الطمأنينة من الله لا من الناس؛ هذه حقيقة لا تلغي حاجتنا إلى المواساة، لكنها تعيد ترتيب القلب حين يطلب من البشر ما لا يملكون. فالكلمة الطيبة سبب، والقرب الإنساني رحمة، لكن السكينة التي تثبت عند الخوف لا تُستخرج من قلوب قلقة مثلنا، بل تُطلب من رب القلب وحده.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
- حين تطلب من الناس طمأنينة لا يملكونها
- المواساة سبب لا مصدر
- أين يذهب القلب عند الاضطرار؟
- حين يصبح الله آخر باب
- وتوكل على الحي الذي لا يموت
- صحّح الاتجاه ولا تقسُ على نفسك
- الناس مصابيح لا شمس
- اسأل السكينة من مصدرها
- ابدأ بالله قبل الهاتف
- أقوى الناس لا يملكهم شيء
- علامات التعلق الخفي
- الكلمة الأخيرة للقلب المتعب
- دعاء التحرر من التعلق بالخلق
حين تطلب من الناس طمأنينة لا يملكونها
تأمّل إنسانًا كلما ضاق صدره، فتح هاتفه يبحث عن اسم.
ليس عن معنى. ليس عن حل. عن اسم.
اسم صديق يسمعه. اسم حبيب يربت عليه. اسم أي أحد يقول له: أنت بخير، الأمور ستتحسن، لا تخف.
يهدأ قليلًا. يُغلق الهاتف. يظن أنه تعافى.
ثم بعد ساعات، أو يوم، أو في منتصف الليل، تعود الخفقة نفسها، فيعود البحث عن الاسم نفسه، أو عن اسم جديد. وهكذا صار يعيش، لا بالله أولًا، بل بالانعكاسات. بمن يطمئنه. بمن يعطيه إحساسًا عابرًا بأنه محميّ.
هذا الشخص ليس بالضرورة مريضًا ولا فاسدًا، لكنه قلبٌ علّق حاجته بمصدر لا يملك كفايته.
وهنا تبدأ الفتنة.
ليست فتنة أن تطلب من أحد كلمة طيبة. هذه إنسانية.
وليس عيبًا أن تفرح بمواساة صادقة. هذا طبيعي.
الفتنة أن يتحول السبب إلى مصدر، وأن يأخذ المخلوق في قلبك مكانًا لا يليق إلا بالله. أن تقف على باب البشر، تطلب منهم شيئًا لا يوجد في مخازنهم.
طمأنينة.
الطمأنينة ليست شيئًا يُعطى. ليست عملة في جيوب الناس. ليست دواءً في صيدلية العابرين.
الطمأنينة ثمرة من ثمار الإيمان. مكانها القلب، ومصدرها رب القلب.
فإذا أنت طلبتها من مخلوق طلب مصدر، فقد طلبت من حجر أن ينبع ماء.
ولن ينبع.
قد يهدئك قليلًا، نعم. قد يحسن الظن بك، نعم. قد يمنحك من حنان عجزه شيئًا يشبه البلسم. لكنه لن يكون مصدر الريّ.
المواساة سبب لا مصدر
لا تُؤنّب قلبك لأنه احتاج صوتًا رحيمًا، فالله خلق الإنسان يأنس ويستعين ويستند إلى الأسباب. لكن راقب اللحظة التي يتحول فيها الصوت من سبب رحمة إلى شرط سكينة.
أتعرف لماذا يحدث هذا؟
لأن الإنسان فقير مثلك. يخاف مثلك. يبحث مثلك. يتململ على فراشه ليلًا مثلك. هو نفسه محتاج إلى من يطمئنه، فكيف يكون مصدر طمأنينتك؟
كيف تستجدي من الجائع رغيفًا؟
كيف تطلب من فقير مثلك أن يكون خزينة سكينتك؟
كيف تجعل من أحد "ضمانًا نفسيًا" وهو لا يضمن لنفسه نبضة قلبه القادمة؟
أين يذهب القلب عند الاضطرار؟
تأمل قوله تعالى:
﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾.
