لماذا أبكي عند الموعظة ثم أعود للذنب؟ حين تصبح الدمعة بديلًا عن التوبة

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

تجلس وحدك آخر الليل، تتصفح هاتفك، فيمر بك مقطعٌ لموعظة مؤثرة أو تلاوةٍ خاشعة.

تسمعه بتركيز. تسري رجفةٌ في صدرك، وتترقرق دمعة في عينك، وتخرج منك تنهيدة حارة. تشعر في تلك اللحظة أن قلبك ما زال حيًّا، وأنك قريب من الله، وربما تضغط زر الإعجاب أو تشارك المقطع مستشعرًا جمال المعنى ونبل الرسالة.

ينتهي المقطع. تمسح دمعتك بارتياح، ثم تغلق الشاشة.

وبعد دقائق، أو ربما أقل، تنزلق إصبعك إلى الذنب نفسه الذي اعتدته: نظرة لا ترضي الله، أو محادثة محرمة، أو غيبة، أو تأخير صلاة، أو معاملة تعلم أن فيها شبهة.

تعود إليه ببرودٍ غريب، كأن تلك الدمعة لم تسل قبل قليل، وكأن القشعريرة مرت على جسد شخصٍ آخر.

قف هنا.

كيف اجتمع هذا التأثر الصادق في ظاهره مع هذا السقوط السريع؟

رجل يبكي أمام منزل يحترق بينما يترك دلو الماء وطفاية الحريق تعبيرًا عن التأثر بالموعظة دون توبة
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين تصبح الدمعة نهاية الطريق

ليس كل من بكى منافقًا، وليس كل دمعةٍ خداعًا؛ فالرقّة خير، ودموع الخشية نعمة، وقد يضعف الإنسان ثم يندم ويجاهد نفسه. لكن الخطر أن تصبح الدمعة عندك نهاية الطريق، لا بدايته؛ وأن تستخدم التأثر لتطمئن إلى حالك، بدل أن تدعه يهزّك من موضعك.

تتأثر، فتقول نفسك في خفاء:

ما دمت أبكي عند الموعظة، فقلبي بخير.

ما دمت أنشر الخير، فلست بعيدًا عن الله.

ما دمت أشعر بالندم، فالأمر ليس خطيرًا.

وهكذا قد تتحول الرجفة من نداءٍ يدعوك إلى التغيير، إلى مسكّنٍ يخفف وجع الضمير ويترك الذنب في مكانه.

النفس لا تحب وجع المعصية. لا تحب ذلك الضيق الذي يأتي بعد الذنب، ولا السؤال الذي يطاردها: متى تترك؟ متى تصدق مع الله؟

فتبحث أحيانًا عن تأثرٍ سريع يهدئ هذا الوجع: مقطع مؤثر، دمعة، تنهيدة، مشاركة دعوية، ثم تعود إلى ما كانت عليه.

ليست المشكلة في سماع المواعظ، بل في أن تجعلها وسيلةً لتنظيف صورتك أمام نفسك، لا وسيلةً لتنظيف طريقك إلى الله.

الفرق بين حرارة العاطفة وقوة الإرادة

هناك فرق بين حرارة العاطفة وقوة الإرادة.

قد تسمع صوتًا خاشعًا فترقّ؛ وهذا فضلٌ من الله، لا تحتقره.

لكن التوبة لا تقف عند رقّة السمع ولا عند بلل العين. التوبة تبدأ حين تصل الموعظة إلى موضع الذنب، فتجعلك تقف أمامه وقفةً مختلفة.

قال الله تعالى:

﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.

القشعريرة ليست هي الغاية.

هي باب.

والدمعة ليست شهادة براءة.

هي أمانة.

والسؤال ليس: هل تأثرت؟

بل: ماذا فعلت بعد أن تأثرت؟

ما قيمة الدموع إن بقي البيت يحترق؟

تخيل رجلًا يقف أمام بيته وهو يحترق.

النار تلتهم الغرف، والدخان يملأ المكان، وهو يعلم أن عليه أن يطلب النجدة أو يحمل شيئًا من الماء أو ينقذ ما يستطيع.

ثم يقترب منه شاعر، ويلقي قصيدةً مؤثرة عن ألم فقدان البيوت.

