لماذا تتغير عبادتك أمام الناس؟ طاعة تحت الضوء

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

لماذا تتغير عبادتك أمام الناس؟ قد تدخل عينٌ بشرية إلى المشهد فتتبدل حرارة الطاعة، مع أن القلب لم يقرر أن يعمل للخلق أو يطلب منزلته عندهم.

مصلٍّ تتغير هيئة صلاته بعد دخول شخص يراقبه في مشهد يرمز إلى اختبار الإخلاص أمام الناس
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

كنت تصلّي وحدك.

لا أحد في الغرفة، ولا أذن تسمع ترتيلك، ولا عين تنتظر أن تراك في هيئة الخاشعين.

ثم يدخل أحدهم فجأة.

لا يتغير شيءٌ ظاهرٌ تغيّرًا كبيرًا. لكن صوتك يصفو قليلًا، ووقوفك يطول، وحركاتك تصبح أهدأ، ويظهر من خشوعك ما لم يكن ظاهرًا قبل دخوله.

ثم يخرج، فتعود الصلاة إلى إيقاعها الأول.

لم تقرر أن تخدع أحدًا. ولم تقل في قلبك إنك تعبد الناس. لكن عينًا دخلت إلى المشهد، فدخل معها شيءٌ دقيق إلى قلبك.

وهنا لا يكون السؤال:

هل رآني أحد؟

بل: هل بقي الله وحده هو المقصود بعدما رآني الناس؟

الطاعة تحت الضوء امتحانٌ بالغ الدقة

فالعمل في الخفاء لا يجد كثيرًا مما يغذي صورة الإنسان عن نفسه.

لا تصفيق. لا مديح. لا نظرة إعجاب. لا شعور بأن منزلتك قد ارتفعت في قلوب الناس.

أما حين يُرى العمل، أو يُعرف، أو يُثنى عليك بسببه، فإن النفس تجد فيه نصيبًا تحبه.

وليس كل فرحٍ بالثناء رياءً.

قد يفرح الإنسان بأن قُبل منه خير، أو بأن انتفع الناس بكلمة قالها، أو بأن وجد تقديرًا بعد جهدٍ طويل. وليس كل عملٍ ظاهر فاسد النية، ولا كل طاعة تقع أمام الناس أنقص من الطاعة الخفية.

فمن الطاعات ما لا تتم منفعته إلا في العلن: تعليمٌ، ودعوةٌ، ونصيحةٌ، وإنفاقٌ ظاهر لمصلحة، وخدمةٌ للناس، وقدوةٌ حسنة تفتح أبواب الخير.

لكن الخلل يبدأ في موضعٍ أهدأ وأخفى.

حين تصبح عيون الناس هي التي تضبط حرارة العمل. تتحمس إذا علموا، وتفتر إذا غابوا. تثقل عليك الطاعة التي لن يراك فيها أحد، وتسهل عليك الطاعة التي ستُذكر بها.

تؤلمك كلمة الشكر التي لم تصل، أكثر مما يؤلمك التقصير الذي وقع بينك وبين الله.

تنشر خيرًا، ثم تظل تراجع الأرقام والتعليقات والرسائل؛ لا لتعرف أثر ما نشرت فحسب، بل لتطمئن أن صورتك ما تزال جميلة في أعينهم.

تفعل المعروف، ثم يضيق صدرك لأن أحدًا لم ينتبه. تجتهد في مجلسٍ يراك فيه الناس، ثم تخلو بنفسك فلا تجد من تلك الهمة إلا قليلًا.

وعندها يتحول الناس، من حيث لا تشعر، إلى مرآة تقيس بها قيمة طاعتك.

فإن أضاءت وجوههم رضيت عن عملك. وإن انطفأت، بدا لك ما فعلت صغيرًا، وإن كان عند الله عظيمًا.

وهنا يصبح الضوء خطرًا

ليس لأن الناس أشرار. ولا لأن المديح محرّم. ولا لأن الظهور خطيئة في ذاته.

بل لأن القلب قد ينسى، في أثناء الطريق، لمن بدأ السير.

قد تبدأ الكلمة لله، ثم يطول الحديث، فيصبح همّك كيف ظهرت أكثر من همّك هل قلت الحق.

وقد تبدأ الصدقة ابتغاء وجه الله، ثم تلتفت النفس خفيةً لتتذوق صورتها وهي كريمة.

وقد تنشر موعظة ترجو نفعها، ثم يصبح وجعك الأكبر أن ينتفع الناس بالكلام ولا يلتفتوا إلى اسمك.

وقد تعمل عملًا صالحًا لا يراه أحد، فيهمس لك الشيطان:

ما قيمة هذا كله ما دام لن يعرف به أحد؟

وهذه من أخفى الخسائر:

أن تظن أن العمل الذي لم تره العيون عملٌ لم يقع.

لكن الله لا يحتاج إلى جمهور ليعلم طاعتك. ولا يخفى عليه عملٌ لأن الأرض لم تتحدث عنه. ولا تضيع عنده سجدةٌ أديتها في ظلمة غرفتك، ولا دمعةٌ حبستها عن الناس، ولا صدقةٌ خرجت من يدك ولم يخرج معها اسمك.

وقد تكون سجدة لم يعرف بها أحد أصدق من كلامٍ سمعه الآلاف.