لم يعلّق قلب المضطر بالوسائط، بل ردّه إلى الأصل: إلى من يملك كشف السوء وحده، وإن ساق الفرج على يد بشر.
حين تدعو، لست بحاجة إلى أن يسمعك أحد. لست بحاجة إلى جرس هاتف أو رسالة تعزية. السماء مفتوحة. والذي يجيب لا ينسى ولا ينام ولا يعجز، ويأتي بلطفه في الوقت الذي يعلمه، لا في الوقت الذي تستعجله أنت.
لماذا إذن نعيش في إدمان خفي على أصوات البشر، بينما كلام الله في القرآن ينتظرنا كل صباح؟
حين يصبح الله آخر باب
الوجع الحقيقي ليس في الأزمة.
الوجع الحقيقي أنك لما جاءتك الأزمة، ذهبتَ أولًا إلى الناس.
ذهبتَ إلى من لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ونسيت من يملك كل شيء. ليس لأنك لا تؤمن به، بل لأنك ألفت الصوت البشري القريب. اعتدت اللمس. تعودت الرد الفوري المرئي.
صرت كطفل لا يهدأ إلا إذا سمع صوت أمه، مع أن أمه لا تملك من الأمر شيئًا.
غير أن القلب يحتاج أن ينضج في موضع السكينة.
أمك، أبوك، زوجك، صديقك، شيخك، معلمك... كلهم بشر. يحبونك، نعم. يتمنون لك الخير، نعم. لكنهم لا يملكون أن يسكنوا قلبك. لا يملكون أن يطردوا خوفك. لا يملكون أن يمنحوك طمأنينة حقيقية تدوم. لأنهم إن فعلوا، صرت أسير رضاهم. أسير وجودهم. أسير قربهم. فإن غابوا انكسرت، وإن تغيروا انهرت، وإن ماتوا... متّ معهم وأنت حيّ.
وهذا معنى يجاور خطورة أن يكون الله آخر باب لا أول ملجأ؛ فترتيب القلب لا يظهر في الشعار، بل في أول جهة يهرب إليها عند الخوف والحاجة. ويمكنك تأمل هذا المعنى في مقال: أن يكون الله أول ملجأ.
أما إن كانت طمأنينتك من الله، فالله لا يغيب. الله لا يتغير. الله لا يموت.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾.
وتوكل على الحي الذي لا يموت
حي. لا يموت. هذا شرط الطمأنينة. كيف تجعل سكينتك الأخيرة في يد فانٍ لا يملك بقاء نفسه؟
كل من تحب سيموت. وكل من تطمئن إليه سيفنى.
فإذا كان مستند سكينتك الأخير فانيًا، فسكينتك مهددة بالانكسار. وإذا غاب من جعلته مأمنك النهائي، غاب معه شيء كبير من توازنك.
كم من إنسان عاش سنين مطمئنًا لوجود شخص في حياته: أب، زوج، أخ، صديق. فلما غاب ذلك الشخص، لم يفقد حبيبًا فقط. فقد سكينته كلها. كأنما انقطعت الكهرباء عن روحه. لم يعد يعرف كيف يهدأ. لم يعد يعرف كيف ينام. لأنه كان ينام على صوت شخص، لا على يقين برب.
صحّح الاتجاه ولا تقسُ على نفسك
هنا يأتي السؤال الصعب:
ماذا تفعل حين تكتشف أنك كنت تطلب من الناس شيئًا لا يملكونه أصلًا؟
لا تلمهم. هم لم يعدوك بهذا.
هم فقط أحبوك. فقط كانوا طيبين معك. فقط وهبوك من قربهم ما ظننته طمأنينة.
لا تقسُ عليهم. ولا تقسُ على نفسك.
فقط... انتبه. صحّح الاتجاه.
بدلًا من أن تقول لهم: طمئنوني، قل لله: أنزل السكينة في قلبي.
