
ربما لا تسأل هذا السؤال لأنك تريد شيئًا جديدًا، بل لأنك تريد أن تطمئن إلى أن ما انكسر فيك لم يذهب هباءً؛ وأن الباب الذي أُغلق لم يكن مجرد خسارة، وأن السنوات التي انتظرت فيها، والشيء الذي أحببته ثم لم يتم، والأمنية التي تعلقت بها ثم ابتعدت، والقلب الذي اضطر إلى تقبّل ما لم يكن يريد تقبّله… لن تكون كلها مجرد صفحة مؤلمة في حياتك وتنتهي.
ولهذا تقول:
كيف أعرف أن الله سيعوضني؟
لكن السؤال في أعماقه ليس دائمًا:
ماذا سيعطيني الله؟
بل:
هل سيترك الله هذا الألم بلا جبر؟
وهنا ينبغي أن تعرف شيئًا مهمًا جدًا: أنت أحيانًا لا تبحث عن العوض نفسه، بل عن دليل مسبق عليه. تريد أن ترى الباب الجديد قبل أن تطمئن إلى إغلاق الباب القديم، وأن تعرف ما الذي سيأتي بدل الذي ذهب، وأن ترى الحكمة قبل أن تهدأ.
كأن قلبك يقول:
يا رب، إن كنت قد أخذت مني هذا، فأرني الآن ما ستضعه مكانه حتى أستطيع أن أطمئن.
لكن كثيرًا من تربية الله لك تبدأ من هنا بالذات: أن تثق به قبل أن ترى البديل.
فهرس المحتويات
العوض لا يكون دائمًا نسخة مما فقدت
نحن غالبًا نفهم العوض بطريقة ضيقة جدًا. نظن أن العوض يعني أنني إذا فقدت شخصًا، فسيأتيني شخص أفضل، وإذا خسرت فرصة، فستأتيني فرصة أكبر، وإذا تأخر زواجي، فسيأتيني ما كنت أتمناه تمامًا، وإذا خسرت مالًا، فسيعود إليّ أكثر منه، وإذا أُغلق باب، فسيُفتح فورًا باب أجمل.
ولهذا نراقب الحياة بعد كل خسارة ونسأل: أين التعويض؟ مر شهر، ثم عام، ولم يتغير شيء. فهل لم يعوضني الله؟
لكن المشكلة ربما ليست في غياب العوض، بل في أنك رسمت له شكلًا واحدًا، ثم بدأت تبحث عنه وحده. والله قد يعوض الإنسان بشيء لا يشبه ما فقده أصلًا: ببصيرة لم تكن لديه، أو بقلب أصبح أقل تعلقًا بما يفنى، أو بعلاقة بالله لم تكن لتولد في أيام الرخاء، أو بباب نجاة لم يدرك أنه كان يحتاج إليه، أو بأن يصرف عنه شرًا كان يمشي إليه وهو يظنه حلمه، أو بأن يمنحه بعد سنين شيئًا سيفهم عنده لماذا كان لا بد أن يسقط الشيء الأول.
وهذا المعنى يقترب من التأمل في العوض بعد الفقد وما يبقى في القلب بعد الخسارة.
وقد يكون أعظم العوض محفوظًا له حيث لا تُقاس الأشياء بمقاييس الدنيا أصلًا.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
لاحظ التعبير: لم يقل إن كل صابر سيأخذ في الدنيا الشيء نفسه الذي فقده بصورة أجمل، لكنه أخبرك أن صبرك لن يضيع عنده.
وهذا أرسخ من كل توقع نصنعه نحن.
حين تقول: أريد ما فقدته هو
وأحيانًا تكون أكثر جملة تتعبك هي:
«لكنني أريد ما فقدته هو.»
لا تريد درسًا، ولا قوة، ولا نضجًا، ولا بابًا آخر. تريده هو: الشخص نفسه، والفرصة نفسها، والحياة نفسها التي كنت قد رسمتها.
