تدعو الله بشيء تحبه من أعماق قلبك، ثم تمضي أيامك وكأن جزءًا منك ما يزال واقفًا عند الدعاء، ينتظر أي شيء يطمئنه.
انشراحًا مفاجئًا في صدرك.
كلمة سمعتها في وقت غريب.
بابًا تحرك بعد طول سكون.
رسالة جاءت في اللحظة التي كنت تفكر فيها بحاجتك.
حلمًا، أو تيسيرًا صغيرًا، أو موقفًا جعل قلبك يقول:
«لعلها علامة.»
وليس غريبًا أن تبحث النفس عن شيء يطمئنها؛ فالانتظار متعب، والغيب ثقيل على القلب حين يتعلق الأمر بشيء نحبه كثيرًا. وربما لا تريد من العلامة إلا أن تسمع بطريقة ما:
«اطمئن… دعاؤك لم يذهب سدى.»
لكن التعب يبدأ حين لا تأتي العلامة، أو حين تأتيك إشارة ظننت أنها تبشرك ثم تتغير الظروف بعدها، فتقول في نفسك:
«هل يعني هذا أن الله لم يستجب لي؟»
وهنا قد يصبح انتظار الدعاء أثقل مما كان، لا لأنك توقفت عن الدعاء، بل لأن قلبك صار يراقب كل شيء بعده.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
حين تبحث عن علامات استجابة الدعاء
يحدث أمر يسرك، فتفرح:
«ربما هذه بداية الإجابة.»
يتعطل سبب، فيهبط قلبك:
«ربما انتهى الأمر.»
تشعر ليلة بسكينة عجيبة بعد الدعاء، فتنام مطمئنًا. ثم تستيقظ في اليوم التالي مثقلًا، فتخاف:
«لو كان الله قد استجاب لي، فلماذا اختفت تلك الطمأنينة؟»
وقد تقرأ جملة لامست ما في قلبك، أو تسمع آية في وقت كنت تفكر فيه في حاجتك، أو ترى شيئًا يوافق ما ترجوه، فتتشبث به النفس لأنها متعبة وتريد ما يسندها.
ثم تبني عليه رجاء كبيرًا:
«لعل الله يخبرني أن ما أريده سيحدث.»
فإذا لم يقع ما توقعت، قد لا يؤلمك ضياع التوقع وحده، بل قد تقول بحزن:
«لكنني كنت أظن أن الله طمأنني.»
وهنا يحتاج قلبك إلى شيء من الرحمة، لا إلى مزيد من اللوم.
أنت لم تكن تبحث عن الغيب عبثًا.
أنت كنت خائفًا.
كنت تريد أن تعرف أن الدعاء الذي خرج من أعماقك لم يُترك في الطريق. كنت تريد شيئًا يقول لقلبك إن الله سمعك، وإن هذا الرجاء الذي تحمله لم يكن حديثًا في فراغ.
الوعد أثبت من العلامة
لكن الله، برحمته، لم يترك طمأنينتك معلقة بما يتغير كل يوم.
لم يجعل قربه منك مرتبطًا بإحساس يأتي ويذهب، ولم يجعل سماعه لدعائك متوقفًا على أن ترى بعده حلمًا أو مصادفة أو تيسيرًا معينًا.
بل قال سبحانه:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186].
تأمل كم في الآية من رحمة.
لم يقل لك: إذا شعرت بشيء فأنا قريب.
ولا: إذا رأيت علامة فقد سمعت دعاءك.
ولا: إذا تيسر لك ما تريد فاعلم أنني معك.
قال:
﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾.
قبل العلامة.
وقبل النتيجة.
وقبل أن تعرف ماذا سيحدث غدًا.
قربه منك ليس احتمالًا يحتاج إلى دليل من ظروفك؛ إنه خبر من الله.
ثم قال:
﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.
وهنا تحديدًا قد يتعب القلب؛ لأننا أحيانًا لا نفهم الإجابة إلا بصورة واحدة: أن يحدث الشيء نفسه الذي طلبناه، بالطريقة التي تخيلناها، وفي الوقت الذي انتظرناه.
