العجب بالطاعة لا يظهر دائمًا بعد العمل الصالح، بل قد يبقى داخل الحسنة نفسها؛ حين تتحول الطاعة من باب افتقار إلى مرآة خفية ترى النفس فيها جمالها. هذا المقال يكشف كيف قد تعمل الحسنة في الظاهر، بينما تبقى النفس حيّة في الداخل، تطلب الصورة والثناء والامتياز باسم الخير.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
- حين تبقى النفس حيّة داخل الحسنة
- حين تنجو الطاعة في شكلها وتخسر معناها
- الحسنة نفسها نعمة
- النفس تريد مقعدًا أماميًا حتى في طريق الله
- حين يصبح العمل الصالح مخبأ النفس الأخير
- معركة الإخلاص بعد العمل
- غنى كاذب باسم الحسنة
- فلا تزكوا أنفسكم
- السؤال الأدق بعد كل حسنة
- حسنات تجمّل الصورة وحسنات تصلح الحقيقة
- حسنات تفضح النفس
- ميزان بلا وسواس
- علامات أن الحسنة بدأت تخلّصك من نفسك
- معنى القبول
- قل لحسنتك
- الخطر قد يبدأ في الخير
- هل صرت أقرب إلى الله؟
- الجملة التي ينبغي أن تبقى
- دعاء ألا تبقى النفس حيّة داخل الحسنة
حين تبقى النفس حيّة داخل الحسنة
ليست كل حسنة تهزم النفس.
بعض الحسنات — إن لم تُحرس بالافتقار — تعطي النفس ثوبًا أطهر لتبقى كما هي.
كانت النفس تطلب أن تُرى في الذنب بصورة قبيحة، فاستحيت.
ثم صارت تطلب أن تُرى في الطاعة بصورة جميلة، فاطمأنت.
تغيّر الثوب.
ولم تنكسر الدعوى.
كانت تقول في المعصية: أنا أريد.
ثم صارت تقول في الطاعة: أنا فعلت.
كانت تبحث عن لذة ظاهرة.
ثم صارت تبحث عن لذة أخفى:
لذة أن ترى نفسها صالحة.
لذة أن تشعر أنها أنفع من غيرها.
لذة أن يكون لها تاريخ في الخير.
لذة أن تنظر إلى عملها فتقول في سرها:
لم أعد مثل الناس.
وهنا تبدأ فتنة دقيقة جدًا.
ليست أن تترك الحسنة.
بل أن تبقى نفسك حيّة داخلها.
تصلّي، لكن النفس واقفة تنظر إلى صلاتها.
تتصدق، لكن النفس تمسك الصدقة بعد خروجها من اليد.
تنصح، لكن النفس تختبئ في مقام الناصح.
تخدم، لكن النفس تلبس الخدمة كهوية.
تكتب، لكن النفس تحب صورتها وهي تكتب عن الله.
تبذل، لكن النفس تريد من البذل أن يقول لها: أنت شيء.
والحسنة التي كان ينبغي أن تأخذك من نفسك إلى الله، صارت طريقًا أطول للعودة إلى نفسك.
حين تنجو الطاعة في شكلها وتخسر معناها
أخطر ما في الطاعة ليس دائمًا أن تفسدها نية ظاهرة.
بل أن تنجو الطاعة في شكلها، وتخسر معناها في قلبك.
أن يبقى العمل صحيحًا في الظاهر، لكنه لا يكسر منك شيئًا.
لا يكسر عجبًا.
لا يكسر دعوى.
لا يكسر احتياجًا للثناء.
لا يكسر استعلاءً على المقصرين.
لا يكسر صورةً تحب أن تحفظها عن نفسك.
تخرج من الطاعة كما دخلت، إلا أنك أضفت إلى نفسك دليلًا جديدًا على صلاحها.
وهذه ليست وظيفة الطاعة.
الطاعة لا تأتي لتبني للنفس عرشًا.
تأتي لتُسقطها ساجدة.
لا تأتي لتقول لك: انظر كم أنت جميل.
بل لتقول لك: انظر كم أنت محتاج إلى الله، حتى في أجمل ما تفعل.
