فتنة العمل الصالح لا تظهر دائمًا في الرياء الظاهر أو طلب المدح، بل قد تكون أخفى حين تتحول الحسنات إلى دفاع داخلي عن نفس لا تريد أن تتوب. هذا المقال يكشف كيف قد تستعمل النفس الطاعة لحماية صورتها، بدل أن تجعل العمل بابًا للانكسار والمحاسبة والرجوع إلى الله.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
- حين تصير حسناتك آخر حصون نفسك
- العمل الصالح باب لا سور
- حين تمتلك النفس حججًا شريفة ضد الإصلاح
- الأثر ليس تزكية نهائية
- محكمة النفس وملف الحسنات
- حين تخاف على الصورة أكثر من الباطن
- فلا تزكوا أنفسكم
- لا تجعل الخير يغنيك عن الله
- حين تمنعك حسناتك من الاستغفار
- ميزان بلا جلد ولا وسواس
- ضع عملك الصالح في موضعه الصحيح
- أعمال تكسر المحامي الداخلي
- ماذا تقول بعد كل خير؟
- حين يأتيك الحق من خارج صورتك
- يا صاحب العمل الصالح
- الجملة التي ينبغي أن تبقى في قلبك
- دعاء ألا تصير الحسنات حصونًا للنفس
حين تصير حسناتك آخر حصون نفسك
ليست أخطر فتنة العمل الصالح أن تفرح به.
ولا أن يمدحك الناس عليه.
ولا أن ترى أثره في القلوب فتخاف على نيتك.
هناك فتنة أخفى من ذلك كله.
أن يتحول العمل الصالح في داخلك إلى محامٍ بارع، يدافع عن قلب لم يتب.
كلما اقتربت منك محاسبة، قال: لكنك تفعل خيرًا.
كلما ناداك عيب قديم، قال: ليس الآن، فلديك أعمال كثيرة.
كلما ظهرت قسوة في بيتك، قال: يكفي أنك رحيم بالناس.
كلما انكشف طلب خفي للمكانة، قال: المهم أن الخير ينتشر.
كلما اقتربت منك نصيحة موجعة، رفع أمامك ملف إنجازك وقال:
هذا الإنسان لا يُحاكم بهذه السهولة.
وهنا لا تكون الفتنة في أنك تركت العمل الصالح.
بل في أنك استعملته لتبقى كما أنت.
استعملت الطاعة لا لتقترب من الله، بل لتحمي الصورة التي لا تريد أن تنكسر.
وهذا من أخطر انقلاب المعنى:
أن يصبح الخير الذي كان ينبغي أن يأخذك إلى التوبة، هو الشيء الذي يمنعك من التوبة.
العمل الصالح باب لا سور
العمل الصالح في أصله باب.
باب إلى الله.
باب إلى الشكر.
باب إلى الفقر.
باب إلى الخوف من عدم القبول.
باب إلى رؤية فضل الله عليك أن استعملك ولم يستبدلك.
لكن النفس قد تأخذ هذا الباب، وتجعله سورًا.
لا تدخل منه إلى الله.
بل تختبئ خلفه من الله.
لا بمعنى أنك تغيب عن علمه، فالله لا تخفى عليه خافية.
بل بمعنى أنك تهرب من مواجهة قلبك باسم شيء يحبه الله.
وهذه هي الخطورة.
لو هربت بمعصية ظاهرة، لخفت.
لو هربت بشهوة مكشوفة، لاستحييت.
لو هربت بترك الصلاة أو بظلم واضح، لعرفت أنك في خطر.
لكن أن تهرب بطاعة، فهنا تلتبس عليك الطريق.
تظن أنك قريب، لأنك مشغول بالخير.
وتظن أنك سالم، لأن الناس ينتفعون بك.
وتظن أن الأبواب المفتوحة لك شهادة تزكية.
وتنسى أن الباب المفتوح ليس شهادة أمان.
قد يكون اختبارًا.
وقد يكون سترًا.
وقد يكون استدراجًا إن دخلته النفس بغير افتقار.
وقد يكون نعمة عظيمة، لكنها لا تعني أن قلبك صار خارج التفتيش.