فإذا تأخر، أو وقع على غير ما أردنا، دخل إلينا الخوف:
«هل ضاع دعائي؟»
لكن النبي ﷺ أخبر أن دعاء المسلم الذي ليس فيه إثم ولا قطيعة رحم لا يضيع؛ فإما أن يعجل الله له ما دعا به، أو يدخره له، أو يصرف عنه من السوء مثله.
وهذا معنى واسع جدًا للرحمة؛ لأنك قد ترى أثر دعائك، وقد لا تراه الآن. قد تأتيك حاجتك كما تمنيتها، وقد يأتيك من وراء الدعاء خير لم تكن قادرًا أصلًا على رؤيته. وقد يصرف الله عنك شرًا لن تعرف يومًا أنه كان في طريقه إليك، وقد يدخر لك من الخير ما لا تستطيع أن تقيسه بظروف هذه الأيام.
ولهذا، إذا لم تر ما كنت تنتظره، فلا تؤذ قلبك بجملة لم يقلها الله لك:
«لم يُستجب لي.»
قل بدلًا منها:
«أنا لا أعرف بعد كيف أجاب الله دعائي.»
وهناك فرق كبير بين الجملتين.
الأولى تغلق الباب، والثانية تتركه لله.
الأولى تجعل ما لم تره كأنه لم يقع، والثانية تعترف بحدود بصرك، من غير أن تسيء الظن بمن دعوت.
غياب العلامة ليس علامة على غياب الاستجابة
ولهذا أيضًا، غياب العلامة ليس علامة على غياب الاستجابة.
قد تمر أيام لا ترى فيها شيئًا: لا انشراحًا خاصًا، ولا تيسيرًا واضحًا، ولا حدثًا تستطيع أن تقول عنه: «هذا هو.»
لكن الصمت الذي تراه في الظروف ليس صمتًا من الله، وعدم معرفتك بما يجري لا يعني أن شيئًا لا يجري.
أنت ترى مساحة صغيرة جدًا من القصة، وترى اللحظة التي تقف فيها الآن. أما الله فيعلم ما قبلها وما بعدها، وما يصلحك فيها، وما يضرك، وما يحفظك، وما يفتح لك، وما يؤخر عنك رحمة لا تدركها الآن.
ولذلك لا بأس أن تفرح حين يأتيك ما يطمئنك.
إذا شعرت بعد الدعاء بسكينة، فاحمد الله عليها.
إذا تيسر لك سبب مشروع، فخذه وافرح.
إذا جاءك ما يفتح في قلبك باب الرجاء، فلا تطرد الفرح من نفسك.
لكن لا تطلب من هذه الأشياء أن تحمل أكثر مما تحتمل.
فالسكينة نعمة، لكنها ليست عقدًا على المستقبل.
والتيسير في خطوة نعمة، لكنه ليس ضمانًا بأن الطريق كله سينتهي بالصورة التي رسمتها.
والانقباض ليس دليلًا على الرفض.
وثقل القلب في يوم من الأيام لا يعني أن الله أبعدك.
وما وافق أمنيتك من أحداث الحياة قد يسرك ويقوي رجاءك، لكنك لست مطالبًا بأن تحوله إلى خبر مؤكد عن الغيب.
استبشر، لكن دع الغيب لله
استبشر، لكن دع الغيب لله.
افرح، لكن لا تجعل الفرح نبوءة.
ارجُ، لكن لا تجعل رجاءك متوقفًا على قراءة كل ما يحدث حولك.
لأن القلب إذا ربط طمأنينته بالإشارات فقط، أتعب نفسه من حيث أراد أن يريحها.
سيحتاج اليوم إلى علامة، ثم غدًا إلى علامة أخرى تؤكد الأولى. وإذا تعطل سبب، سيحتاج إلى شيء يطمئنه أن الأمر لم ينته. وإذا تغير شعوره، سيخاف أن كل ما سبق كان وهمًا.
وهكذا يعيش بين صعود وهبوط، بينما أمامه شيء أثبت من كل هذه التقلبات:
الله قريب.
