القلق من الغد: حين يأكل الخوف من المستقبل يومك

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

القلق من الغد لا يسرق منك المستقبل، بل يسرق منك اليوم الذي تعيشه الآن. هذا المقال لا ينكر الخوف الإنساني، ولا يدعو إلى ترك التخطيط، لكنه يكشف متى يتحول الخوف من إشارة نافعة إلى إقامة دائمة في القلب، وكيف يعود العبد إلى عبودية اللحظة والثقة برب الغد.

رجل يجلس قرب نافذة ممطرة في مقال عن القلق من الغد حين يأكل الخوف من المستقبل يومك
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين يأكل الغد يومك

تخيّل رجلًا يجلس في بيته، والمطر ينقر على زجاج نافذته.

المشهد هادئ. بيته دافئ. سقفه قوي. طعامه في المطبخ. أطفاله نيام. عنده كل ما يحتاجه الآن.

لكنه لا يشعر بشيء من هذا.

إنه في عاصفة لا تمطر ماء. عاصفة في رأسه. يفكر في تسريح محتمل من عمله بعد سنتين. يفكر في مرض لم يُصب به بعد. في شيخوخة لم تأتِ. في وحدة لم تحلّ. في فقر لم ينزل.

المشكلة ليست في أنه يفكر في مستقبله. المشكلة أنه يعيش فيه.

المستقبل صار بيته الحقيقي. والحاضر مجرد جسر يحرقه وهو يعبر، فلا ينظر إليه، ولا يذوقه، ولا يملكه، لأنه أصلاً ليس هناك.

إنه هنا جسدًا. لكن روحه هاجرت إلى زمن لم يُخلق بعد.


حين يصير المستقبل بيتك الحقيقي

اسمع هذه القسوة التي لا بد منها:

أنت لا تعيش اليوم. أنت تعيش صورة مزعومة عن الغد.

والغد الذي تخافه لم يحدث بعد، لكنك صرت تتنفسه. تأكله على العشاء. تنام في سريره. يشاركك فراشك. يشرب من فنجانك. يلبس ثيابك. حتى صلواتك، صرت تصليها وقلبك مشدود إلى هناك.

قد تدعو الله بلسانك: يا رب اكفني هم الغد. لكن قلبك يظل معلقًا بالصور التي صنعها خوفك، لا بالذي بيده وحده ملكوت الغد.

ما هذا إن لم يكن دورانًا خفيًا حول زمن لم يأذن الله به بعد؟

زمن لم يأتِ، وقد لا يأتي أبدًا، لكنك أعطيته أغلى ما تملك: لحظتك الحاضرة. قدرتك على الشكر. طعم الشاي. دفء السرير. صوت الضحكة. متعة الفراغ. بهجة العمل. طمأنينة الدعاء.


القلق لصّ اليوم

اللحظة التي أنت فيها الآن هي الشيء الوحيد الذي تملكه حقًا. الماضي ذهب. المستقبل لم يولد. وحده الآن مفتوح. فيه تذوق النعمة. فيه يلين قلبك بذكر الله. فيه تُصلح ما تفسد. فيه تسجد فتنجو.

لكنك تفعل شيئًا عجيبًا:

تضيّق الحاضر بيدك، ثم تتذمر من ضيق العيش.

تأكل من صحن الغد قبل أن ينضج، ثم تشكو عسر الهضم.

تستعجل القادم، فيأتي ناقصًا لأنك استنفدت قوته قبل وصوله.

القلق ليس مجرد شعور مزعج. القلق لص. يسرق منك اليوم بحجة حماية الغد. وهو في هذا يشبه رجلًا صرف كل ماله ليتأمّن ضد الفقر، فأفلس في يومه قبل أن يدركه الفقر.


حين يتحول الخوف إلى إقامة دائمة

الآن اسمع.

أنا لا أقول لك: لا تخف. فهذا كلام فارغ لا ينفع.

الخوف إنساني. الخوف غريزة. الخوف قد يكون إشارة. قد يكون تذكرة سفر إلى التخطيط. قد يكون جرسًا ينبهك أن تغير طريقًا أو تصلح حالاً أو تستعد لأمر.

