معنى ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله: حين تهدي المصيبة قلبك

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

معنى ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ليس أن البلاء لا يؤلم، ولا أن المؤمن لا يحزن، بل أن القلب لا يترك المصيبة تفسر له الحياة بعيدًا عن علم الله وحكمته. هذه موعظة عن هداية القلب في البلاء، وعن الفرق بين الحيرة التي تردك إلى الله، والحيرة التي تفتح باب سوء الظن.

قلب متشقق يخرج منه نور فوق مصحف مفتوح في مقال عن معنى ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله وهداية القلب عند البلاء
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين تهدي المصيبة قلبك

هناك لحظة لا يكون أصعب ما في المصيبة هو الألم نفسه.

بل الحيرة التي تأتي معها.

لماذا حدث هذا؟
لماذا الآن؟
لماذا بهذه الصورة؟
لماذا أنا؟
وماذا لو كان القادم أشد؟
وماذا لو كانت هذه بداية انكسار طويل؟

حين يكون تفسير المصيبة أشد من المصيبة

في تلك اللحظة، لا تكون المصيبة وحدها هي التي تضغط على القلب، بل تفسير القلب للمصيبة.

فمصيبة يراها القلب فوضى تكسر داخله شيئًا غير الذي تكسره المصيبة نفسها.
ومصيبة يراها القلب خارجة عن التدبير تفتح عليه باب الرعب.
ومصيبة يراها القلب علامة خذلان قد تقوده إلى سوء ظن لا يليق بربه.

وهنا تأتي الآية كأنها يد تمسك القلب قبل أن يسقط في هاوية التأويلات السوداء:

﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

ليست الآية تقول لك إن المصيبة سهلة.

ولا تقول لك: لا تحزن.
ولا تقول لك: لا تتوجع.
ولا تطلب منك أن تستقبل البلاء بوجه لا يرتجف.

إنها تقول لك شيئًا أعمق:

لا تجعل المصيبة تبدو في قلبك كأنها حدثت في كون بلا رب.


ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله

﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾

هذه الجملة وحدها تكفي أن تكسر سلطان الفوضى في داخلك.

ليست المصيبة شاردة عن علم الله.
ولا نازلة منسية في ملكه.
ولا ضربة عمياء في طريقك.
ولا شيئًا وقع لأن الله غفل عن ضعفك، تعالى الله عن ذلك.

كل ما أصابك لم يخرج عن إذنه.
وكل ما فاجأك لم يفاجئه.
وكل ما أربك حساباتك لم يخرج عن علمه وتدبيره.

لكن انتبه.

ليس معنى هذا أن تعرف الحكمة كاملة.
ولا أن تجزم لماذا وقع البلاء.
ولا أن تقول عن كل وجع بعينه: هذا وقع لكذا وكذا.

فنحن لا نحيط بحكمة الله.

لكننا نؤمن أن ما وقع لم يقع عبثًا، وأن ما أُذن به لم يكن خارج الرحمة والحكمة والعدل، وإن عجزنا عن قراءة وجه الحكمة في لحظته.

فرق كبير بين قلب يقول: لا أفهم، لكنني أعلم أن ربي يعلم.
وقلب يقول: لا أفهم، إذن أنا متروك.

الأول موجوع لكنه محفوظ.
والثاني موجوع ويزيد وجعه بسوء الظن.


حين تغيّر المصيبة لغة القلب مع الله

أخطر ما تصنعه المصيبة أنها قد تغيّر لغة القلب مع الله.

قبلها كان يقول: يا رب.
وبعدها يبدأ يقول في داخله: لماذا فعلت بي؟ لماذا تركتني؟ لماذا ضيّعتني؟

وقد لا ينطق بهذه الكلمات، لكنها تتسرب في شكل خوف، وانقباض، واعتراض خفي، وشعور بأن العالم لم يعد مأمونًا لأن الصورة التي كان يطمئن إليها انكسرت.

وهنا تأتي الآية لترد القلب إلى أصله:

﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾

تأمل.

لم تقل: ومن يؤمن بالله يمنع عنه المصيبة.

بل قالت: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.

كأن أعظم ما تحتاجه في المصيبة ليس أن تعرف متى تنتهي، بل أن لا يتيه قلبك وهي واقعة.

قد لا تُرفع المصيبة فورًا.
وقد لا يعود الشيء كما كان.
وقد تبقى الآثار مدة.
وقد تحتاج إلى صبر طويل.

لكن الله يهدي قلبك.

يهديه ألا يتهم ربه.
يهديه ألا يعبد السبب.
يهديه ألا ينهار إذا انكسرت صورة كان يتعلق بها.
يهديه ألا يجعل البلاء دليل خذلان.
يهديه أن يعرف الباب الذي يرجع منه حين تضيق الأبواب.

وهذه هداية لا يراها الناس دائمًا.