حين تمتلك النفس حججًا شريفة ضد الإصلاح
من أخطر ما يقع للإنسان الصالح ظاهريًا أنه يبدأ في امتلاك حجج شريفة ضد الإصلاح.
لا يقول: لا أريد أن أتوب.
يقول: أنا مشغول بخدمة الناس.
لا يقول: لا أريد أن أراجع نيتي.
يقول: المهم أن العمل نافع.
لا يقول: لا أريد أن أسمع النقد.
يقول: الناس لا يعرفون حجم ما أبذل.
لا يقول: أحب أن أظهر.
يقول: لا بد أن يُعرَف الخير حتى ينتشر.
لا يقول: أكره أن يسبقني غيري.
يقول: أخشى أن يُفسدوا الباب.
لا يقول: أنا قاسٍ.
يقول: الحق يحتاج وضوحًا.
لا يقول: أنا أهرب من نفسي.
يقول: وقتي كله لله.
وقد يكون في بعض هذا صدق.
لكن الخطر أن تصير العبارات الجميلة مفاتيح هروب.
كلمات صحيحة في ظاهرها، لكن القلب يستعملها في غير موضعها.
كم من إنسان قال: أنا أخدم الدين، وهو في الحقيقة يحمي مكانته داخل باب من أبواب الدين.
وكم من إنسان قال: أنا أقول الحق، وهو ينتقم لنفسه بنبرة الحق.
وكم من إنسان قال: أنا لا أريد إلا الإصلاح، وهو لا يحتمل أن يصلح الله الأمر من غير طريقه.
وكم من إنسان قال: أنا متعب من أجل الناس، وهو يخاف أن يجلس وحده فيرى أن تعبه لم يصلح قلبه كما أصلح صورته.
الأثر ليس تزكية نهائية
ليست المشكلة أن يكون لك أثر.
الأثر نعمة.
وليست المشكلة أن يحبك الناس.
محبة الناس قد تكون رزقًا.
وليست المشكلة أن تكثر أعمالك.
كثرة الخير باب عظيم إذا صحبه صدق وخوف وشكر.
لكن المشكلة أن تجعل الأثر بديلًا عن الصدق.
أن تجعل حب الناس بديلًا عن محاسبة القلب.
أن تجعل كثرة العمل بديلًا عن سؤال القبول.
أن تجعل نجاحك في باب من الخير عذرًا لتأجيل إصلاح باب آخر.
كأنك تقول لنفسك:
ما دمت أفتح للناس بابًا، فلا تسألني عن الأبواب المغلقة في داخلي.
ما دمت أداوي وجعهم، فلا تقتربوا من وجعي.
ما دمت أكتب عن التوبة، فلا تسألوني عن توبتي.
ما دمت أنصح في الإخلاص، فلا تفتشوا حاجتي الخفية إلى الثناء.
ما دمت أعين الناس على الطريق، فلا تسألوني لماذا أتوقف أنا عند أول اختبار يمس صورتي.
وهنا تتحول الطاعة إلى حصانة نفسية.
لا تقربوني.
أنا صاحب خير.
لا تفتشوني.
أنا نافع.
لا تنصحوني.
أنا أنصح.
لا تكشفوا ضعفي.
أنا أسند الضعفاء.
لا تطلبوا مني أن أعتذر.
أنا أصلح بين الناس.
وهذه من أخطر صور المرض:
أن يأخذ الإنسان وظيفة الخير، فيجعلها درعًا ضد حق الخير عليه.
وهذا قريب مما يظهر حين يكبر الأثر وتبدأ النفس تطلب صورتها داخل الخير؛ وقد بُسط هذا المعنى في مقال: حين يكبر الأثر ويُختبر الإخلاص.
اسمعها بصدق:
قد يفتح الله على يدك بابًا لقلب غيرك، ويبقى قلبك أنت مغلقًا من جهة أخرى.
قد ينتفع الناس بك في موضع، وتحتاج أنت إلى من ينفعك في موضع لا يراه الناس.
قد تبكي كلماتك غيرك، ولا تبكيك أنت.