فإذا فعلت الحسنة، ثم خرجت منها أكثر تعلقًا بنفسك، فاسألها:
ماذا صنعتِ بي؟
أدخلتِني إلى الله؟
أم أعدتِني إليّ بثوب أزكى؟
الحسنة نفسها نعمة
الحسنة الصادقة لا تزيدك ملكية لنفسك.
بل تزيدك علمًا أنك لا تملك شيئًا.
لا تملك التوفيق إليها.
ولا الثبات عليها.
ولا الإخلاص فيها.
ولا قبولها بعد فعلها.
ولا حفظها من العجب.
ولا أثرها في الناس.
ولا سلامة قلبك بعدها.
كل هذا ليس في يدك.
فكيف تتحول الطاعة إلى موضع افتخار؟
كيف تقول النفس بعد الحسنة: أنا؟
والحسنة نفسها لم تكن لتقع لولا أن الله أذِن، ووفق، وأعان، وستر، وفتح، وحفظ؟
﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾
حتى الطاعة التي تفرح بها، نعمة.
حتى الدمع الذي نزل في سجودك، نعمة.
حتى اللين الذي شعرت به في قلبك، نعمة.
حتى الكلمة التي نفع الله بها غيرك، نعمة.
حتى القدرة على أن تريد الخير، نعمة.
فمن العجيب أن تأخذ النعمة، ثم تجعلها شاهدًا على نفسك بدل أن تجعلها شاهدًا على فضل الله.
كأنك تقول:
انظروا ماذا فعلت.
وكان الأصدق أن تقول:
انظروا ماذا ستر الله، ثم ماذا أذن، ثم ماذا وفق، ثم ماذا حمل عبدًا ضعيفًا على خير لم يكن يملكه من نفسه.
النفس تريد مقعدًا أماميًا حتى في طريق الله
النفس لا تحب أن تخرج من المشهد.
حتى في طريق الله، تريد مقعدًا أماميًا.
تريد أن تكون الطائعة.
النافعة.
المؤثرة.
المجاهدة.
الصابرة.
التي فهمت.
التي سبقت.
التي تركت ما لم يتركه غيرها.
التي عرفت الطريق.
التي صارت مثالًا.
وهذا من أخفى أبواب المرض:
أن لا تكتفي النفس بأن تعمل لله، بل تريد أن تُرى وهي تعمل لله.
وقد لا تريد رؤية الناس فقط.
أحيانًا تريد رؤية نفسها.
تريد أن تحتفظ في داخلها بصورة مضيئة عنها.
صورة تقول لها عند كل محاسبة:
أنتِ بخير.
صورة تقول لها عند كل نصيحة:
لا ينطبق هذا عليك.
صورة تقول لها عند رؤية المقصرين:
أنتِ تجاوزتِ هذه المراحل.
صورة تقول لها عند الذنب الخفي:
لا تهولي الأمر، فما زال لك رصيد من الخير.
وهكذا لا تصير الطاعة باب فقر.
تصير مخزن صورة.
تعود إليه النفس كلما خافت أن ترى حقيقتها.
وهذا يجاور معنى متلازمة الكاميرا الداخلية؛ حين تنتقل النفس من شهود الله إلى مراقبة صورتها وهي في العبادة.
حين يصبح العمل الصالح مخبأ النفس الأخير
ليست المصيبة أن يكون لك عمل صالح.
المصيبة أن يكون عملك الصالح آخر مكان تختبئ فيه نفسك من الانكسار.
كلما اقتربت من موضع ضعفك، ركضت إلى موضع قوتك.
كلما رأيت قسوة فيك، قلت: لكنني أخدم.
كلما رأيت طلبًا للثناء، قلت: لكن العمل نافع.
كلما رأيت كبرًا على المقصرين، قلت: لكنني أجاهد.
كلما رأيت برودًا في الخلوة، قلت: لكنني حاضر في العلن.
كلما رأيت عجزًا عن الاعتذار، قلت: لكن لي فضلًا سابقًا.
كأن النفس تقول:
لا تفتشوني في الموضع الذي أضعف فيه.
انظروا إلى الموضع الذي ألمع فيه.
وهذه حيلة خطيرة.
لأن الله لا يطلب منك أن تلمع في موضع وتترك العفن في موضع آخر.
