يأتي هذا السؤال غالبًا بعد طريق طويل.
في البداية تدعو ببساطة.
يا رب، ارزقني.
يا رب، اشفني.
يا رب، افتح لي.
يا رب، فرّج.
ثم يطول الانتظار.
ويبدأ العقل يبحث خلف الدعاء نفسه.
فتقول:
لحظة…
إذا كان الله يعلم أصلًا ما سيحدث…
وقد كتب ما سيكون…
فماذا يفعل دعائي؟
إن كان هذا الشيء مقدرًا لي، ألن يصل إليّ في النهاية؟
وإن لم يكن مقدرًا، فهل ستجعله كلماتي مقدرًا؟
فلماذا أدعو؟
وهنا قد تشعر أنك أمسكت بتناقض كبير:
قدر مكتوب من جهة… ودعاء يطلب تغيير الواقع من جهة أخرى.
لكن التناقض لا يقع بين القدر والدعاء.
التناقض وقع في الصورة التي صنعتها أنت للقدر.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
- القدر لا يلغي الأسباب
- لماذا يبدو الدعاء مختلفًا عن بقية الأسباب؟
- أنت لا تعرف ما كُتب
- لماذا أدعو والله يعلم حاجتي؟
- هل الدعاء يغيّر ما كُتب؟
- مسؤوليتك فيما كشفه الله لك
- قبل الفعل التكليف وبعده التفويض
- حين يكون السؤال تعبًا لا فلسفة
- الإيمان بالقدر ليس علمًا بالغيب
- لا تحتاج إلى حل لغز القدر كي تدعو
- ماذا تقول حين يعود السؤال؟
- القاعدة التي تبقى
القدر لا يلغي الأسباب
أنت تتخيل القدر أحيانًا بهذه الطريقة:
هناك نهاية كتبها الله.
ثم جاءت حياتك بعدها.
ثم قال لك:
تحرك.
اعمل.
ادع.
مع أن النتيجة محسومة أصلًا.
فتسأل:
وما فائدة الحركة إذن؟
لكن هناك شيء ناقص في هذه الصورة.
الله لم يقدّر النهايات فقط.
بل قدّر الأسباب التي تجري بها النهايات.
قدّر أن تأكل فيقع الشبع.
وأن تعمل فيأتيك من الرزق ما قدّر.
وأن تتداوى فيقع من الشفاء ما شاء الله.
وأن تتعلم فتحصل من العلم على ما كتب لك.
وقدّر أن تدعو…
فيقع بسبب دعائك ما قدّره سبحانه.
إذن الدعاء ليس شيئًا دخل بعد اكتمال القدر ليحاول تعديله من الخارج.
الدعاء نفسه داخل القدر.
ولو كانت حجتك صحيحة، لاستطعت أن تستعملها في كل شيء.
تقول:
إن كان الله قد كتب أنني سأشبع…
فسأشبع بلا طعام.
وإن كتب أنني لن أشبع…
فلن ينفع الطعام.
فلماذا آكل؟
لكن أحدًا لا يعيش هكذا.
وتقول:
إن كان الله قد كتب لي النجاح فسأنجح بلا دراسة.
وإن لم يكتبه فلن تنفع الدراسة.
فلماذا أدرس؟
ولا تفعل.
وإذا مرضت، لا تقول للطبيب:
إن كان الشفاء مقدرًا سيقع من غير علاج.
بل تبحث عن السبب.
لماذا؟
لأنك تفهم بالفطرة شيئًا مهمًا:
كون النتيجة مقدرة لا يعني أن الطريق إليها بلا أسباب.
فلماذا حين تصل إلى الدعاء تغيّر القاعدة؟
لماذا تقبل أن يكون الدواء سببًا داخل القدر…
والعمل سببًا داخل القدر…
والتعلم سببًا داخل القدر…
ثم تتعامل مع الدعاء كأنه خصم للقدر؟
لماذا يبدو الدعاء مختلفًا عن بقية الأسباب؟
ربما لأن الدعاء يبدو لك مختلفًا.