بدلًا من أن تبحث عن شخص يحل مشكلتك، ابحث في المصحف عن آية تعيد ترتيب روحك.
بدلًا من أن تطلب من الناس أن يفهموك، اطلب من الله أن يرحم ضعفك.
بدلًا من أن تخاف من غيابهم، تعلّق بمن لا يغيب.
الناس مصابيح لا شمس
ليس معنى هذا أن تعيش وحيدًا.
لا. الناس رحمة. الناس أسباب. الناس وجودهم خير ونعمة.
اطلب المواساة من الناس كسبب، ولا تطلب منهم السكينة كمصدر.
الناس مثل المصابيح في الليل. تضيء، نعم. تأنس بها، نعم. لكنها ليست الشمس. لا تجعل منها نهارك. الشمس يطلع من عند الله. المصباح ينطفئ، ولا تظلم الدنيا كلها إلا إذا كنت قد نسيت أن هناك شمسًا.
كم من إنسان قال: فلان هو كل شيء في حياتي، فلما ذهب فلان، لم يبقَ شيء.
لقد نسي أن الله وحده هو الباقي، وأن كل ما سواه سبب لا أصل.
الله وحده هو الباقي. الباقون كلهم ذاهبون. وكل تعلّق يجعل الذاهب مصدر أمانك الأخير، فهو حزن مؤجل، وفقد مضمون، وخيبة سوف تأتي ولو بعد حين.
اسأل السكينة من مصدرها
اسمع هذه الجملة، واجعلها في تاج رأسك:
حين تسأل الله السكينة، فقد سألتها من مصدرها. وحين تسألها من الناس سؤال مصدر، فقد سألتها ممن يبحث عنها مثلك.
فاختر.
تريد طمأنينة حقيقية؟
لا تطلبها من قلق مثلك طلب مصدر. اطلبها من:
﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾.
تريد سكينة؟
لا تستجدها من إنسان مشغول بهمومه. اطلبها من:
﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.
تريد أمانًا؟
لا تبحث عنه في كلام الناس. كلام الناس متقلب. ابحث عنه في كلام الله.
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
لم يقل: ألا بحب الناس. لم يقل: ألا بصديق وفيّ. قال: بذكر الله.
ابدأ بالله قبل الهاتف
جرب.
إذا ضاق صدرك، فابدأ بالله قبل الهاتف.
قل: يا رب، أنا أبحث عن صوت يهدئني، فلا تجعل حاجتي إلى الصوت تحجبني عنك.
ثم خذ السبب بعد ذلك: اتصل بمن تثق بدينه ورحمته، لكن لا تدخل عليه كمن يطلب منه أن يكون ربّ قلبه، بل كمن يأخذ سببًا ساقه الله إليه. ستجد أن الطمأنينة التي تأتيك بعد ذلك ليست من الصوت وحده، بل من أنك رتّبت المصادر قبل أن ترتّب الأسباب.
ثم جرب أن تقوم، تتوضأ، وتصلي ركعتين. خفيفتين. وقل فيها: يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، اجمع عليّ قلبي.
قل: يا من لا يحتاج إلى ما أحتاج، أعطني مما عندك، فأنا لا غنى بي طرفة عين عما عندك.
ثم إن احتجت بعدها سببًا من الناس، فخذه وأنت تعلم أنه سبب لا مصدر، وأن الطمأنينة الحقيقية لا تأتي من جهتهم، بل من جهتك أنت تجاه ربك.
وستتعلم أن الهدوء لا يبدأ دائمًا بزوال المشكلة، بل برجوع القلب إلى من يملكها.
وهذا قريب من معنى اسم الله السلام؛ فالسكينة الحقيقية ليست غياب العواصف من حولك، بل أن يجد القلب مرساه عند من منه السلام.
هذه هي البداية.
بداية حرية قلبك من عبودية التعلق بالبشر.
أقوى الناس لا يملكهم شيء
أتعرف من هم أقوى الناس؟
ليسوا الذين يمتلكون كل شيء. بل الذين لا يملكهم شيء.