قد توقظ موعظتك غافلًا، وتبقى أنت غافلًا عن غفلة أدق.
قد يترك إنسان ذنبًا بسبب نصيحتك، وتبقى أنت محتاجًا أن تترك ذنب رؤية نفسك فوقه.
قد يجبر الله بك مكسورًا، وتبقى أنت مكسورًا من جهة طلب الاعتراف.
قد يستر الله بك عورة مسلم، وأنت محتاج أن يستر الله عليك مرضًا في نيتك.
فلا تجعل نفع الناس بك دليلًا أنك بخير من كل جهة.
النفع ليس عصمة.
والأثر ليس تزكية نهائية.
وقبول الناس ليس قبولًا مضمونًا عند الله.
والعمل الصالح لا يعطي صاحبه تصريحًا أن يغلق باب المحاسبة.
بل كلما عظم العمل، عظم احتياجه إلى الحراسة.
لأن العمل الكبير قد يحمل صاحبه إلى الله.
وقد يحمله إلى نفسه.
والفرق بينهما دقيق جدًا.
محكمة النفس وملف الحسنات
تأمل كيف تدافع النفس عن نفسها حين تقترب منها الحقيقة.
إذا قيل لها: فيك قسوة.
قالت: لكني أخدم الناس.
إذا قيل لها: فيك حب للظهور.
قالت: لكن الظهور هنا لخدمة الخير.
إذا قيل لها: فيك تعلق بالثناء.
قالت: أحتاج فقط إلى تقدير الجهد.
إذا قيل لها: فيك كبر على المخطئين.
قالت: أنا أغار على الحق.
إذا قيل لها: فيك هروب من الخلوة.
قالت: الانشغال بمصالح الخلق أفضل.
إذا قيل لها: أنت تحتاج إلى توبة.
قالت: وهل يقال هذا لمن فعل كل هذا الخير؟
وهنا تظهر المحكمة الداخلية.
القاضي: الضمير الذي أيقظه الله لحظة.
والشاهد: عيب واضح لا يمكن إنكاره.
والمتهم: النفس.
لكن المحامي يدخل بملف ضخم من الحسنات.
فيقول:
موكّلتي صاحبة أثر.
موكّلتي تعبت كثيرًا.
موكّلتي لها سوابق في الخير.
موكّلتي لا ينبغي أن تُكسَر بهذه الطريقة.
ثم تصدر النفس حكم البراءة لنفسها.
لا لأنها بريئة.
بل لأنها لا تريد أن تسمع الحكم الحقيقي:
أنت محتاجة إلى الله، ولو كثرت أعمالك.
أنت محتاجة إلى توبة، ولو انتفع الناس بك.
أنت محتاجة إلى محاسبة، ولو ظن الناس أنك من أهل الصلاح.
أنت محتاجة إلى ستر الله، لا إلى تصديق صورتك.
حين تخاف على الصورة أكثر من الباطن
من علامات هذه الفتنة أنك تخاف من سقوط الصورة أكثر من خوفك من فساد الباطن.
إذا انكشف تقصيرك، لا تبكي لأنك قصّرت مع الله.
بل تضطرب لأن الناس قد يعرفون.
إذا نُصحت، لا تسأل: هل في الكلام حق؟
بل تسأل: كيف تجرأوا عليّ؟
إذا أخطأت، لا يوجعك أنك ظلمت.
بل يوجعك أن الخطأ لا يشبه الصورة التي صنعتها لنفسك.
إذا سبقك غيرك إلى خير، لا تفرح أن الله عُبد.
بل تتألم أن مكانك في المشهد نقص.
إذا مدحوا غيرك في الباب نفسه، لا تنشرح لأن الخير اتسع.
بل تشعر أن جزءًا من هويتك سُحب منك.
هنا لم تعد الطاعة طريقًا.
صارت عرشًا.
لم تعد العمل الصالح قربانًا.
صار جدارًا حول صورة.
لم تعد تقول: يا رب تقبل.
بل تقول في داخلك: يا رب لا تسقط صورتي.
وهذا انقلاب مخيف.