ولا يطلب منك أن تجعل باب الخير الذي فتحه لك غطاءً على باب المرض الذي ينبغي أن تداويه.
العمل الصالح لا يعفيك من إصلاح ما أفسدته نفسك.
بل يزيد المسؤولية.
من وعظ الناس بالرحمة، كان أحق أن يفتش قسوته.
ومن كتب عن الإخلاص، كان أحق أن يخاف من طلب الصورة.
ومن أعان الناس، كان أحق أن يسأل: هل جعلت حاجتهم إليّ غذاءً لنفسي؟
ومن تكلم عن التوبة، كان أحق أن لا يجعل كلامه عن التوبة بديلًا عن توبته.
معركة الإخلاص بعد العمل
قد تكون الحسنة صادقة في أصلها، ثم تدخل النفس بعد ذلك لتأخذ نصيبها.
وهذا موضع لا ينتبه له كثيرون.
يظن الإنسان أن معركة الإخلاص قبل العمل فقط.
ينوي.
ثم يعمل.
ثم يطمئن.
لكن النفس قد تنتظرك بعد العمل.
تتركك تفعل الخير.
ثم تأتيك عند المدح.
أو عند الذكر.
أو عند الأثر.
أو عند المقارنة.
أو عند شعورك أنك سبقت غيرك.
تقول لك:
أرأيت؟
كنت صادقًا.
كنت مؤثرًا.
كنت أفضل مما تظن.
أنت لست كبقية الناس.
وهنا تبدأ سرقة العمل بعد العمل.
قد لا تسرقه كله.
لكنها تخدش القلب.
تجعل الحسنة التي كان ينبغي أن تزيدك حياءً، تزيدك حضورًا.
والحضور هنا ليس حضور القلب مع الله.
بل حضور النفس مع نفسها.
تبدأ تراقب صورتك بعد الطاعة أكثر مما تراقب قبول الله لها.
تفرح بالأثر، لكنك لا تسأل بما يكفي: ماذا بقي في قلبي بعد الأثر؟
تفرح بالمدح، لكنك لا تخاف بما يكفي: هل صدّقت شيئًا من المدح؟
تفرح بأنك فعلت، لكنك لا تنكسر بما يكفي: من الذي أعانني حتى أفعل؟
وهذا من أخطر صور تقلب النية؛ أن يبدأ العمل لله، ثم تتسع صورة النفس بعده حتى تزاحم وجهته الأولى.
غنى كاذب باسم الحسنة
الحسنة التي لا تردّك إلى أصل الفقر قد تصبح نوعًا من الغنى الكاذب.
تشعر أن لك شيئًا.
لك عمل.
لك أثر.
لك سابقة.
لك باب.
لك تاريخ.
لك جمهور.
لك مقام.
لك فضل.
ومتى امتلأ القلب بهذا “الـ لك”، ضاق عن معنى العبودية.
فالعبد الحقيقي لا يرى الطاعة ملكًا مستقرًا له.
يراها وديعة.
أُعطيها، فيشكر.
ويخاف عليها، فيستغفر.
ويحملها إلى الله، فيسأل القبول.
ولا يحوّلها إلى تاج.
لأن التاج يرفع الرأس.
والطاعة الصادقة تطأطئه.
من خرج من الطاعة ورأسه أعلى على الناس، فليفتش قلبه.
ومن خرج منها ولسانه أسرع إلى محاسبة المقصرين من محاسبة نفسه، فليفتش قلبه.
ومن خرج منها وهو يرى نفسه صاحب حق على الله أو على الخلق، فليفتش قلبه.
فإن الطاعة التي لا تورث تواضعًا قد تكون صحيحة الصورة، لكنها لم تبلغ بعد عمق الدواء.
فلا تزكوا أنفسكم
قال الله تعالى:
﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾
ليست تزكية النفس أن تقول بلسانك فقط: أنا تقي.
قد تزكي نفسك وأنت صامت.
تزكيها حين تتعامل مع عملك كأنه شهادة أمان.
تزكيها حين يصعب عليك أن تسمع نصيحة لأنك صاحب خير.
تزكيها حين ترى ذنب غيرك سقوطًا، وذنبك عارضًا لا يليق أن يُذكر.
تزكيها حين تخاف على صورتك أكثر مما تخاف على صدقك.
