فهرس المحتويات — اضغط للعرض
قد تعرف أنك أخطأت، لكن الذي يؤلمك بعد الذنب ليس الندم وحده. أحيانا تشعر أن الفم الذي عصى لا يحق له أن يسأل، وأن عليك أن تصلح نفسك أولا، ثم تعود إلى الله.
فتحتاج إليه… وتبتعد عنه في الوقت نفسه.
تنزل بك حاجة، فترفع يديك، ثم يمر في قلبك شيء يشبه الخجل:
«بأي وجه أدعو الله وأنا أفعل ما أفعل؟»
تريد أن تقول: يا رب، لكن ذنبك يقف في ذاكرتك قبل أن تخرج الكلمة. تتذكر تقصيرك، أو معصية ما زلت تجاهدها، أو توبة نقضتها ثم عدت إليها، فتشعر كأن الدعاء امتياز للصالحين، وأن عليك أن تبلغ قدرا من الاستقامة قبل أن يسمح لك قلبك بأن تطلب من الله شيئا.
وهنا يمكن أن يصنع الذنب جرحا أخطر من الذنب نفسه: أن يقنعك بأن خطأك أبعدك عن الباب الذي لا تصلح إلا بالرجوع إليه.
فهل يستجيب الله دعاء العاصي؟
نعم، قد يستجيب الله دعاء العاصي. فالمعصية لا تجعل الدعاء باطلا بمجردها، ولا تعني أن العبد أصبح ممنوعا من أن يسأل ربه. لكن هذا لا يعني أن المعاصي لا أثر لها؛ فمنها ما يكون سببا في حرمان العبد من الخير أو من إجابة دعائه. ولذلك كانت التوبة، وطلب الحلال، وإصلاح الحال، من أعظم ما ينبغي أن يصاحب الدعاء.
والفرق بين الأمرين مهم جدا:
المعصية قد تكون من موانع الإجابة، لكنها ليست أمرا لك أن تتوقف عن الدعاء.
قال الله تعالى:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186].
تأمل موضع الأمان في الآية: لم يجعل الله بين العبد وبين دعائه طبقة من البشر، ولم يقل إن القرب لا يكون إلا لمن أكمل نفسه. جاء الخطاب إلى «عبادي»، ثم جاء الوعد بالقرب والإجابة، وجاء بعده التكليف بالاستجابة لله والإيمان به.
أنت لا تأتي إلى الله لأنك كامل.
أنت تأتي إليه لأنك عبد.
لكن النفس بعد المعصية قد تقلب العلاقة بطريقة خفية.
بدلا من أن تقول: «أذنبت، إذن أنا أحوج إلى الله»، تقول:
«أذنبت، إذن لا يليق بي أن أقترب.»
وكأن القرب من الله مكافأة يحصل عليها من انتهى من إصلاح نفسه، لا الطريق الذي يصلح العبد فيه نفسه أصلا.
فتؤجل الدعاء حتى تستقيم.
وتؤجل القرآن حتى يصفو قلبك.
وتؤجل التوبة الجادة حتى تشعر أنك قادر على ألا تعود أبدا.
ثم تمر الأيام، ولا تأتي تلك النسخة المثالية منك التي تنتظرها.
وهكذا يتحول الندم الذي كان ينبغي أن يقودك إلى الله إلى خجل يبعدك عنه.
وهذا من أسوأ ما يمكن أن يصنعه الذنب في القلب.
لأن العاصي لا يحتاج إلى أن يضيف إلى معصيته قطيعة.
يحتاج إلى توبة.
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن بعض المعاصي قد تقف في طريق الإجابة.
فذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: «يا رب، يا رب»، ثم ذكر أن مطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، وقال: «فأنى يستجاب لذلك» رواه مسلم.
وهذا الحديث لا يقول للعاصي: لا تدع.
بل يقول له شيئا أدق وأشد مسؤولية:
لا تطلب من الله وأنت مصر على أسباب تحرمك من الخير، ثم تتعامل معها كأنها لا شأن لها بدعائك.
هناك فرق بين عبد وقع في الذنب وهو يجاهد نفسه، ويستغفر، ويتوب كلما سقط، ولا يزال يطرق باب الله؛ وبين إنسان يريد أن يستمر في الحرام مطمئنا، ثم يجعل الدعاء بديلا عن التوبة.
الدعاء ليس تصريحا بالإقامة على المعصية.
والتوبة ليست شرطا لتستحق أن تخاطب الله؛ بل هي نفسها من أعظم ما تخاطبه به.