ولكن الخوف المذموم هو الذي يتحول من إشارة إلى إقامة دائمة.

هو الذي يصير مقيمًا في بيت القلب، لا زائرًا. يأكل ولا يدفع. يشغل مساحة ولا يترك مكانًا لغيره. ينام على سرير الشكر ويطرد صاحبه.

الخوف الذي صار هوية.

الخوف الذي يقول لك: أنا لا أحميك، أنا أستعمرك.


خديعة السيطرة بالقلق

أتعرف لماذا تفعل هذا؟

لأنك تعتقد سرًا أنك إن قلقت بما فيه الكفاية، استطعت التحكم في الغد.

هذا هو الوهم. هذه هي الخديعة.

أنت تظن أن القلق سلاح، وهو في الحقيقة تسليم للسلاح. تظن أنك تضبط المستقبل بعصا الخوف، والمستقبل لا يُضبط. تظن أنك تحمي نفسك، بينما أنت تنهشها.

قلقك على الغد لن يغير الغد قيد أنملة، لكنه سيغير اليوم كله.

سيجعلك تعيش غدًا لم يحدث، على حساب يومك الوحيد الذي تعيشه حقًا. والأدهى أن الغد حين يأتي، سيأتي مختلفًا عن كل ما توقعته. فإذا بك قد دفعت ثمن شيء لم تشتره.


الفرق بين التخطيط والقلق

لن أدعوك أن تكون بليدًا أو سطحيًا أو غير مبالٍ.

خطط. ادّخر. اعمل. استعد. هذا واجب. هذا من الشكر.

لكن لا تخلط التخطيط بالقلق.

الفرق بينهما هو فرق بين بناء سفينة لتعبر البحر، وبين الغرق في البحر وأنت تبني السفينة على اليابسة.

المخطط يمشي على الأرض. والقلق يمشي على الماء.

المخطط عينه على الهدف. والقلق عينه على الخراب.

المخطط مشغول بما في يده. والقلق مشغول بما ليس في يده.


هذه الساعة ميدانك

ثمة قاعدة لم تسمع بها كثيرًا:

كثرة الخوف من المستقبل ليست دائمًا علامة بُعد نظر، بل قد تكون سوء إقامة في زمن التكليف.

فالوقت ميدان العبودية. والمستقبل غيب مالك الملك. وأنت تتحدث عن الغد كأن لطف الله لا ينتظرك هناك كما أدركك هنا. تتحدث عن المرض وكأن الشافي ليس موجودًا. تتحدث عن الفقر وكأن خزائن الرزاق تنفد.

أليس هذا غريبًا؟

أن تؤمن أن الله هو مالك الملك، ثم تعيش خائفًا من أن تنكسر آنية الفقر في بيت مالك الملك.


أنت لا تُحاسَب على غدٍ لم يأتِ، لكنك تُسأل عن عبودية هذه الساعة.

عن الصلاة التي صليتها وقلبك غائب.

عن النعمة التي مرّت فلم تشكرها.

عن السبب الذي كان في يدك فأهملته لأنك مشغول بسبب لم يولد بعد.

عن اللحظة التي جعلها الله أمانة بين يديك، فصرفتها في همّ لحظة لم تبلغها بعد.

المستقبل ليس موضع تكليفك الآن. هذه اللحظة هي ميدانك. وفي هذا الميدان وعد الله أن يمدك بعونه، لا في ميدان لم تبلغه بعد.


رب الغد هو رب هذه الساعة

إن رب الغد هو رب هذه الساعة. الذي يملك المستقبل هو الذي يسوق إليك رزق يومك هذا. فإذا اطمأننت إلى أنه معك في الآن، هان عليك ألا ترى كل الطريق.


عش يومك، تأكل خبزه، وتشرب ماءه، وتستظل بظله.

لا تحمّل يومًا واحدًا همّ ألف يوم.

أعط كل يوم حقه من التعب وحقه من الراحة. لا تعطه همّ الغد هدية مجانية.

