ بشري.

حينها لا تختفي الأسباب من الحياة، ولا يصبح الناس ملائكة. لكن الظل يعود إلى حجمه الحقيقي.

وتبقى أنت عبدًا لله وحده، لا رهينةً في قلبك لأحد.

تعليقات

عدد التعليقات : 0