قد يراك الناس ما زلت في البلاء.
لكنهم لا يرون أن قلبك صار أثبت مما كان.
قد يرون أن الباب لم يُفتح بعد.
لكنهم لا يرون أن بابًا في داخلك فُتح إلى الله.
قد يظنون أن المصيبة أخذت منك فقط.
ولا يعلمون أنها ربما نزعت من قلبك تعلقًا كان يسرقك من الله.

لا نجزم بحكمة الله في واقعة بعينها.
لكننا نؤمن أن الله قد يفتح بالبلاء من أبواب الهداية ما لم تكن تفتحه العافية.


ليست كل مصيبة عقوبة

ليست كل مصيبة عقوبة.

وهذه جملة يحتاجها كثير من القلوب المتعبة.

بعض الناس إذا نزل به البلاء، بدأ يفتش في نفسه بطريقة تُمرضه لا بطريقة تصلحه.

هل الله غضبان عليّ؟
هل هذا لأنني سيئ؟
هل أنا مطرود؟
هل انتهيت؟

وهذا باب خطر.

نعم، العبد يتوب عند البلاء.
ويراجع نفسه.
ويستغفر.
ويصحح طريقه.
لكن لا يجوز أن يحوّل كل مصيبة إلى حكم نهائي على منزلته عند الله.

قد تكون المصيبة ابتلاء.
وقد تكون رفعة.
وقد تكون تكفيرًا.
وقد تكون تربية.
وقد تكون تنبيهًا.
وقد تكون مما لا تعلم وجه حكمته.

والله أعلم بعبده.

المؤمن لا يستقبل البلاء بالاتهام، بل بالافتقار.

لا يقول: أنا هالك.
بل يقول: يا رب، اهدِ قلبي، واغفر ذنبي، وارحمني في ضعفي، ولا تكلني إلى نفسي.

هذا هو الفرق بين المحاسبة والوسواس.

المحاسبة تردك إلى الله.
والوسواس يحبسك في نفسك.

المحاسبة تقول: تب.
والوسواس يقول: لا فائدة.

المحاسبة تفتح باب الرجاء.
والوسواس يغلقه باسم الخوف.

والآية لا تريدك أن تغلق قلبك.
بل تريدك أن تسأل الهداية في قلب المصيبة.


الإيمان لا يلغي الألم لكنه يضع له وجهة

﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾

هنا السر.

الإيمان لا يلغي الألم، لكنه يضع له وجهة.

القلب بلا إيمان إذا أصابته المصيبة صار يبحث عن أي شيء يفسر له الألم.

مرة يعلقه بالناس.
ومرة يعلقه بالحظ.
ومرة يعلقه بالماضي.
ومرة يعلقه بخوف المستقبل.
ومرة يعلقه بصورة لو حدثت لكان كل شيء بخير.

أما القلب المؤمن، فلا يلغي الأسباب، لكنه لا يسجد لها.

يعرف أن الناس قد يظلمون.
وأن الأسباب قد تتعطل.
وأن الدنيا قد تضيق.
وأن الجسد قد يمرض.
وأن الأحبة قد يغيبون.

لكنه يعرف شيئًا لا ينبغي أن يغيب:

كل هذا تحت سلطان الله.

فلا ينهار كمن سُلب ربّه مع ما سُلب.
ولا يضيع كمن وقع في يد الفوضى.
ولا يقول للمصيبة: أنتِ أكبر من ربي.

بل يقول لها بصوت مكسور لكنه مؤمن:

أنتِ موجعة، لكنك لستِ مالكة.
أنتِ ثقيلة، لكنك لستِ خارجة عن تدبير الله.
أنتِ أخذتِ شيئًا، لكنك لا تستطيعين أن تأخذي الله من قلبي.


من هداية القلب أن يعرف حدّه

ومن هداية القلب في المصيبة: أن يعرف حدّه.

أحيانًا لا نُتعب أنفسنا بالمصيبة وحدها، بل بمحاولة فهم كل شيء دفعة واحدة.

نريد أن نعرف لماذا وقع.
وماذا بعده.
ومتى ينتهي.
وماذا يريد الله منا بالتفصيل.
وما الذي كان سيحدث لو لم يقع.
وهل كان يمكن منعه.
وهل سيتكرر.

فتصير المصيبة مصيبتين:

مصيبة واقعة.
ومحكمة داخلية لا تنتهي.

والعبد لا يُكلّف بالإحاطة.

أنت مأمور أن تصبر، لا أن تفهم كل الغيب.
مأمور أن تأخذ بالأسباب، لا أن تمسك مفاتيح القدر.
مأمور أن ترجع إلى الله، لا أن تفتش في كل زاوية من البلاء حتى تستهلك قلبك.