أن يخاف العبد على صورته عند الخلق أكثر مما يخاف على صدقه عند الله.
فلا تزكوا أنفسكم
قال الله تعالى:
﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾
هذه الآية ليست فقط لمن يمدح نفسه بلسانه.
بل لمن يزكي نفسه في داخله كلما اقترب منه صوت المحاسبة.
قد لا تقول للناس: أنا تقي.
لكنك تقولها لنفسك بطريقة أخرى.
تقولها حين تجعل عملك مانعًا من قبول النصيحة.
تقولها حين ترى خطأ غيرك ذنبًا، وخطأك اجتهادًا.
تقولها حين تجعل تاريخك في الخير سببًا لتخفيف الحكم على نفسك.
تقولها حين تقيس سلامتك بما يراه الناس منك، لا بما يعلمه الله فيك.
تقولها حين تنظر إلى عملك الصالح وكأنه ختم أمان على قلبك.
والله يقول:
لا تزكوا أنفسكم.
أي لا تجعلوا لأنفسكم شهادة نهائية.
لا من كثرة عمل.
ولا من مدح الناس.
ولا من أثر ظاهر.
ولا من باب خير فُتح لكم.
هو أعلم بمن اتقى.
أعلم بما خالط العمل.
أعلم بما طلبه القلب ساعة العمل.
أعلم بما فرحت به بعد العمل.
أعلم هل حزنت لأن الخير لم ينتشر، أم لأن اسمك لم يظهر.
أعلم هل غضبت للحق، أم لغضب نفسك.
أعلم هل خدمت الناس لله، أم لأن الخدمة صنعت لك هوية تحبها.
أعلم بمن اتقى.
فكيف تستريح إلى تزكية لا تملكها؟
لا تجعل الخير يغنيك عن الله
ليست الطاعة أن تفعل الخير فقط.
الطاعة أن لا تجعل الخير يغنيك عن الله.
أن لا تقول في سرك: لدي ما يشفع لصورتي.
أن لا تقابل عيوبك بسجل إنجازاتك.
أن لا تقول للجرح الداخلي: اصمت، لقد وعظت الناس اليوم.
أن لا تقول للقسوة: اختبئي، فقد تصدقت البارحة.
أن لا تقول لحب الظهور: لا بأس، فالمحتوى نافع.
أن لا تقول للكبر: أنت غيرة على الدين.
أن لا تقول للهروب: أنت انشغال بالخير.
الطاعة الحقيقية لا تعطي المرض اسمًا جميلًا.
بل تكشفه برحمة.
تقول:
يا رب، هذا خير وفقتني له، فلا تجعله غطاءً على شر أحتاج أن أتوب منه.
يا رب، هذا باب فتحتَه لي، فلا تجعلني أسده على قلبي.
يا رب، هذا أثر أجريته على يدي، فلا تجعلني أستدل به على سلامتي المطلقة.
يا رب، لا تجعل ما نفع الناس مني يحجبني عما يحتاج الإصلاح فيّ.
حين تمنعك حسناتك من الاستغفار
من أقسى الخذلان أن تمنعك حسناتك من الاستغفار.
أن يكون الذنب ظاهرًا، لكنك لا تعتذر لأن صورتك أكبر من الاعتذار.
أن يكون العيب واضحًا، لكنك لا تسمع لأن تاريخك في الخير أعلى في عينك من صوت الناصح.
أن تكون في حاجة إلى توبة، لكنك تشعر أن كلمة “توبة” لا تليق بمن هو في موضعك.
وكأن التوبة للمبتدئين.
وكأن الاستغفار لمن لا أعمال لهم.
وكأن الانكسار لمن لم يُفتح لهم باب.
وهذه من تلبيسات النفس.
أعظم الناس حاجة إلى الاستغفار من كثرت أعماله؛ لأنه أكثر تعرضًا للآفات.
آفة الرؤية.
آفة العجب.
آفة المنّ.
آفة طلب الذكر.
آفة الاستثقال ممن لا يعمل مثله.
آفة الأمن بعد العمل.
آفة الاعتماد على السجل.
آفة أن يقول القلب: أنا لست كغيري.