الطعام مفهوم.
الدواء مفهوم.
العمل مفهوم.
هناك علاقة تراها بعينك بين السبب والنتيجة.
أما الدعاء…
فأنت تقول كلمات لا ترى بعدها مباشرة شيئًا يتحرك.
فيسهل على العقل أن يسأل:
ماذا صنعت هذه الكلمات؟
لكن هنا تحتاج أن تتذكر:
أنت لا تحدد حقيقة السبب فقط بما تستطيع رؤيته.
الله هو الذي جعل الأسباب أسبابًا.
وهو الذي قال:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
[غافر: 60]
تأمل المفارقة.
الذي كتب القدر هو نفسه الذي أمرك بالدعاء.
فلو كان وجود القدر يجعل الدعاء بلا معنى…
فكيف يأمرك رب القدر بشيء أبطله قدره؟
المشكلة إذن ليست في الدعاء.
بل في فهمنا للقدر.
أنت لا تعرف ما كُتب
أنت تتصرف أحيانًا كأنك رأيت ما كُتب.
تقول:
إن كان مقدرًا لي سيأتيني.
لكن من قال لك إنه مقدر لك من غير هذا الدعاء؟
ومن قال لك إن الطريق الذي كتبه الله إلى هذا الشيء لا يمر بليلة رفعت فيها يديك؟
ومن قال لك إن بعض ما سيقع في حياتك لم يُقدّر أن يقع بسبب دعائك؟
أنت لا تعرف المكتوب.
وهذه النقطة تغيّر السؤال كله.
لأن عبارتك:
«إن كان مكتوبًا سيحدث ولو لم أدع»
تفترض معلومة لا تملكها.
من أين عرفت أنه كُتب أن يحدث ولو لم تدع؟
أنت لا تعرف إلا شيئًا واحدًا:
أنك لا تعرف.
وقد أمرك الله أن تدعو.
وهنا ربما نصل إلى أصل الالتباس:
أنت تستخدم علم الله بالغيب كأنه صار علمك أنت بالغيب.
الله يعلم النهاية.
أنت لا تعلمها.
الله يعلم ماذا سيقع.
أنت تقف الآن في منتصف الطريق.
الله يعلم أي الأسباب ستجري.
أنت مأمور أن تأخذ بالأسباب التي شرعها وأباحها.
فليس من حقك أن تقول:
بما أن الله يعرف النتيجة، فلا حاجة لأن أتحرك.
لأن معرفته ليست معرفتك.
القدر معلوم لله… لكنه غيب عنك.
ولهذا تعيش عبدًا، لا قارئًا للوح المحفوظ.
القدر ليس ورقة أعطاك الله إياها مكتوبًا فيها:
هذا سيحدث، وهذا لن يحدث.
ثم قال لك:
تصرف على ضوئها.
لو كان الأمر كذلك، لكان السؤال مفهومًا.
لكن الله حجب عنك الغيب.
ثم أعطاك التكليف.
قال لك:
اعمل.
واسع.
وتداو.
واستغفر.
وادع.
وتوكل.
ثم فوّض النتيجة إليه.
القدر ليس معلومة أُعطيت لك لتتوقف عن الفعل.
القدر غيب حُجب عنك، وأنت مأمور أن تقوم بما عليك دون أن تدّعي علم ما لم يُكشف لك.
لماذا أدعو والله يعلم حاجتي؟
وقد تقول:
لكن إذا كان الله يعلم حاجتي قبل أن أتكلم…
فلماذا أقولها؟
هذا سؤال آخر.
وأحيانًا هو أعمق من السؤال الأول.
الله يعلم.
يعلم حاجتك قبل أن تصوغها.
ويعلم ما في صدرك قبل أن تحوله إلى كلمات.
ويعلم ما ستطلبه غدًا.