قد يكون أجمل ما تقوله في لحظة شعورك بالذنب:
«يا رب، أنا الذي أخطأت، وأنا الذي أحتاجك لأخرج مما أخطأت فيه.»
لا تنتظر حتى تصير قويا لتطلب القوة.
وهناك التباس آخر يحتاج إلى تصحيح.
إذا استجاب الله لك في أمر من أمور الدنيا، فلا تجعل الإجابة شهادة بأن كل شيء في حالك مرضي عنه. فقد يعطي الله العبد شيئا سأله إياه، ولا يكون ذلك تزكية لجميع أفعاله.
وإذا لم تر ما دعوت به، فلا تجعل عدم حصول مطلوبك حكما بأن الله طردك بسبب ذنب بعينه.
نحن لا نملك هذا الغيب.
لا تقل بعد تيسير أمر: «إذن الله راض عن كل ما أفعله.»
ولا تقل بعد تأخر أمر: «إذن ذنبي جعل الله لا يريدني.»
كلا الحكمين أكبر من الدليل الذي تملكه.
أنت تعرف شيئا واحدا واضحا: أن المعصية معصية فتتوب منها، وأن الدعاء عبادة فتستمر فيها، وأن الله أمر عباده أن يرجعوا إليه، ولم يأمر المذنب أن ينتظر حتى يصبح بلا ذنب ثم يبدأ الرجوع.
ولعل أعمق ما يحتاج العاصي إلى فهمه أن الشيطان لا يكتفي دائما بأن يوقع الإنسان في الذنب.
أحيانا يريد الثمرة التي تأتي بعده.
يذنب الإنسان، ثم يقول:
«أنا منافق.»
ثم:
«كل مرة أتوب وأعود، فما فائدة التوبة؟»
ثم:
«كيف أرفع يدي الآن؟»
ثم تمر أيام لم يعد فيها إلى الله كما كان.
هنا لم تعد المعركة على الذنب الأول وحده. لقد بدأ الذنب يصنع تصورا كاملا عن علاقتك بالله.
وأخطر ما في هذا التصور أنه يبدو متواضعا:
«أنا لا أستحق.»
لكن العبودية ليست مبنية على أنك تستحق.
نحن نسأل الله فقرا إليه، لا استحقاقا عليه.
ولهذا فإن اعترافك بالذنب لا ينبغي أن ينتهي بك إلى الصمت، بل إلى نوع أصدق من الدعاء؛ دعاء لا يقف فيه الإنسان أمام الله مزهوا بطاعته، ولا مطمئنا إلى نفسه، بل يعرف فقره ويعرف خطأه ويعرف أن لا ملجأ له من الله إلا إليه.
لا تجعل ذنبك حجة للابتعاد عمن لا يصلح ذنبك إلا بالرجوع إليه.
إذا كان في حياتك ذنب تعرفه، فلا تستخدم هذا الكلام لتطمئن إليه.
تب.
وإذا كان متعلقا بحق إنسان، فرد الحق أو اطلب المسامحة بحسب ما يلزم.
وإذا كان بابا يتكرر سقوطك فيه، فأغلق ما تستطيع من أسبابه، واستعن بالله عليه، ولا تجعل تكرار التعثر حجة لترك المجاهدة.
لكن افعل ذلك كله وأنت تدعو.
قل: يا رب، اغفر لي.
ويا رب، أعني على ترك ما لا يرضيك.
ويا رب، أصلح قلبي.
ويا رب، ارزقني الحلال واصرفني عن الحرام.
ثم اسأله حاجتك أيضا.
لا يوجد تناقض بين أن تدخل على الله بذنب تتوب منه، وحاجة ترجوه فيها. بل قد يكون انكسارك الصادق من أصدق اللحظات التي تعرف فيها حقيقة افتقارك.
فلا تقل:
«حين أصبح أفضل سأعود إلى الله.»
قل:
«سأعود إلى الله كي أصبح أفضل.»
وإذا وجدت نفسك الليلة محتاجا إلى أن ترفع يديك، فلا تنتظر نسخة أخرى منك.
ادع الله بهذا القلب نفسه: بقصوره، وندمه، وحاجته، ورغبته في الرجوع.
تب من ذنبك، ولا تتخذ ذنبك بابا إلى اليأس.
واسأل ربك، لا لأنك تزعم أنك أهل لكل عطاء، بل لأنك تعرف من أنت أمامه:
عبد أخطأ… وما زال له رب يدعوه إلى الرجوع.