تزكيها حين تجعل حسناتك سببًا أن تتأخر عن الاعتذار.
تزكيها حين تقول في داخلك: مثلي لا يُخاطَب بهذا.
والله يقول:
هو أعلم بمن اتقى.
أعلم بما فعلت.
وأعلم لماذا فعلت.
وأعلم ما دخل قلبك قبل العمل.
وما خالطه أثناء العمل.
وما طلبته نفسك بعد العمل.
وأعلم كم مرة انتفعتَ بمدح الناس أكثر مما انتفعتَ بستر الله.
وأعلم هل كان الخير طريقًا إليك، أم طريقًا إلى صورتك.
فلا تسترح إلى ملفّك.
ولا تنم على أثر.
ولا تجعل بابًا واحدًا من الخير شاهدًا أنك سالم في كل الأبواب.
فالله أعلم بمن اتقى.
لا الناس.
ولا أنت.
السؤال الأدق بعد كل حسنة
من أدق الأسئلة بعد كل حسنة:
هل أخذتني هذه الحسنة من نفسي، أم أعادتني إليها؟
بعد الصدقة:
هل رأيت فضل الله، أم رأيت كرمي؟
بعد النصيحة:
هل خفت أن أُبتلى بما قلت، أم رأيت جهلي فوق جهل غيري؟
بعد الكتابة:
هل قلت: يا رب اجعلها حجة لي لا عليّ، أم قلت في داخلي: كم أنا عميق؟
بعد الخدمة:
هل فرحت أن الحاجة قُضيت، أم فرحت أن الناس عرفوا أنني قضيتها؟
بعد الصبر:
هل رققت لمن لم يصبر، أم احتقرته؟
بعد العبادة:
هل ازددت رحمة بالمقصرين، أم صرت تنظر إليهم كأنهم دونك؟
هذه الأسئلة ليست جلدًا للنفس.
بل إنقاذ للنفس من أن تسكن إلى أجمل أقنعتها.
لأن النفس لا تكره كل طاعة.
هي قد تحب الطاعة التي تزيد صورتها.
وتكره الطاعة التي تكسرها.
تحب أن تُعرف بالخير.
وتكره أن تعتذر.
تحب أن تنصح.
وتكره أن تُنصح.
تحب أن تتصدق.
وتكره أن يُنسى فضلها.
تحب أن تكتب عن التواضع.
وتكره أن يعاملها أحد كإنسان عادي.
فانظر: أي طاعة تحبها نفسك؟
وأي طاعة تهرب منها؟
فربما كان دواؤك في الطاعة التي لا تزيد صورتك، بل تكسرها.
حسنات تجمّل الصورة وحسنات تصلح الحقيقة
هناك حسنات تُجمّل صورتك.
وهناك حسنات تُصلح حقيقتك.
والعبد يحتاج الثانية أكثر مما يحب الأولى.
قد تحب النفس عملًا ظاهرًا؛ لأنه يمنحها اسمًا.
لكنها تثقل عن عمل خفي؛ لأنه لا يمنحها إلا صدقًا.
قد تحب أن تقف في موضع النصح.
لكنها تثقل أن تقف في موضع الاعتذار.
قد تحب أن تعطي مالًا.
لكنها تثقل أن تعطي حقًا معنويًا لمن خاصمته.
قد تحب أن تخدم الغرباء.
لكنها تثقل أن تلين لأهل بيتها.
قد تحب أن تصبر في قصة يعرفها الناس.
لكنها تثقل أن تصبر في موضع لا يراك فيه أحد.
فلا تغتر بكل نشاط في الخير.
اسأل:
هل هذا النشاط يقربني من الله، أم يقربني من الصورة التي أحبها عن نفسي؟
فقد تكون نشيطًا في باب، لا لأن قلبك أقرب، بل لأن نفسك وجدت فيه غذاءً أنيقًا.
وقد تكون ثقيلًا عن باب آخر، لا لأنه أقل أجرًا، بل لأنه يجرّدك من الصورة.
حسنات تفضح النفس
الحسنة التي لا تخلّصك من نفسك قد تحتاج إلى حسنة أخرى تفضحها.
صدقة خفية تفضح حب الظهور.