إذن لماذا:
يا رب؟
لأن الدعاء لم يُشرع لإخبار الله بما يجهل.
أنت لا ترسل إليه تقريرًا.
أنت تعبد.
حين تقول:
يا رب، ارزقني…
أنت لا تضيف معلومة إلى علم الله.
أنت تعلن فقرك.
وحين تقول:
يا رب، اشفني…
أنت لا تنبهه إلى مرض لم يره.
أنت تقف في مقام العبد أمام ربه.
وحين تقول:
يا رب، أعني…
أنت لا تعطيه خبرًا جديدًا عن ضعفك.
أنت تعترف بحقيقة وجودك:
أنك تحتاج، وهو الغني.
وهنا يظهر شيء ربما ضاع منا حين اختصرنا الدعاء في «طريقة للحصول على الأشياء».
الدعاء ليس زرًا.
وليس طلب خدمة من السماء.
وليس فقط وسيلة تنتظر بعدها النتيجة.
الدعاء نفسه عبادة.
ولذلك قد تدعو بشيء…
ثم لا تحصل على الصورة التي طلبتها…
ومع ذلك لم يصبح الدعاء بلا معنى.
لأن معناه لم يكن محصورًا أصلًا في النتيجة.
في كل مرة قلت:
يا رب…
كنت تحقق شيئًا أعظم من مجرد إرسال طلب.
كنت تعرف موضعك.
عبد يطلب من رب.
وهنا اسأل نفسك:
لو كان الله سيعطيك كل شيء من غير أن تحتاج إلى أن تسأله…
هل ستظل تقول:
يا رب؟
ربما يكشف لك هذا السؤال لماذا الدعاء أكثر من وسيلة.
لأن الله لا يريد منك فقط نتيجة.
بل عبودية.
وأنت لا تحتاج إليه فقط يوم يغلق السبب.
أنت محتاج إليه قبل السبب وأثناءه وبعده.
حتى حين يعطيك…
فأنت محتاج إليه ليبارك.
وحين يمنع…
محتاج إليه ليحفظ قلبك.
وحين لا تفهم…
محتاج إليه لكيلا يحول جهلك إلى سوء ظن.
فالدعاء ليس حلقة طارئة بسبب نقص في القدر.
الدعاء جزء من علاقتك برب القدر.
هل الدعاء يغيّر ما كُتب؟
وقد تقول:
لكن هل الدعاء يغيّر ما كُتب؟
وهنا ربما الأفضل ألا تجعل قلبك يدخل في عبارة ملتبسة قبل أن تضبط السؤال.
أنت لا تقف أمام المكتوب لتراه.
ولا تعرف ماذا في اللوح المحفوظ ثم تحاول أن تعدله.
هذه ليست تجربتك أصلًا.
تجربتك هي:
لا تعرف ما كُتب.
تعرف أنك مأمور بالدعاء.
وقد يكون مما قدّره الله أن تدعو…
وأن يقع بسبب ذلك الدعاء ما قدّره.
فبدل أن تتخيل الدعاء كأنه يقف أمام القدر ويقول له:
غيّر طريقك…
افهمه هكذا:
الدعاء يجري في الطريق الذي قدّره الله أصلًا.
ولعل المشكلة كلها في صورة ذهنية صغيرة:
نحن نرسم القدر خطًا مستقيمًا.
وفي آخره النتيجة.
ثم نرسم الدعاء خارج الخط.
ونسأل:
هل يستطيع أن يدخل ويغير النهاية؟
لكن لماذا وضعته خارج الخط أصلًا؟
دعاؤك.
قرارك.
سعيك.
أكلك.
علاجك.
سفرك.
توقفك.
كلماتك.
كل ذلك يجري داخل عالم الله.
لا يوجد شيء من أفعالك يهرب خارج القدر ثم يعود ليصارعه.
أنت لا تخرج من قدر الله حين تدعو.