الذين إذا أقبل الناس عليهم لم يطيروا فرحًا، وإذا أدبروا عنهم لم ينهاروا حزنًا. لأن قبلة قلوبهم واحدة. لا تتعدد.
الذين يحبون الناس ولا يعبدونهم. يستأنسون بهم ولا يتعلقون بهم. يفرحون بقربهم ولا يموتون ببعدهم.
الذين جربوا الحب فوجدوه عذبًا، وجربوا الفقد فوجدوه مرًا، ثم قالوا: لا بد من حب لا يتبعه فقد. لا بد من قرب لا يتبعه موت. لا بد من أنس لا يتبعه وحشة.
فلم يجدوا ذلك إلا في الله.
فاكتفوا به. فكفاهم.
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾.
بلى. بلى. بلى.
يكفيه إذا كفاه الناس، ويكفيه إذا تركوه. يكفيه إذا أحبوه، ويكفيه إذا جهلوه. يكفيه في الحياة، ويكفيه في الممات، ويكفيه في البرزخ، ويكفيه يوم يقوم الحساب.
فعلامَ التسوّل على أبواب من لا يملكون كفاية أنفسهم؟
علامات التعلق الخفي
ثم تفقد قلبك.
كم مرة في يومك تبحث عن "رد" من أحد؟
كم مرة تفتح هاتفك وتنتظر: هل كتب لي؟ هل اشتاق؟ هل فهم أنني متضايق؟
كم مرة تضغط على نفسك لتكون على صورة معينة، حتى لا تخسر حب أحد؟
كم مرة تشتري رضا الناس على حساب راحة قلبك؟
هذه كلها علامات. ليست إدانة. بل تنبيه.
قد لا تكون تتعامل مع الناس هنا كأسباب رحمة، بل كأبواب تطلب منها طمأنينة لا تملكها.
فكلما نالوك، لم يشبعوك. وكلما أعطوك، زدت جوعًا. كشارب ماء البحر.
اقرأ أيضًا
الكلمة الأخيرة للقلب المتعب
يا صاحب القلب المتعب، اسمع الكلمة الأخيرة:
لا أحد يستطيع أن يمنحك السكينة استقلالًا عن الله.
لا الأم، ولا الأب، ولا الزوج، ولا الصديق، ولا الشيخ، ولا من تحب.
كل هؤلاء قد يكونون أسباب رحمة، ومنهم من يجب الأخذ بسببه عند الحاجة، لكنهم ليسوا مصدر السكينة ولا مالكي الشفاء. المصدر واحد، والباب الأعظم واحد، وما الناس إلا أسباب يجري الله بها من لطفه ما يشاء.
فإن وقفت بباب عبد مثلك تطلب منه ما لا يملك، فأنت تطرق باب الفقر. وإن وقفت بباب الله، فأنت تطرق باب الغنى المطلق.
اختر أين تطرق.
اختر أين تقف.
اختر أين تضع ثقل رأسك المنهك.
ضعها على سجادة صلاتك.
ضعها على أعتاب القرآن.
ضعها في رحمة الله لا في رحمة الناس.
فرحمة الله وسعت كل شيء. ورحمة الناس... لا تسع أحيانًا حتى أنفسهم.
دعاء التحرر من التعلق بالخلق
اللهم لا تجعلنا ممن يتركون بابك إلى أبواب خلقك.
اللهم لا تجعل سكينتنا معلقة ببشر، ولا طمأنينتنا رهينة بردود.
اللهم ردنا إليك ردًا جميلًا، وانزع من قلوبنا عبودية التعلق بالخلق، وحررها من رقّ التعلق بغيرك.
اللهم إنا نعوذ بك أن نطلب من عبادك ما لا يملكون، وأن ننسى أن خزائن كل شيء بيدك وحدك.
يا من:
﴿لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
اجعل مقاليد قلوبنا بيدك لا بأيدي خلقك.
وارزقنا سكينة من عندك، لا نستمدها من أحد سواك.