اعتذار صادق يفضح كبر صاحب الفضل.
قبول نصيحة يفضح غرور الناصح.
فرح بخير جرى على يد غيرك يفضح حب الانفراد.
عمل صغير لا يُذكر يفضح إدمان الأثر.
إحسان إلى من لا يشكرك يفضح تعلق القلب بالاعتراف.
خلوة لا تحمل فيها لقبًا تفضح اعتمادك على الدور.
هذه الأعمال قد لا تلمع.
لكنها تقطع من النفس ما لا تقطعه أعمال يصفق لها الناس.
لأن النفس قد تصبر على تعب العمل إذا أخذت منه صورة.
لكنها تختنق عند عمل لا يعطيها شيئًا.
وهنا يظهر الصدق.
هل تريد الله؟
أم تريد نفسك وهي تبدو قريبة من الله؟
فرق هائل.
الأول عبودية.
والثاني صورة دينية للنفس.
ميزان بلا وسواس
ليس المقصود أن تكره نفسك.
ولا أن تشك في كل عمل.
ولا أن ترى كل طاعة قناعًا.
ولا أن تدخل في وسواس يفسد عليك باب الخير.
هذا ليس من الفقه في شيء.
المطلوب أن تعرف أن نفسك لا تموت بمجرد دخولك باب الطاعة.
النفس قد تدخل معك.
وقد تحضر بطلبها الخفي حتى وأنت في الصلاة.
وقد تتصدق معك بطريقتها.
وقد تكتب معك بطريقتها.
وقد تدعو إلى الله وهي تطلب أن لا تُنسى.
فلا تكن غافلًا.
اعمل.
ولا تتوقف.
لكن اعمل وأنت تعلم أن العمل ميدان مجاهدة، لا إعلان نجاة نهائية.
افرح بالطاعة.
لكن لا تجعل الفرح بها أمنًا من مكر النفس.
اشكر الله على الخير.
لكن لا تجعل الشكر مجرد جملة تحفظ بها صورتك.
خف على قلبك.
لكن لا تجعل الخوف يشلّك.
وازن بين أمرين:
أن لا تترك الخير لأن نفسك مريضة.
وأن لا تترك نفسك تفسد الخير لأنها تتكلم باسم الخير.
هذا هو الميزان.
علامات أن الحسنة بدأت تخلّصك من نفسك
من علامات أن الحسنة بدأت تخلّصك من نفسك:
أن تجعلك أرحم لا أعلى.
أن تجعلك ألين لا أصلب.
أن تجعلك أسرع إلى الاعتذار لا أسرع إلى التبرير.
أن تجعلك أخوف على نفسك لا أشد تفتيشًا في الناس.
أن تجعلك أفرح بخير لا يكون على يدك.
أن تجعلك أقدر على العمل إذا لم يعرفك أحد.
أن تجعلك أقل احتياجًا إلى أن تُذكر.
أن تجعلك ترى فضل الله قبل أن ترى فعلك.
أن تجعلك كلما عملت خيرًا قلت:
يا رب، لا تجعلني أرى نفسي فيه.
هذه علامة.
ليست العصمة.
ولا كمال الإخلاص.
لكنها علامة أن الطاعة بدأت تضع يدها على موضع الداء.
أما إذا زادتك الطاعة قسوة، أو استعلاء، أو مطالبة، أو تعلقًا بالصورة، أو ضيقًا بالنصيحة، فليست المشكلة في الطاعة.
المشكلة في النفس التي أخذت الطاعة إلى جهتها.
والعلاج ليس ترك الطاعة.
بل ردّ الطاعة إلى وظيفتها:
أن تكون طريقًا إلى الله، لا طريقًا إلى تعظيم النفس.
معنى القبول
تأمل معنى القبول.
أنت تعمل.
لكن لا تعلم هل قُبل، وترجو قبوله من كريم لا يضيع عنده صدق عبدٍ أقبل عليه.
تتكلم.
لكن لا تعلم ما خالط الكلام.
تعطي.
لكن لا تعلم أين نظر قلبك ساعة العطاء.
تخدم.
لكن لا تعلم هل أردت وجه الله وحده، أم أردت معه مقامًا، أو ذكرًا، أو شعورًا أنك صالح.
هذا لا يعني أن تيأس.