من هداية القلب أن يقول:

يا رب، لا أعلم وجه الحكمة، لكنني أعلم أنك حكيم.
لا أعلم نهاية الطريق، لكنني أعلم أنك لا تضيع من لجأ إليك.
لا أملك تفسير ما مضى، لكنني أملك أن أرجع إليك الآن.

هذه ليست سلبية.
هذه عبودية.


والله بكل شيء عليم

﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

هذه الخاتمة ليست معلومة زائدة.

إنها دواء.

الله عليم بالمصيبة.
عليم بوقعها عليك.
عليم بما فقدت.
عليم بالكلمة التي كسرتك.
عليم بالباب الذي أُغلق في وجهك.
عليم بالليل الذي طال عليك.
عليم بالدمعة التي حبستها حتى لا يراك أحد.
عليم بما خفت أن تقوله للناس.
عليم بما لا تستطيع شرحه.

وعليم أيضًا بما يصلحك.

قد ترى أنت زاوية واحدة.
ويرى الله ما لا ترى.

قد ترى خسارة قريبة.
والله يعلم ما كان سيجلبه بقاؤها عليك.

قد ترى تأخيرًا.
والله يعلم ما الذي كان سيصعد معك لو وصلت قبل أن ينضج قلبك.

قد ترى حرمانًا.
والله يعلم ما الذي كان سيأخذك منه لو فُتح لك كما أردت.

لا نجزم في التفاصيل.
لكننا نؤمن أن علم الله أوسع من ألمنا، وأن رحمته أسبق من خوفنا، وأن تدبيره لا يُقاس بضيق اللحظة.


لم يحدث هذا خارج علم الله

أحيانًا تكون هداية القلب بعد المصيبة في جملة واحدة تستقر داخلك:

لم يحدث هذا خارج علم الله.

هذه الجملة لا تمحو الدمع، لكنها تمنع اليأس.
لا تلغي الوجع، لكنها تكسر الفوضى.
لا تشرح كل شيء، لكنها تعيد القلب إلى صاحبه.

قلها حين تفقد.
قلها حين تخاف.
قلها حين تضيق.
قلها حين لا تجد تفسيرًا.

لم يحدث هذا خارج علم الله.

ثم قل بعدها:

يا رب، كما أذنتَ بما أصابني، فاهدِ قلبي فيه.
لا تجعل المصيبة تأخذ إيماني.
ولا تجعل الوجع يفسد ظني بك.
ولا تجعل جهلي بالحكمة بابًا للاعتراض عليك.
خذ بقلبي إليك حتى لا يتيه.


المؤمن يتألم ولا يتهم

ليس المؤمن من لا يتألم.

المؤمن يتألم، لكن قلبه لا يعبد الألم.
ينكسر، لكن لا يجعل الكسر هوية.
يبكي، لكن لا يجعل الدمع دليل خذلان.
يخاف، لكن لا يجعل الخوف إلهًا يفسر له الحياة.
يفقد، لكن لا يجعل الفقد نهاية علاقته بالله.

المؤمن قد لا يفهم، لكنه لا يتهم.
قد يضعف، لكنه لا يقطع الطريق.
قد يتأخر قلبه في السكينة، لكنه يبقى يطرق بابها من عند الله.

وهذا معنى عظيم من معاني الهداية:

أن لا تنجو فقط من المصيبة، بل تنجو من المعاني الفاسدة التي تحاول المصيبة أن تزرعها في قلبك.

أن تنجو من قول: أنا وحدي.
وتنجو من قول: لا فائدة.
وتنجو من قول: الله لا يريد بي خيرًا.
وتنجو من قول: لن أقوم بعد هذا.

بل تقول:

أنا عبد لله.
أصابتني مصيبة بإذنه.
ولا يهديني فيها إلا هو.
وهو بكل شيء عليم.


اقرأ أيضًا


الجملة التي ينبغي أن تبقى

الجملة التي ينبغي أن تبقى:

ليست النجاة أن لا تقع المصيبة، بل أن يهدي الله قلبك إذا وقعت.

فاسأل الله هداية القلب، لا مجرد تبدّل الحال.

فقد يتبدل الحال ويبقى القلب تائهًا.
وقد يتأخر تبدل الحال، لكن القلب يهتدي فيصير أوسع من البلاء.

دعاء هداية القلب عند المصيبة

اللهم يا من لا تقع مصيبة إلا بإذنك، اهدِ قلوبنا إذا نزل البلاء.
اللهم لا تجعل وجعنا باب سوء ظن بك، ولا تجعل جهلنا بالحكمة سببًا للبعد عنك.
اللهم إن ضعفت قلوبنا فثبّتها، وإن ضاقت فوسّعها بالإيمان، وإن تاهت فردّها إليك ردًا جميلًا.
اللهم اجعلنا ممن إذا أصابتهم المصيبة لم يفقدوا معها الطريق إليك، وممن تؤمن قلوبهم بك فتهديها، وأنت بكل شيء عليم.

تعليقات

عدد التعليقات : 0