أنت تنتقل في قدر الله بدعاء قدّره الله.
مسؤوليتك فيما كشفه الله لك
وهنا ينهار سؤال آخر:
«إذا كان كل شيء مكتوبًا، فما مسؤوليتي؟»
مسؤوليتك فيما كشفه الله لك.
لم يكشف لك النتيجة.
كشف لك الأمر.
وهذا فرق شديد الأهمية.
أنت لا تعرف:
هل ستُشفى؟
لكن تعرف:
يجوز لك أن تتداوى وتدعو.
لا تعرف:
هل ستحصل على العمل؟
لكن تعرف:
عليك أن تسعى فيما أباح الله وتدعوه.
لا تعرف:
هل سيتغير الأمر الذي أرهقك؟
لكن تعرف:
أن باب الدعاء مفتوح.
فلماذا تترك المعلوم بسبب مجهول؟
العبد يتعامل مع الأمر الذي يعرفه، لا مع القدر الذي لا يراه.
تخيل شخصًا يقف أمام بابين.
لا يعرف ما وراء أي منهما.
وقد قيل له:
اسلك هذا الطريق.
فيقول:
لكن الله يعلم أي باب سأدخل.
نعم.
الله يعلم.
لكن هل أنت تعلم؟
لا.
إذن علم الله لا يلغي حاجتك إلى الاختيار والعمل.
وهكذا الدعاء.
أن الله يعلم أنك ستدعو…
لا يجعل دعاءك غير حقيقي.
وأن الله يعلم نتيجته…
لا يجعل السبب عديم المعنى.
العلم لا يجبر السبب على أن يصبح بلا قيمة.
وقد تسأل:
إذا كان الله قد كتب كل شيء، فحتى دعائي مكتوب؟
نعم، ما يقع منك لا يخرج عن علم الله وقدره.
لكن لا تجعل هذه الحقيقة سببًا للشلل.
لأن العبارة نفسها تنطبق على كل طاعة.
صلاتك من قدر الله.
فهل تقول:
إن كانت الصلاة مقدرة علي فسأصلي بلا أن أقوم؟
توبتك من قدر الله.
فهل تقول:
إن كان الله قد كتب أن أتوب فسأتوب من غير قرار؟
سعيك من قدر الله.
فهل تجلس؟
لا.
أنت تعمل.
ثم إذا وفّقك الله للعمل علمت أن التوفيق منه.
الإيمان بالقدر لا يطلب منك ألا تفعل.
بل يعلّمك ألا تنسب الفعل ونتيجته إلى نفسك استقلالًا عن الله.
قبل الفعل التكليف وبعده التفويض
وهنا تظهر واحدة من أخطر استعمالات القدر:
أن نستعمله قبل الفعل ذريعة.
نقول:
إن كان مكتوبًا سيأتي.
ثم لا ندعو.
لا نسعى.
لا نحاول.
لكن بعد أن نفعل ما علينا…
نعود إلى القدر بطريقة صحيحة ونقول:
فعلت ما استطعت، والنتيجة لله.
هذا هو الفرق.
قبل الفعل: التكليف.
وبعد الفعل: التفويض.
أما أن تقلبهما…
فتفوض قبل أن تعمل، ثم تحتج على النتيجة بعد أن قصرت…
فهذه ليست حقيقة التوكل.
ربما لهذا تحتاج إلى قاعدة تحفظها:
لا تستخدم إيمانك بالقدر لإلغاء السبب الذي أمرك رب القدر أن تأخذ به.
إذا جعت:
كل.
إذا مرضت:
تعالج.
إذا جهلت:
تعلم.
إذا أردت رزقًا:
اسع.
وإذا احتجت ربك:
ادع.
كل واحد منها سبب في بابه.
ولا يقول العاقل:
لأن الله كتب النتيجة، سأترك السبب.
حين يكون السؤال تعبًا لا فلسفة
ثم هناك شيء أدق.