وهذه مشاعر بشرية مفهومة. فالإيمان لا يطلب منك أن تتظاهر بأن ما فقدته لم يكن عزيزًا، ولا أن تقول إنك لم تكن تريده. لكنه ينقلك من سؤال:
«هل سيعيد الله إليّ الشيء نفسه؟»
إلى سؤال أكبر:
«هل أثق أن اختيار الله لي أرحم بي من اختياري لنفسي، حتى لو لم أفهمه الآن؟»
وهنا يظهر المعنى العميق لقوله تعالى:
﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
المشكلة أن الإنسان يرى الشيء من جهة واحدة: كم أحبه، وكم انتظرته، وكم دعا لأجله، وكم كان سيفرح لو حدث. أما الله فيعلم ما وراء الباب كله؛ يعلم الشيء، وما سيأتي بعده، وما سيفعله بقلبك، وما سيجرّه إلى حياتك، وما سيحجبه عنك بسببه.
وأنت لا ترى إلا الصفحة التي أنت فيها، وهو سبحانه يعلم الكتاب كله.
كيف أعرف أن الله سيعوضني دون قراءة الغيب؟
ولهذا فإن سؤال:
«كيف أعرف أن الله سيعوضني؟»
لا ينبغي أن يتحول إلى محاولة لقراءة الغيب. لا تبحث عن إشارات في كل شيء، ولا تجعل حلمًا أو مصادفة أو شعورًا عابرًا شهادة بأن عوضًا محددًا قادم في موعد محدد، ولا تربط إيمانك بالله بأن يحدث السيناريو الذي تخيلته.
ليس الإيمان أن تعرف ماذا سيفعل الله غدًا، بل أن تعرف من هو الله حتى حين لا تعرف ماذا سيفعل غدًا.
تعرف أنه حكيم، رحيم، لطيف، لا يظلم عباده، ولا يضيع عمل العاملين، ولا يضيع صبر الصابرين. ولا تخفى عليه دمعة قاومت سقوطها، ولا ليلة قضيتها تحاول أن ترضى وأنت موجوع، ولا دعاء دعوت به ثم لم تر نتيجته التي أردتها.
قد لا تعرف ماذا سيأتي، لكن يمكنك أن تعرف عند من بقي ما قدمته. وهذه هي الطمأنينة الحقيقية.
دعاء المصيبة ومعنى الخلف
ومن أجمل ما يعلمنا إياه دعاء المصيبة الذي علّمه النبي ﷺ:
«اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها».
تأمل العبارة: لم يعلّمك النبي ﷺ فقط أن تقول: أعد إليّ ما فقدت، بل:
أجرني… واخلف لي خيرًا.
أي أن هناك مستويين: أجرًا لا يضيع، وخلفًا يقدّره الله بما يعلم أنه خير.
وهذه نقطة بالغة العمق؛ لأنك قد تعرف الشيء الذي فقدته، لكنك لا تعرف الشيء الذي يصلح أن يكون عوضًا عنه. أنت تعرف ألمك، أما الله فيعرف علاجك. أنت تعرف ما تتمناه، أما الله فيعرف ما تحتاجه. أنت تعرف ما تريد أن يعود، أما الله فيعلم ما الذي ينبغي أن يبدأ.
حين يصبح المفقود مقياس كل عطاء
وقد يكون من أشد ما يؤخر شعورك بالعوض أنك ما زلت تقيس حياتك كلها بالشيء الذي فقدته. كل خير يأتيك تقول: نعم… لكن ليس هو. وكل باب يفتح تقول: جميل… لكنني كنت أريد ذلك الباب. وكل نعمة تحضر تقول: الحمد لله… لكن أين ما دعوت به؟
وهكذا قد تمر بعض عطايا الله بجوار قلبك فلا يراها؛ لأنه واقف عند قبر أمنية قديمة، يطالب الحياة بأن تعيدها.
ليس المقصود أن تنسى، ولا أن تتوقف عن الدعاء إن كان الأمر مباحًا وممكنًا، لكن لا تجعل الشيء الذي فقدته يصبح المقياس الوحيد لكرم الله معك.
فربما كان الله يعطيك الآن بالفعل، لكنك لا تزال تنظر في الاتجاه القديم.
دع الله يختار صورة العوض
وهناك فرق كبير بين شخص يقول:
«يا رب، عوضني بالطريقة التي أريدها.»
وشخص يقول:
«يا رب، عوضني بما تعلم أنه خير لي، ثم ارزقني قلبًا يعرف عوضك حين يأتي.»