بل يعني أن تتأدب.
لو كان القبول مضمونًا بعد كل حسنة، لكان للعجب باب واسع.
لكن بقاء القبول غيبًا رحمة.
ليظل العبد واقفًا.
لا يتدلل على الله بعمله.
ولا يطالب الخلق بمقامه.
ولا يقول: أنا فعلت، فلي حق.
بل يقول:
يا رب، عملت بتوفيقك، وأسأل قبولك، وأستغفر من نفسي التي لا آمنها حتى في طاعتك.
هذا مقام العبد.
يعمل.
ثم يخاف.
ثم يرجو.
ثم يستغفر.
ثم يعود يعمل.
لا ينقطع بالخوف.
ولا يأمن بالعمل.
قل لحسنتك
أحيانًا تحتاج أن تقول لحسنتك:
لن أسمح لك أن تصيري تمثالًا لي.
لن أسمح لك أن تمنعيني من الاعتذار.
لن أسمح لك أن تجعلي صوت النصيحة ثقيلًا على قلبي.
لن أسمح لك أن تقولي لي: أنت فوق التفتيش.
لن أسمح لك أن ترفعي رأسي على عباد الله.
لن أسمح لك أن تصيري ذاكرةً أتغذى عليها كلما جاع كبريائي.
أنتِ نعمة.
ولستِ ملكًا.
أنتِ أمانة.
ولستِ شهادة أمان.
أنتِ باب.
ولستِ عرشًا.
أنتِ من فضل الله.
ولستِ من ذاتي.
فإن أخذتِني إلى الله، فالحمد لله.
وإن أخذتِني إلى نفسي، فإني أستغفر الله منكِ ومن نفسي.
هذا هو الأدب مع الحسنات.
أن تحبها لأنها تقربك إلى الله، لا لأنها تجعل لك صورة.
وأن تخاف عليها لأنها عظيمة، لا لأنها جزء من كبريائك.
الخطر قد يبدأ في الخير
يا صاحب الطاعة:
لا تخدعك النفس إذا قالت لك: أنا الآن في الخير، فلا خطر.
الخطر قد يبدأ في الخير.
ليس لأن الخير شر.
بل لأن نفسك قد تدخل عليه.
قد تدخل على العبادة فتطلب بها الأمان من المحاسبة.
وتدخل على الدعوة فتطلب بها المكانة.
وتدخل على العلم فتطلب به التفوق.
وتدخل على الصدقة فتطلب بها الاعتراف.
وتدخل على الصبر فتطلب به الامتياز.
وتدخل على الزهد فتطلب به المدح بأنها لا تطلب المدح.
ما أمكر النفس إذا لم تُربَّ.
قد تلبس ثوب الزهد لتشبع رغبة الظهور.
وقد تتكلم عن الإخلاص وهي تنتظر أن يُقال: ما أخلصه.
وقد تحارب الرياء برياء أدق.
فلا تأمنها.
لكن لا تيأس من إصلاحها.
قل لها:
لن أمنعك من الخير لأنك مريضة.
لكنني لن أتركك تأخذين الخير إلى مرضك.
سأعمل.
وسأراقب.
وسأستغفر.
وسأتعلم أن أعطي بلا امتلاك.
وأن أنفع بلا تضخم.
وأن أُذكر بلا سكر.
وأن أُنسى بلا انكسار مريض.
وأن أُسبق إلى الخير بلا حسد.
وأن أُنصح بلا غضب لصورة نفسي.
هل صرت أقرب إلى الله؟
كل حسنة ينبغي أن تسألك في النهاية:
هل صرت أقرب إلى الله؟
لا: هل صرت أشهر؟
ولا: هل صرت أعمق في نظر الناس؟
ولا: هل صرت صاحب أثر أكبر؟
ولا: هل صار لك مقام أثبت؟
بل:
هل صرت أقرب إلى الله؟
أقرب في صدقك.
أقرب في خوفك.
أقرب في حيائك.
أقرب في رحمتك.
أقرب في قبولك للنصح.
أقرب في توبتك.
أقرب في خلواتك.
أقرب في بيتك.
أقرب حين لا يراك أحد.
أقرب حين لا تُذكر.
أقرب حين يجري الخير من غيرك.
