قد يكون الطريق مسدودًا فعلًا. وقد يكون المال قليلًا، والوقت ضيقًا، والفرص التي أمامك لا تكفي، والحسابات — إذا وضعتها كلها على الطاولة — لا تبشّر بشيء. ولا يطلب منك الإيمان أن تنكر هذا. الإيمان لا يقول لك: سمِّ الضيق سعة، وسمِّ العجز قدرة، وسمِّ الباب المغلق بابًا مفتوحًا. قل عن الواقع ما هو عليه.
وحين تبدو كل الأبواب مغلقة، يصبح هذا الفرق هو ما يحميك من تحويل ضيق الأسباب إلى حكم على النهاية.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
حين تبدو كل الأبواب مغلقة: أين يبدأ الخطأ؟
لكن انتبه إلى اللحظة التي يتجاوز فيها الخوف وصفَ الواقع، ويبدأ في إصدار الأحكام على الغيب.
هناك فرق هائل بين أن تقول: «لا أرى طريقًا.» وبين أن تقول: «إذن لا يوجد طريق.»
الجملة الأولى صادقة؛ لأنها تخبر عن مدى رؤيتك. أما الثانية فتدّعي أكثر مما تملك؛ لأنها تجعل ما لم تره كأنه غير موجود، وتجعل حدود معرفتك كأنها حدود لما يستطيع الله أن يقدّره.
وهنا يقع القلب في خطأ خفي: لا ييأس لأن الله أخبره أن الأمر انتهى، بل لأنه استنفد هو الاحتمالات التي يعرفها. كأنه يقول دون أن يشعر:
فتشتُ في الأبواب التي أعرفها فلم أجد بابًا، إذن لا باب. راجعتُ الأسباب التي أفهمها فلم أجد سببًا، إذن لا سبب. حسبتُ الطريق بعقلي فلم أصل إلى مخرج، إذن لا مخرج.
لكن منذ متى كان علمك بجميع الطرق شرطًا لأن يصنع الله طريقًا؟
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾.
تأملها جيدًا: لم يقل إن أمر الله يبلغ فقط حين تكون أسبابك قوية. ولا حين تتضح لك الخطة. ولا حين تكتمل الموارد. ولا حين تستطيع أنت أن تشرح كيف ستحدث النجاة.
﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾.
أمره يبلغ. أما السبب فمخلوق من مخلوقاته؛ يقوّيه إذا شاء، ويضعفه إذا شاء، ويسوقه إليك من حيث شاء، ويفتح لك من جهة لم تكن تحسبها أصلًا.
ولهذا كان من أخطر ما يفعله الخوف أنه يحوّل تقريرًا عن السبب إلى حكم على النتيجة.
المال لا يكفي؟
هذه معلومة عن المال.
الوقت ضيق؟
هذه معلومة عن الوقت.
الأبواب التي طرقتها أُغلقت؟
هذه معلومة عن الأبواب التي طرقتها.
لكن من أين جاءت الجملة التالية: «إذن لن يتم الأمر»؟
هذه لم يقلها المال. ولم يقلها الوقت. ولم تقلها الأبواب. أضافها الخوف من عنده. وهنا تحتاج أن تردّ كل شيء إلى حجمه.
الأسباب مهمة، ولذلك تعمل. والحسابات معتبرة، ولذلك تخطط. والواقع لا يُنكر، ولذلك تتعامل معه كما هو.
لكن السبب شاهدٌ في القضية، وليس القاضي.
يخبرك بما يستطيع هو أن يفعله، لا بما يستطيع الله أن يفعله.
وهذا هو الفارق بين قلبٍ يأخذ بالأسباب وقلبٍ يعلّق مصيره بها: الأول يستخدمها بيده. والثاني يسلّم لها قلبه. فإذا قويت اطمأن، وإذا ضعفت انهار، وكأن الله لا يفتح إلا من الأبواب التي يعرفها.
تذكّر موسى عليه السلام عند البحر.
بحر أمامه، وعدو خلفه، والمشهد في حساب الأرض شديد الضيق. حتى قال أصحاب موسى:
﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾.
كانوا يحكمون بما انتهت إليه حسابات المشهد الظاهر. لكن موسى لم ينازعهم في وجود البحر، ولم يقل إن العدو غير موجود. إنما رفض أن يجعل ظاهر المشهد هو الكلمة الأخيرة:
﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.
لم يكن يملك الخريطة بعد. لكنه كان يعرف من يملكها.
وهذا ما يحتاجه قلبك حين تضيق الحسابات:
ليس أن تعرف كيف ستنتهي القصة. بل أن تعرف أن عجزك عن معرفة الطريق ليس دليلًا على عدم وجوده.
قد يأتي الفرج من زيادة سبب تعرفه. وقد يأتي من سبب لم يخطر لك. وقد يأتي بتغيير ظرف كنت تظنه ثابتًا. وقد يأتي بصرف شيء كنت تحسبه ضروريًا. وقد تكون النجاة نفسها في نهاية غير التي كنت تطلبها. أنت لا تعرف.
وهذه ليست نقطة ضعف في إيمانك. هذه حقيقة عبوديتك: أنت عبد يرى جزءًا من المشهد، والله ربّ يعلم القصة كلها.
فلا تطلب من الأسباب أكثر مما خُلقت له.
اسألها: ماذا أستطيع أن أفعل الآن؟ ولا تسألها: ماذا سيكتب الله في النهاية؟ الأولى من اختصاصها. أما الثانية فليست لها.
وحين تقول لك الحسابات: «لا يكفي»، لا تكذّبها إن كانت صادقة. قل: نعم، ما في يدي لا يكفي وحده. لكن ما في يدي ليس كل ما في قدرة الله.
وحين يقول لك الواقع: «هذا الباب مغلق»، قل:
نعم، هذا الباب مغلق. لكن لا تسمح للخوف أن يضيف: «وكل الأبواب مغلقة.»
أنت لم تُكلَّف أن تضمن النتيجة. كُلِّفت أن تصدق مع الله، وتأخذ بما تستطيع، وتسأله، وتمضي، وتترك له ما لا تملكه. فإذا ضعفت الأسباب حولك، لا تجعل ضعفها يتسرّب إلى معرفتك بربك. ضعف السبب يخبرك عن السبب… لا عن قدرة رب السبب.
دع الحسابات تقول كل ما تعرفه. دعها تحذّرك، وتعلّمك، وتدفعك إلى التخطيط، وتريك مواطن النقص.
لكن عندما تصل إلى النهاية وتوشك أن تقول: «إذن انتهى الأمر»…
توقّف. هذه ليست نتيجة حسابية. هذه دعوى على الغيب. والغيب ليس في يد الأسباب.
الأسباب تصف المشهد. أما النهاية… فليست من اختصاصها.