يبكي الرجل بكاءً شديدًا، ويهتز لصورة الحريق ووصف الخراب، ثم يمسح دموعه، يشكر الشاعر على جمال قصيدته، ويجلس قريبًا من الرصيف… تاركًا بيته يحترق.

لا أحد ينكر أن بكاءه كان حقيقيًا.

لكن ما قيمة دموعه إن لم تحركه إلى إطفاء النار؟

كذلك الموعظة.

قد تتأثر بجمال الإلقاء، وصدق الكلمات، وهيبة الحديث عن الموت أو الجنة أو الخلوة أو عذاب القبر. لكن قلبك لا ينتفع من التأثر وحده ما لم يتحول إلى حركةٍ صغيرة صادقة.

فلا تجعل الموعظة خلفيةً جميلة لحياة لا تتغير.

ولا تجعل النشر بديلًا عن العمل.

ولا تجعل الشعور بالذنب بديلًا عن ترك سببه.

حين تعتاد الموعظة ولا تستجيب

إن أخطر ما في هذا الباب أن يعتاد الإنسان سماع الكلام دون استجابة، حتى تصبح الموعظة مألوفة، وتتحول الآيات والوصايا إلى صوتٍ يمر على القلب ولا يوقظه.

في المرة الأولى تبكي. ثم تتأثر أقل. ثم تهز رأسك إعجابًا بالأسلوب. ثم تبحث عن مقطعٍ أقوى، لا لأنك تريد علاجًا أعمق، بل لأنك تريد شعورًا أقوى.

وهنا يفقد الدواء أثره؛ لا لأن الموعظة ضعيفة، بل لأنك صرت تكتفي بطعم الدواء ولا تأخذه.

الخوف من الله يظهر عند القرار

الخوف من الله ليس مجرد رجفةٍ تمر في الجسد ثم تنتهي عند أول شهوة.

إنه أن يحضر الذنب، فتتذكر من تعصيه.

وأن تعرض عليك المعصية، فتجد في قلبك شيئًا يدفعك إلى التراجع، أو يجعلك—إن ضعفت—تقوم سريعًا ولا تستسلم.

لا تطلب من نفسك أن تصبح معصومًا، ولا تحكم على قلبك بالهلاك لأنك سقطت مرة أخرى. لكن لا تسمح لنفسك أن تجعل كل توبة مشهدًا عاطفيًا قصيرًا، ثم تعود إلى الذنب مرتاحًا كأن دمعتك دفعت ثمنه.

كيف تجعل للدمعة أثرًا على الأرض؟

إذا تأثرت بموعظة، فلا تُسارع إلى مشاركتها.

أوقف المقطع لحظة.

واسأل نفسك:

ما الخطوة التي تطلبها مني هذه الموعظة الآن؟

إن كانت عن الصلاة، فقم فتوضأ وصلِّ.

وإن كانت عن المظالم، فردّ حقًا أو أرسل اعتذارًا.

وإن كانت عن ذنبٍ في هاتفك، فاحذف بابًا يفتح عليك ذلك الذنب، أو حسابًا يعيدك إليه، أو تطبيقًا تعلم أنه صار طريقًا لضعفك.

وإن لم تستطع قطع الأمر كله في لحظته، فابدأ بحركةٍ حقيقية تقطع جزءًا من الطريق: أخرج من المكان، أغلق الشاشة، اتصل بمن يعينك، أو اشغل يدك وقلبك بما يصرفك.

اجعل للدمعة أثرًا على الأرض.

فالموعظة ليست أغنيةً روحية تطرب لها، بل لوحة طريق؛ قيمتها ليست في جمالها، بل في أن تسير حيث تشير.


اقرأ أيضًا


وقل:

اللهم لا تجعل حظي من دينك دمعةً تسيل ثم أعود بعدها إلى ما يغضبك. اللهم إن رقّ قلبي فخذ بيدي إلى طاعتك، وإن ضعفت فذكّرني بك، وإن سقطت فأعنّي على توبةٍ صادقة. اللهم لا تجعلني أستمتع بالموعظة ثم أترك قلبي يحترق، واجعل كل تأثرٍ منك بابًا إلى عمل، وكل ندمٍ بابًا إلى رجوع، وكل دمعةٍ سببًا يقربني منك.

تعليقات

عدد التعليقات : 0