أقرب حين تُرد إلى حجمك الحقيقي:
عبد فقير.
فإن لم تجعلك الحسنة أقرب، فليست المشكلة في الحسنة.
بل في المسار الذي أخذتها إليه النفس.
فاسترجعها.
ردّها إلى الله.
قل:
يا رب، هذه الحسنة التي كادت تصير لي، أرجعها إليك.
أنت أصلها.
وأنت صاحب فضلها.
وأنت المرجو في قبولها.
وأنت القادر أن تطهرها مما خالطها.
وأنا لا أملك منها إلا حاجتي إليك بعدها.
اقرأ أيضًا
الجملة التي ينبغي أن تبقى
الجملة التي ينبغي أن تبقى:
الحسنة التي لا تخلّصك من نفسك، قد تصير أجمل طريق تعود به إلى نفسك.
فاحذر.
لا من الحسنة.
بل من نفسك داخل الحسنة.
لا من العمل.
بل من دعوى الملك بعد العمل.
لا من الأثر.
بل من أن تصير أنت مركز الأثر.
لا من المدح.
بل من القلب الذي يصدق المدح.
لا من الطريق إلى الله.
بل من النفس التي تقف في منتصف الطريق وتقول: انظروا إليّ.
الطاعة الحقيقية لا تجعلك تقول:
أنا فعلت.
بل تقول:
يا رب، أنت وفقت.
لا تجعلك تقول:
أنا وصلت.
بل تقول:
يا رب، لا أزال محتاجًا.
لا تجعلك تقول:
أنا خير منهم.
بل تقول:
يا رب، كما سترتني فارحمهم، وكما رحمتني فلا تكلني إلى نفسي.
لا تجعلك تبني حصنًا.
بل تهدم آخر حصونك أمام الله.
حتى تقف بلا دفاع.
بلا صورة.
بلا رصيد تتدلل به.
بلا تاريخ تحتمي خلفه.
بلا اسم تلوذ به.
فقط عبد.
جاء بحسناته وهو يعلم أنها من الله.
وجاء بسيئاته وهو يعلم أنه لا ينجو إلا بعفو الله.
وجاء بقلبه وهو يقول:
يا رب، حتى طاعتي لا آمن فيها نفسي، فطهّرها لي، واجعلها خالصة لك، وردّ قلبي إليك.
دعاء ألا تبقى النفس حيّة داخل الحسنة
اللهم لا تجعل حسناتنا طرقًا ملتوية نعود بها إلى أنفسنا.
اللهم اجعل كل طاعة تخلّصنا من العجب، لا تزيدنا تعلقًا بالصورة.
اللهم إن وفقتنا لخير، فلا تجعلنا نراه ملكًا لنا.
وإن أجريت النفع على أيدينا، فلا تجعلنا مركز النفع في قلوبنا.
وإن مدحنا الناس بما ظهر، فلا تجعلنا ننسى ما سترت.
وإن رأينا من أنفسنا طاعة، فلا تجعلنا نغفل عن حاجتنا إلى قبولك.
اللهم اجعل حسناتنا جسورًا إليك، لا مرايا لأنفسنا.
واجعل أعمالنا أبواب فقر، لا عروش امتياز.
اللهم طهّرنا من نفسٍ تدخل الطاعة لتطلب حظها.
ومن قلبٍ يعمل الخير ثم يرى نفسه.
ومن عينٍ تبصر أثرها ولا تبصر فضلك.
ومن لسانٍ يقول: الحمد لله، وقلبٍ يقول سرًا: أنا.
اللهم لا تجعلنا نخرج من ذنوبنا إلى حسناتٍ تزيدنا غرورًا.
بل أخرجنا من أنفسنا إليك.
حتى إذا عملنا رأينا فضلك.
وإذا نفعنا رأينا منتك.
وإذا أُثني علينا رأينا سترك.
وإذا سقطنا رأينا حاجتنا.
وإذا قمنا علمنا أنك أنت الذي أقمتنا.
يا رب، لا تجعل أجمل أعمالنا آخر مخابئ نفوسنا.
واجعل كل حسنة تعملها جوارحنا سهمًا يصيب كبرنا، ودواءً لقلوبنا، وطريقًا أصدق إليك.