وقد تكون كلمة قلتها أمام الناس عظيمة القدر؛ لأنك جاهدت قلبك، وقاتلت حب الظهور، ولم تطلب بها إلا مرضاة الله.

فليست القضية أن تختبئ دائمًا. وليست القضية أن تظهر دائمًا.

القضية:

لمن يتحرك القلب؟

ولمن يتغير العمل؟

قال الله تعالى:

﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾

سورة الكهف: 110

والإخلاص ليس وثيقةً تحصل عليها مرةً، ثم تأمن بعدها على قلبك.

إنه حراسةٌ مستمرة

تحرس بها المقصد قبل العمل. وتسترده أثناء العمل. وتحفظه بعد العمل.

قبل الطاعة تسأل نفسك:

لمن أفعل هذا؟

وأثناءها، كلما التفت قلبك إلى الناس، ترده برفق إلى الله.

وبعدها، لا تجلس عند أبواب الخلق تنتظر نصيبك من الثناء، كأن العبادة لم تكتمل حتى يروها، وكأن الخير لم يثبت حتى يشهدوا لك به.

لكن لا تجعل مراقبة النية بابًا للوسواس

ليس مطلوبًا أن تنبش قلبك في كل لحظة حتى تعجز عن فعل الخير. ولا أن تقول كلما تحركت نفسك بالثناء: لقد بطل عملي.

ولا أن تترك الدعوة، أو النصيحة، أو التعليم، أو الطاعة الظاهرة؛ لأنك تخشى أن يراك الناس.

فـترك العمل من أجل الناس قد يجعلهم حاضرين في قلبك كما يحضرون حين تعمل من أجلهم.

لا تعمل لهم.

ولا تترك العمل بسببهم.

اعمل لله، وجاهد ما يعرض لقلبك في الطريق.

إذا دخل عليك أحد وأنت تصلّي، فلا تقطع قلبك عن صلاتك خوفًا من الرياء، ولا تتعمد أن تخففها أو تسيء أداءها لتثبت لنفسك أنك لا تبالي بنظره.

بل أكملها لله كما بدأت.

وإذا مدحك إنسان، فلا تُطل الوقوف أمام مرآة المديح. اشكر له حسن ظنه، واسأل الله أن يجعلك خيرًا مما يظن، وأن يغفر لك ما لا يعلم.

وإذا نشرت خيرًا يرجى نفعه، فلا تجعل التفاعل هو الذي يمنحك الإذن بالاستمرار أو يسحبه منك.

ابذل ما تستطيع. صحح نيتك. أتقن ما تنشر. ثم اترك القبول والأثر لله.

وإذا عرفت أن بابًا من أبواب الطاعة تضعف فيه نفسك أمام الثناء، فلا تهجر الخير كله.

لكن خفف الضوء عن بعض أعمالك.

اجعل لك عملًا لا يعرفه أحد

دعاءً لا تسمعه أذن. وصدقةً لا يرافقها اسم. وتوبةً لا تحولها إلى قصة ترويها. وقيامًا لا تبني فوقه صورة الصالح في أعين الناس.

وخيرًا لو سُئلت عنه، لم تحتج أن تخبر به أحدًا.

ليس لأن العمل الخفي وحده هو الصادق.

بل لأن القلب يحتاج إلى موضعٍ يتذكر فيه أنه يستطيع أن يطيع الله، حتى حين لا تنتظره عين، ولا يصفق له أحد، ولا يعود عليه من الخلق شيء.

يحتاج إلى عبادة لا يجد فيها نصيبه إلا عند الله.

وحين تشعر أن عيون الناس قد دخلت بينك وبين عملك، فلا تيأس، ولا تتعجل الحكم على نفسك.

لا تقل: لقد ضاع كل شيء.

قل:

يا رب، تعلّق قلبي بما لا ينبغي، فردّه إليك.

يا رب، لا تجعل حظي من طاعتي صورتي في أعين عبادك.

ثم أعد توجيه قلبك.

فأنت لا تحتاج كلما اضطربت نيتك إلى أن تهدم العمل كله. تحتاج أن تسترد المقصد كلما حاولت النفس أن تسرقه.

ولا تحتقر الخير الذي خرج منك لأنك وجدت في قلبك ضعفًا. بل جاهد الضعف، واحفظ الخير، واسأل الله القبول.

فما دام يؤلمك أن تزاحم عيون الناس نظرَ قلبك إلى الله، فما زال باب المجاهدة مفتوحًا.


اقرأ أيضًا

وأصدق سؤالٍ تسأله لنفسك بعد كل طاعةٍ ظهرت للناس:

لو لم يعلم بها أحد… هل كنت سأظل أريدها؟

إن كان الجواب نعم، فاحمد الله، ولا تأمن على قلبك، واسأله الثبات والقبول.

وإن اضطرب الجواب، فلا تهرب من الطاعة.

بل ازرع إلى جوارها طاعةً لا يراك فيها إلا الله.

فإن انطفأت أضواء الناس، وبقيت طاعتك تعرف طريقها إلى الله، فقد بدأ قلبك يتحرر من الجمهور.

وحينها لن تعود قيمة العمل فيما رآه الناس منك…

بل فيمن أردتَه به حين لم يكن يراك أحدٌ سواه.

تعليقات

عدد التعليقات : 0