الله يسمعك.
الله يعلم ما لم تستطع قوله في دعائك.
يعلم تلك الجملة التي قلتها وبكيت بعدها.
ويعلم الحاجة التي تعبت من تكرارها.
ويعلم كم مرة دعوت بها ثم خجلت من الإلحاح.
ويعلم كيف يعود قلبك إليها كلما حاولت أن تنساها.
لا تحتاج أن تثبت لله أنك تريدها أكثر؛ هو يعلم.
ولا تحتاج إلى أن ترى علامة كل صباح حتى تتأكد أنك لم تُنس؛ أنت لست منسيًا.
ما الذي يطلبه الله مني اليوم؟
وقد يكون أرحم ما تفعله بقلبك الآن أن تتوقف قليلًا عن سؤاله:
«ماذا تعني هذه الإشارة؟»
وتسأله بدلًا منها:
«ما الذي يطلبه الله مني اليوم؟»
قد يكون المطلوب دعاء آخر.
وقد يكون أن تأخذ بسبب مشروع لا يزال في يدك.
وقد يكون أن تنتظر يومًا آخر دون أن تستنزف قلبك في التوقع.
وقد يكون أن تكمل حياتك بينما حاجتك في قلبك، فلا تجعل كل أيامك غرفة انتظار.
وقد يكون أن تذهب إلى عملك، وتجلس مع أهلك، وتأكل، وتنام، وتعيش، وتعبد الله، بينما تقول له بين حين وآخر:
«يا رب، ما زلت أريدها.»
ولا حرج في ذلك.
التسليم لا يعني أنك لم تعد تريد.
والرضا بالله لا يعني أن أمنيتك أصبحت بلا قيمة.
وحسن الظن لا يطلب منك أن تتظاهر بأن الانتظار لا يؤلمك.
يمكنك أن تكون مؤمنًا بالله ومتعبًا في الوقت نفسه.
يمكنك أن تحسن الظن وتبكي.
يمكنك أن تثق بالله ولا تعرف كيف ستنتهي القصة.
يمكنك أن تقول:
«يا رب، أنا لا أفهم ما يحدث، لكنني لن أجعل جهلي بما تفعل بدعائي سببًا لسوء الظن بك.»
وهذه من أرحم صور العبودية:
ألا تعرف، ومع ذلك تبقى عند الباب.
ألا ترى، ومع ذلك تدعو.
ألا تحصل على خريطة، ومع ذلك لا تترك يد الرجاء.
ليس لأنك ضمنت النهاية التي تريدها، بل لأنك عرفت من تدعو.
لا تجعل الإشارة أقوى من الوعد
وقد يكون هذا هو الشيء الذي يحتاجه قلبك الليلة:
إذا دعوت ولم تر علامة، فلا تخف.
ولا تظن أن ثقل صدرك يعني أن أبواب السماء أغلقت.
ولا تجعل يومًا صعبًا يمحو كل ما تعرفه عن الله.
وإذا رأيت ما يسرك، فاستبشر به واشكر الله، لكن اترك له تفسير الغيب.
أنت لا تحتاج أن تعرف الآن كل ما يفعله الله بدعائك حتى تستمر في الدعاء.
يكفيك أن تعرف أن الدعاء لم يخرج من سمعه، وأن حاجتك لم تكن مجهولة عنده، وأنك حين رفعت يديك إليه لم تكن تخاطب غائبًا.
﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾.
ربما لم يقل لك الله بعد ماذا سيحدث، لكنه أخبرك من هو:
قريب.
وهذا، حين يطول الانتظار، ليس جوابًا صغيرًا.
فدع الإشارات تأتي إن جاءت، وتمضي إن مضت، ولا تجعل قلبك أسيرًا لها.
فقد تتبدل مشاعرك، وتتغير الظروف، وتفتح أسباب وتغلق أخرى.
أما الخبر الذي أعطاك الله إياه فلا يتبدل:
﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.
فلا تجعل الإشارة أقوى في قلبك من الوعد.