والله لا يريد منك أن تترك العمل لأجل هذه الآفات.
يريد منك أن تحمل العمل بقلب يعرف ضعفه.
أن تعمل وأنت خائف.
أن تنفع وأنت مستغفر.
أن تُستعمل وأنت لا ترى نفسك أهلًا.
أن يكثر الخير على يدك، ويكثر معه قولك في السر:
اللهم لا تكلني إلى عملي.
اللهم لا تكلني إلى صورتي.
اللهم لا تكلني إلى ما يظنه الناس بي.
وهذا المعنى يلتقي مع خطر العجب بعد الطاعة، حين تقبض النفس ثمن العمل قبل الآخرة، لا من ثواب الله، بل من لذة الرضا عن الذات.
ميزان بلا جلد ولا وسواس
إياك أن تفهم هذا الكلام على أنه دعوة إلى اتهام كل عمل أو جلد النفس.
هذا باب آخر من الخلل.
ليس المطلوب أن ترى كل طاعة رياء.
ولا أن تشك في كل نية.
ولا أن تترك الخير خوفًا من فساد القلب.
ولا أن تتحول المحاسبة إلى وسواس.
المطلوب أضيق وأوضح:
لا تجعل العمل الصالح حجة ضد إصلاحك.
اعمل الخير.
وافرح أن الله وفقك.
واشكر أن الله استعملك.
وادعُ أن يتقبل منك.
ثم ابقَ قابلًا للنصح.
قابلًا للاستغفار.
قابلًا للاعتذار.
قابلًا لأن يقال لك: هنا أخطأت.
قابلًا لأن ترى في نفسك عيبًا لا يمحوه أنك أحسنت في موضع آخر.
فالصادق لا يقول: أنا بلا خير.
ولا يقول: خيري يكفيني.
الصادق يقول:
عندي خير هو من فضل الله، وعندي عيوب أحتاج أن يطهرني الله منها.
لا أنكر النعمة.
ولا أتخذ النعمة حصنًا ضد التوبة.
هذا هو الميزان.
ضع عملك الصالح في موضعه الصحيح
من العلاج أن تضع عملك الصالح في موضعه الصحيح.
ليس شاهد براءة.
بل أمانة.
ليس ختم نجاة.
بل نعمة تنتظر القبول.
ليس دليلًا أنك فوق المحاسبة.
بل سببًا أن تكون محاسبتك أدق.
ليس لقبًا تلوذ به.
بل بابًا تُسأل عنه.
فإذا كتبت كلمة نافعة، فاسأل:
هل عملت بها؟
وإذا نصحت إنسانًا، فاسأل:
هل قبلت النصيحة حين جاءتني؟
وإذا سترت عيب غيرك، فاسأل:
هل أتذكر ستر الله عليّ؟
وإذا أعطيت، فاسأل:
هل رأيت نفسي في العطاء؟
وإذا أثني عليك، فاسأل:
هل سكر قلبي بالثناء؟
وإذا فُتح لك باب، فاسأل:
هل دخلت منه إلى الله، أم وقفت عند الباب أعجب بمنظري وأنا داخله؟
هذه الأسئلة ليست لتعذيب القلب.
بل لحمايته.
فالقلب الذي لا يُسأل بعد الطاعة، قد تسرقه الطاعة من حيث لا يشعر.
أعمال تكسر المحامي الداخلي
ومن العلاج أن تفعل أعمالًا تكسر المحامي الداخلي.
اعتذر حين تخطئ، ولو كنت صاحب فضل.
اقبل نصيحة ممن هو أقل منك علمًا أو أثرًا.
افرح بخير جرى على يد غيرك في الباب الذي تحب أن تُعرف به.
اعمل عملًا لا يعرفه أحد.
أصلح عيبًا لا يراه جمهورك.
اخدم من لا يستطيع أن يمدحك.
أحسن إلى من لا يضيف شيئًا إلى صورتك.
اجلس مع الله في خلوة لا تحمل فيها لقبًا.
لا كاتبًا.
ولا واعظًا.
ولا ناصحًا.
ولا مؤثرًا.