أحيانًا لا يكون سؤالك فلسفيًا أصلًا.
أحيانًا تقول:
إذا كان كل شيء مقدرًا فلماذا أدعو؟
لكن الذي تقصده في الحقيقة:
أنا تعبت من الدعاء، وأريد سببًا يجعلني أتوقف دون أن أشعر أنني استسلمت.
القدر يصبح هنا حجة يتكئ عليها القلب المتعب.
تقول:
ما الفائدة؟
لكن ربما الذي يؤلمك ليس مسألة القدر.
بل أنك دعوت كثيرًا ولم تر ما تريد.
وهنا ينبغي أن تكون صادقًا مع نفسك.
لا تحول تعبك إلى مسألة عقدية إذا كان جرحك الحقيقي هو الخيبة.
قل:
يا رب، أنا متعب.
أنا لا أفهم لماذا طال الأمر.
أنا أخاف أن يكون دعائي بلا أثر.
ثم عالج هذا الجرح في مكانه.
أما القدر…
فليس خصمك.
الإيمان بالقدر ليس علمًا بالغيب
وقد تقول:
لكن ماذا لو كان الشيء غير مكتوب لي؟
مرة أخرى:
أنت لا تعرف.
هذه الجملة ليست تهربًا من السؤال.
هي قلب الجواب.
لا تعرف.
ولهذا تدعو.
ولهذا تسعى.
ولهذا ترجح بين الخيارات.
ولهذا تستخير.
ولهذا تخاف وترجو.
لو كنت تعرف ما كُتب بالتفصيل…
لتغيرت طبيعة التكليف كله.
لكن الله لم يجعلك تعيش بعلم الغيب.
جعلك تعيش بالإيمان به.
والفرق كبير.
الإيمان بالقدر أن تعلم أن الله قدّر.
وليس أن تعرف أنت ماذا قدّر.
وهنا ربما تفهم لماذا السؤال:
«إن كان مقدرًا فسيأتيني»
ناقص.
الأكمل أن تقول:
إن كان الله قد قدّر لي شيئًا، فسوف يقع بالطريقة التي قدّرها.
وقد تكون من تلك الطريقة:
دعوة.
وسعي.
ومحاولة.
وتوبة.
واستخارة.
وطريق طويل.
أنت لا تعرف.
فلا تحذف الأسباب من القصة ثم تقول:
النتيجة مكتوبة.
لأن الأسباب نفسها قد تكون مكتوبة معها.
لا تحتاج إلى حل لغز القدر كي تدعو
والأجمل أنك حين تدعو، لا تحتاج إلى حل لغز القدر أولًا.
الله لم يقل لك:
افهم كيف يعمل القدر كله، ثم ادعني.
قال:
﴿ادْعُونِي﴾.
هذا يكفيك في مقام العمل.
قد تبقى في ذهنك مسائل.
وقد تحتاج أن تتعلم العقيدة بتفصيلها.
لكن في لحظة الاحتياج…
أنت لا تحتاج أن ترى اللوح المحفوظ.
تحتاج أن تعرف أنك عبد.
وأن لك ربًا قال لك:
ادعني.
ماذا تقول حين يعود السؤال؟
ولذلك حين يأتيك السؤال ليلًا:
إذا كان الله يعلم ما سيحدث، فلماذا أرفع يدي؟
قل:
لأن الذي يعلم ما سيحدث هو نفسه الذي أمرني أن أرفعها.
وحين يقول عقلك:
إن كان مقدرًا سيأتي.
قل:
وأنا لا أعرف ماذا قدّر، ولا بأي سبب قدّر أن يأتي.
وحين يقول:
وإن لم يكن مقدرًا؟
قل:
أنا لم أُكلّف بقراءة الغيب.
كُلّفت أن أدعو.