فإن جاء الغد ومعه بلاؤه، فاسأل الله أن يرزقك معه قوة لا تملكها اليوم. لا تطلب من قلبك الآن أن يحمل كل احتمالات العمر. لكل يوم عبوديته، ولكل بلاء عونٌ يُسأل من الله حين ينزل، لا رعبٌ يُستدعى قبل أوانه.

وإن جاء الغد ومعه نعمته، كنت قد ارتحت للقائه ولم ترهق نفسك قبل وصوله.

ولن تعيش يومك بقوتك. سلِّم لله ساعتك، يُسلّم لك قلبك فيها.


في الحديث:

من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا.

رواه الترمذي، وحسّنه الألباني.

اسمع: "قوت يومه". لم يقل قوت شهره ولا سنته. يومه فقط.

لأن العاقل يعرف أن الأمان في الحاضر، لا في تأمين كل قادم.


يوسف عليه السلام وعبودية اليوم

تأمل يوسف عليه السلام.

أُلقي في بئر. بِيع عبدًا. دخل السجن. نسيَه الساقي سنين.

أين كان مستقبله في كل هذه اللحظات؟ ماذا كان يخاف؟ ماذا كان ينتظر؟

لو استغرقه الخوف من القادم، لتعطلت عبودية اليوم التي رفعه الله بها درجة بعد درجة. لكنه عاش كل يوم بيومه. اتقى الله في البئر. اتقى الله في بيت العزيز. اتقى الله في السجن. ولم يستعجل الخروج. لم يقل: وكيف يضمن لي المستقبل؟ بل أصلح ما في يده، فأصلح الله له ما لم يكن في الحسبان.

البئر الذي تخاف أن تقع فيه، قد يكون أول الطريق إلى القصر.

والقصر الذي تحلم به، قد يكون سجنًا لو وصلت إليه قبل أوانه.

اترك الترتيب لمدبر الأقدار.


اقرأ أيضًا


علامة الذاكرة

اسمع الجملة التي أريد أن تبقى في رأسك طويلاً:

الخوف من المستقبل لا يمنع البلاء، لكنه يمنعك من تذوق الحياة قبل أن يأتي البلاء.

فإن كان البلاء قادمًا، فسيأتيك وأنت متعب. وإن كان الخير قادمًا، فسيأتيك وأنت لم تستمتع بانتظاره.

وفي الحالتين خسرت.

فلا تخسر مرتين.


قف الآن.

انظر من نافذتك.

تأمل شيئًا صغيرًا: ضوءًا، ورقة شجر، كوب ماء بارد، صوت أذان، وجه أم، ضحكة طفل، سكون ليل، صحبة كتاب.

هذا هو يومك. هذا هو العمر.

لا تسرق منك صورة الغد قدرتك على رؤية اليوم.

فإن مرّ اليوم دون أن تذوقه، فقد ذهب إلى حيث لا يعود. وإن جاء الغد بكل ما تخاف، كنت قد عشت يومك شبعان من لحظته، لا مفلسًا من خوفه.


دعاء حين يأكل الغد يومك

ثم قل في دعائك، لا كعبارة عابرة، بل كمن عرف أخيرًا موضع الداء:

اللهم إني لا أسألك أن تلغي همي من الغد، فأنت خلقتني بشرًا أخاف وأقلق وأحتاج. لكني أسألك ألا تجعل الغد يأكل اليوم. وألا تجعل ما لم يحدث يهدم ما وهبتني إياه الآن. اللهم إن كان رزقي في غدٍ، فارزقني في يومي سكينة تثق بك. وإن كان بلائي في غدٍ، فارزقني في يومي قوة لا أعرف مصدرها إلا منك. ولا تجعل عمري كله عبورًا إلى شيء لا أصل إليه، بل اجعل لي في كل لحظة وطنًا من طمأنينة بك. يا من لا يخيب من فوّض أمره إليك، ولا يضيع من صدق في التوكل عليك.

تعليقات

عدد التعليقات : 0