ولا كريمًا.
ولا صاحب رسالة.
فقط عبد.
عبد معه حسنات يرجو قبولها.
وسيئات يخاف تبعتها.
وعيوب يسترها الله.
ونعم لا يحصيها.
وقلب يحتاج أن ينجو من نفسه.
هناك، في الخلوة التي لا تصنع لك صورة، تبدأ بعض الحقائق بالظهور.
هناك تعرف هل كنت تحب الله، أم تحب دورك في الطريق إلى الله.
هل كنت تريد القبول، أم تريد أن تبدو مقبولًا.
هل كنت تريد إصلاح قلبك، أم إصلاح صورتك.
هل كانت الطاعة تأخذك إلى السجود، أم إلى تمثال داخلي لا يراه أحد.
ماذا تقول بعد كل خير؟
وتعلم أن تقول بعد كل خير:
اللهم لا تجعل هذا العمل شاهد زور عليّ.
إن كان صادقًا، فتقبله.
وإن خالطه رياء، فطهّره.
وإن خالطه عجب، فاكسره.
وإن خالطه طلب مكانة، فاغفره.
وإن نفع الناس، فلا تحرمني نفعه في قلبي.
وإن مدحني الناس عليه، فلا تجعل مدحهم يغلق باب الخوف منك.
وإن صار لي به اسم بين الخلق، فلا تجعل الاسم أكبر من الحقيقة.
وإن فتحت لي به بابًا، فلا تجعلني أقف عند الباب وأغفل عنك.
هذا دعاء من عرف أن العمل الصالح ليس نهاية الطريق.
بل بدايته.
فالطاعة التي لا تورثك فقرًا، تحتاج مراجعة.
والنفع الذي لا يورثك شكرًا، يحتاج تفتيشًا.
والأثر الذي لا يزيدك خوفًا على نفسك، قد يصير فتنة عليك.
والخير الذي يجعلك فوق الناس، ليس هو الخير الذي عرفت به حقيقة العبودية.
حين يأتيك الحق من خارج صورتك
من أعظم علامات الصدق أن لا تغضب إذا جاءك الحق من خارج صورتك.
أن لا تقول في داخلك:
من هذا حتى ينصحني؟
بل تقول:
ربما ساق الله لي كلمة نجاتي على لسان من لا أراه.
أن لا تقول:
أنا أدرى بهذا الباب.
بل تقول:
ربما عرفت الباب، وغفلت عن قلبي داخله.
أن لا تقول:
يكفي ما قدمت.
بل تقول:
ما قدمته لا يغنيني عن رحمة الله.
أن لا تقول:
أنا صاحب أثر.
بل تقول:
الأثر فضل من الله، والقبول غيب، والقلب يحتاج أن يثبت حتى النهاية.
فالذي يعرف قدر نفسه لا ينكسر من النصيحة كأنها إهانة.
يراها باب نجاة.
ولا يرى الاعتذار سقوطًا لصورة الصالح.
يراه عودة إلى مقام العبد.
ولا يرى التوبة نقصًا في رتبته.
يراها شرفًا لا يستغني عنه أحد.
يا صاحب العمل الصالح
يا صاحب العمل الصالح:
لا تجعل أعمالك تقف بينك وبين قول: أخطأت.
لا تجعل أثرك يمنعك من قول: أحتاج أن أتوب.
لا تجعل نفعك للناس يمنعك من الاعتراف أنك تحتاج من ينصحك.
لا تجعل مدحهم لك يمنعك من رؤية موضع يبكيك.
لا تجعل صورتك في عيونهم أغلى من سلامتك بين يدي الله.
فالناس قد يرون منك أكثر أبوابك نورًا.
والله يعلم ما خلف الأبواب.
يرون الكلمة.
ولا يرون ما طلبه القلب بعدها.
يرون العطاء.
ولا يرون هل انتظرت الشكر.
يرون الصبر.
ولا يرون هل احتقرت من لم يصبر مثلك.
يرون الإصلاح.
ولا يرون هل هربت من إصلاح نفسك.
يرون الثبات.