وحين يقول:
فما الذي يصنعه دعائي؟
قل:
يكفيني أولًا أنه عبادة أمرني الله بها، وأنه سبب شرعه الله، وأن ما يقع به لا يخرج عن قدر الله.
وربما تصل هنا إلى سؤال أعمق:
هل أريد من الإيمان بالقدر أن يريحني… أم أن يعفيني من العبودية؟
لأن بعضنا يحب القدر حين يقول له:
سلّم.
لكنه يستعمله خطأ حين يقول له:
لا تفعل شيئًا.
والفرق هائل.
التسليم ليس شللًا.
والتوكل ليس تركًا للأسباب.
والقدر ليس بابًا للهروب من:
يا رب.
بل أحد الأسباب التي تجعلك تقولها وأنت تعرف أنك لا تملك النهاية.
وفي الحقيقة…
لو كنت تملك النهاية، ربما لما دعوت بهذا الافتقار.
لكن لأنك لا تملكها…
تعود.
يا رب.
وأنت لا تعرف.
يا رب.
وأنت تخاف.
يا رب.
وأنت تحاول.
يا رب.
وأنت لا تعرف هل سيأتي الشيء الذي تريده أم لا.
وهنا تتجلى العبودية.
ليس في أن تعرف ثم تطلب.
بل في أن لا تعرف، ومع ذلك تعرف إلى من تذهب.
فلا تجعل القدر جدارًا بينك وبين الدعاء.
القدر ليس جدارًا.
هو الإطار الذي يقع فيه الدعاء نفسه.
ولا تقل:
إذا كان الله كتب كل شيء فما فائدة سؤالي؟
بل قل:
من جملة ما كتب الله أن يكون في هذا العالم عبد يرفع يديه، ورب يسمعه، وأسباب تجري بأمره، ونتائج لا تخرج عن علمه.
أنت واحد من هذه القصة.
ولست خارجها.
وحين تحتاج إلى شيء غدًا…
لا تقف أمام الغيب وتسأل:
هل كُتب أم لا؟
هذا باب مغلق عنك.
قف أمام الباب الذي فُتح لك:
الدعاء.
قل:
يا رب، إن كان فيه خير فارزقنيه.
يا رب، يسّره.
يا رب، افتح.
ثم اسع.
ثم انتظر.
ثم فوّض.
هذه هي حياتك كعبد.
تتحرك بما تعلم… وتسلم فيما لا تعلم.
ولا تقل:
«إن كان مقدرًا فسيحدث ولو لم أدع.»
لأنك لا تعرف هل كان من القدر نفسه…
أن تدعو،
فيقع بسبب دعائك ما قدّره الله.
ولا تقل:
«لماذا أدعو إذا كان الله يعلم؟»
لأنك لا تدعوه لتعلّمه.
بل لأنك تعبده.
وتفتقر إليه.
وتسأله.
ولا تقل:
«إذن الدعاء ينافس القدر.»
فالدعاء لا يقف خارج القدر أصلًا.
الدعاء يجري داخله.
القاعدة التي تبقى
ولعل جملة واحدة تكفيك حين يعود إليك هذا السؤال:
القدر ليس نسخة مسرّبة من النهاية أعطاها الله لي كي أتوقف عن الحركة.
أنا لا أعرف ما كُتب.
لكنني أعرف ما أُمرت به.
أُمرت أن أسعى.
وأن آخذ بالأسباب.
وأن أدعو.
ثم إذا انتهى سعيي…
لا أعبد السبب.
ولا أعبد الدعاء.
ولا أعبد النتيجة.
بل أفوض إلى رب الأسباب والنتائج.
فلا تستخدم إيمانك بالقدر لإلغاء السبب الذي أمرك رب القدر أن تأخذ به.
وحين تقف بين يديه الليلة…
لا تقل:
يا رب، أنت تعرف، فلماذا أتكلم؟
قل:
يا رب، أنت تعرف… ولذلك أنا لا أخبرك.
أنا أفتقر إليك.
ثم ادع.