الثانية أصعب؛ لأنها تسحب من يدك حق كتابة السيناريو، لكنها أصدق في التوكل.
وهذا قريب من معنى طلب البديل من الله دون حصر الخير في صورة واحدة.
فقد يكون العوض رجوع شيء، وقد يكون نجاتك من رجوعه. وقد يكون بابًا جديدًا، وقد يكون انطفاء الحاجة القديمة في قلبك. وقد يكون حصولك على ما تمنيت، وقد يكون بلوغك مرحلة تستغرب فيها كيف كنت تظن أن حياتك ستنتهي إن لم تحصل عليه.
أحيانًا يعوضك الله بتغيير الواقع، وأحيانًا يعوضك بتغييرك أنت حتى لا يعود الواقع القديم قادرًا على كسرك.
حين تقول: لكنني تعبت
وقد تقول: لكنني تعبت.
وهنا تحديدًا لا تحتاج إلى وعد بشري بأن كل شيء سيتغير قريبًا؛ فلا أحد يملك هذا الوعد. لكن لديك ما هو أصدق: أن الله يرى تعبك، وأن ما عنده لا يضيع، وأن حياتك ليست الصفحة التي تؤلمك الآن فقط، وأن الحكمة قد تكون موجودة قبل أن تستطيع رؤيتها، وأن ما فاتك لم يخرج عن علمه، وأن ما سيأتيك لن يخطئ طريقه إليك، وأن ربك الذي رأى بداية القصة يعرف نهايتها.
لا تجعل سلام قلبك معلقًا على رؤية العوض
فلا تجعل سلام قلبك معلقًا على أن ترى العوض أولًا. قل:
يا رب، أنا لا أعرف كيف ستجبرني، ولا متى، ولا هل سيكون الجبر في الشيء الذي أريده أم في شيء لم يخطر لي أصلًا. لكنني أعرف أنني لا أتعامل مع دنيا عمياء، بل أتعامل مع رب حكيم.
وأعرف أنني قد لا أرى في هذه الدنيا ثمار كل ما صبرت عليه، لكن شيئًا مما كان لله لا يضيع عنده.
ربما يكون الجبر قد بدأ
وربما بعد سنوات ستنظر إلى بعض ما بكيت عليه اليوم وتقول:
الآن فقط فهمت لماذا لم يحدث.
وربما لن تفهم كل شيء في الدنيا، وهذا أيضًا جزء من العبودية. فليس كل جبر يجب أن يسبقه تفسير، وليس كل عوض يجب أن يشبه المفقود، وليس كل خير يجب أن يأتي بالصورة التي كنت ستختارها.
ولهذا، لا تجعل السؤال:
متى سيعوضني الله؟
يستهلك عمرك كله. اسأل سؤالًا أهدأ:
كيف أعيش بين يدي الله حتى يأتي ما كتبه لي، دون أن أجعل قلبي أسيرًا لما فات؟
ثم امض، وادع، واعمل، وافتح قلبك لما بقي لا لما ذهب فقط. واطلب من الله العوض، لكن لا تمْلِ عليه صورته. وابك إن احتجت، واشتق إن اشتقت، لكن لا تجعل ألمك يكتب عن الله حكمًا لم يقله.
وإذا وجدت نفسك تفسر كل ألم بوصفه حكمًا إلهيًا خاصًا عليك، فقد يفيدك أيضًا: هل ما يحدث لي عقاب من الله؟
فقد يتأخر عنك فهم الجبر…
بينما يكون الجبر نفسه قد بدأ منذ زمن.
ربما بدأ في أشياء صرفها الله عنك، ولم تعرف إلى اليوم ما كان وراءها. وربما بدأ حين أبقاك قريبًا منه في وقت كان يمكن أن تبتعد، وربما بدأ حين أعاد ترتيب قلبك، وربما بدأ حين جعلك تعرف أن بعض الأشياء التي ظننت أنك لا تستطيع العيش بدونها… مضت، وبقيت أنت.
وبقي الله.
وهنا ربما يكون أول العوض:
ألا يعود قلبك محتاجًا إلى رؤية البديل حتى يثق بربه.