ولا يرون مواضع الضعف التي سترها الله.
فلا تصدق الصورة كلها.
واشكر الله على ما ظهر من خير.
واستغفره مما خفي من مرض.
ولا تجعل ستر الله عليك سببًا لتصديق أنك بلا عيب.
فربما كان أعظم ما في حياتك الآن ليس ما أظهره الله على يدك، بل ما ستره الله فيك.
اقرأ أيضًا
الجملة التي ينبغي أن تبقى في قلبك
الجملة التي ينبغي أن تبقى في قلبك:
أخطر ما في العمل الصالح أن تجعله دليل براءة، لا باب توبة.
إذا صار العمل دليل براءة، توقفت.
وإذا صار باب توبة، اقتربت.
إذا صار دليل براءة، قلت: يكفيني.
وإذا صار باب توبة، قلت: يا رب تقبل واغفر ما خالطه.
إذا صار دليل براءة، احتقرت المقصرين.
وإذا صار باب توبة، رحمتهم لأنك تعرف كم أنت محتاج إلى الرحمة.
إذا صار دليل براءة، ضاق صدرك بالنصيحة.
وإذا صار باب توبة، فرحت بمن دلّك على عيبك.
إذا صار دليل براءة، خفت على صورتك.
وإذا صار باب توبة، خفت على قلبك.
فاختر موضع عملك.
إما أن تجعله سورًا حول نفسك.
وإما أن تجعله طريقًا إلى الله.
لا تقل: أنا فعلت كثيرًا.
قل:
يا رب، أنت وفقتني للقليل، فلا تحرمني قبوله.
لا تقل: أنا نافع.
قل:
يا رب، إن نفعتَ بي، فلا تجعلني أضر نفسي برؤية النفع.
لا تقل: لي أثر.
قل:
يا رب، اجعل أثر الخير أولًا في قلبي.
لا تقل: الناس يشهدون.
قل:
يا رب، لا تجعل شهادة الناس تغرني عن علمك بي.
لا تقل: هذه حسناتي.
قل:
يا رب، هذه نعمك عليّ، فاغفر لي تقصيري فيها.
فالعبد لا يتكئ على عمله.
العبد يحمل عمله إلى الله خائفًا راجيًا.
يعلم أن العمل نعمة، والقبول نعمة أخرى.
وأن أعظم الخسارة أن يخرج من الطاعة بوجه جميل أمام الناس، وقلب لم يزدد صدقًا مع الله.
دعاء ألا تصير الحسنات حصونًا للنفس
اللهم لا تجعل حسناتنا آخر حصون نفوسنا.
اللهم لا تجعل أعمالنا الصالحة محامين عن قلوب لم تتب.
اللهم لا تجعل الخير الذي نفعله حجابًا عن الخير الذي نحتاج أن يفعله فينا.
اللهم إذا فتحت لنا باب طاعة، فافتح لنا معه باب افتقار.
وإذا أجريت على أيدينا نفعًا، فأجرِ في قلوبنا صدقًا.
وإذا مدحنا الناس بما ظهر، فلا تنسنا ما سترت.
وإذا رأينا أثر أعمالنا، فلا تحجبنا عن رؤية فضلك.
اللهم لا تجعلنا نرد النصيحة باسم الخير، ولا نؤجل التوبة باسم الانشغال، ولا نحتمي من الصدق بسجل الأعمال.
اللهم اجعل كل عمل صالح طريقًا إليك، لا جدارًا بيننا وبينك.
واجعل طاعاتنا أبواب انكسار، لا عروش صورة.
واجعلنا إذا عملنا خفنا، وإذا نفعنا شكرنا، وإذا مُدحنا استغفرنا، وإذا نُصحنا قبلنا، وإذا رأينا من أنفسنا خيرًا رددناه إليك، وإذا رأينا عيبًا لم نهرب منه بما عملنا.
يا رب، لا تجعلنا نختبئ من حقيقتنا خلف ما نحسن فعله.
بل اجعل ما نحسن فعله سببًا لنرى حاجتنا إليك أوضح، وفقرنا إليك أصدق، ورجاءنا في قبولك أعظم.