🌧️ ماذا لو كنت تفهم الابتلاء خطأ؟
في أول البلاء، لا تسأل كثيرًا عن معناه.
تتألم فقط.
تقول:
يا رب، فرّج.
ثم يطول.
فيبدأ سؤال آخر.
أشد من الألم نفسه أحيانًا:
هل البلاء دليل على منزلتك عند الله؟
ماذا يقول هذا عني عند الله؟
لماذا أنا؟
لماذا طال؟
لماذا كلما ظننت أن الباب سيفتح عاد فأغلق؟
هل فعلت شيئًا؟
هل الله غاضب مني؟
هل هذا عقاب؟
هل تأخر الفرج يعني أن منزلتي عند الله سيئة؟
وفي لحظة ما، لا تعود تنظر إلى المصيبة بوصفها شيئًا وقع لك.
تبدأ تنظر إليها كأنها خطاب.
المرض يقول شيئًا.
الفقد يقول شيئًا.
ضيق الرزق يقول شيئًا.
تأخر الزواج يقول شيئًا.
الباب المغلق يقول شيئًا.
ثم تجمع كل ذلك في جملة واحدة:
الله يعاملني هكذا لأنني عنده كذا.
وهنا يبدأ الخطأ.
ليس لأن محاسبة النفس خطأ.
ولا لأن البلاء لا تكون له أسباب.
بل لأنك من حادثة تراها…
استخرجت حكمًا على غيب لا تراه.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
- حين يبحث الألم عن تفسير
- المحاسبة ليست ادعاء معرفة سبب البلاء
- هل البلاء دليل على منزلتك عند الله؟
- الذنوب والمصائب: أين يقف علمنا؟
- لا تبن هويتك من البلاء
- التوبة لا تعني زوال البلاء فورًا
- لا تنسب قصدًا مخصوصًا إلى الله بلا علم
- كيف تتعامل مع البلاء دون تفسير الغيب؟
- ما أخبرك الله به وما أخبرك به ألمك
- ماذا تفعل حين لا تعرف لماذا وقع البلاء؟
- خذ من البلاء ما دخل في تكليفك
حين يبحث الألم عن تفسير
حين يشتد الألم، يبحث العقل عن تفسير.
فالوجع بلا معنى ثقيل.
والمجهول مرهق.
وقد تكون النفس مستعدة أحيانًا لأن تقبل تفسيرًا مؤلمًا على أن تبقى بلا تفسير.
فتقول:
لعله عقاب.
لعله غضب.
لعلي هنت على الله.
والغريب أن هذه الأفكار، مع أنها تزيدك ألمًا، قد تمنحك شيئًا خفيًا:
إحساسًا أنك فهمت ما يحدث.
صار للبلاء عنوان.
وصار للسؤال جواب.
وصارت الفوضى قابلة للتفسير.
لكن ليست كل إجابة تنهي حيرتك صحيحة.
بعض الإجابات ليست إلا خوفًا ارتدى ثوب اليقين.
المحاسبة ليست ادعاء معرفة سبب البلاء
وهنا ينبغي أن نفرق بين أمرين:
أن تسأل نفسك:
هل عندي ذنب أحتاج أن أتوب منه؟
وبين أن تقول:
هذا البلاء وقع حتمًا بسبب ذنب بعينه، والله يعاقبني عليه الآن.
الأولى محاسبة.
والثانية دعوى تحتاج إلى علم.
أن تقول:
أريد أن أرجع إلى الله مهما كان سبب ما وقع.
هذا عبودية.
أما أن تقول:
عرفت الآن لماذا قدّر الله عليّ هذا.
فهنا ينبغي أن تسأل نفسك:
من أين عرفت؟
هل البلاء دليل على منزلتك عند الله؟
القرآن نفسه واجه هذا الميل الإنساني مواجهة مباشرة.
قال الله تعالى:
﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا﴾
[الفجر: 15-17]
تأمل موضع كلمة:
﴿كَلَّا﴾
الإنسان رأى نعمة فقال:
إذن أنا مكرم.
ورأى تضييقًا فقال:
إذن أنا مهان.
فجاء الرد:
كلا.
أي إن المعادلة نفسها مختلة.
ليس رخاء الدنيا وحده شهادة تكريم.
ولا ضيقها وحده شهادة إهانة.
وهذه الآيات تهدم واحدة من أقدم الأخطاء في قراءة القدر:
أن نحول حالنا في الدنيا إلى تقرير مباشر عن منزلتنا عند الله.
وهذا المعنى يتصل بما يفعله القلب حين يقارن رزقه برزق غيره؛ فكما أن ضيق الرزق لا يحدد منزلتك عند الله، فإن سعة رزق غيرك لا تمنحه وحدها شهادة كرامة. ويمكن التوسع في ذلك في مقال رزق غيرك وقدرك عند الله.
أحيانًا تفعل العكس تمامًا.
تنظر إلى إنسان فتراه موسعًا عليه.
فتقول:
الله يحبه.
وترى آخر شديد البلاء.
فتقول:
لا بد أن وراءه شيئًا.
لكن لو كانت شدة البلاء وحدها علامة غضب…
فكيف ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل؟
ولو كان رخاء الدنيا وحده علامة رضا…
فكيف أُعطي منها من عصى الله واستكبر؟
إذن لا الغنى وحده يفسر المنزلة.
ولا المرض.
ولا الزواج.
ولا الوحدة.
ولا الوظيفة.
ولا فقدها.
ولا سلامة الجسد.
ولا علته.
الأحوال الدنيوية ليست ميزانًا مستقلًا تقرأ به ما في الغيب.
قال الله تعالى:
﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾
[الأنبياء: 35]
حتى الخير ابتلاء.
ليس البلاء مرادفًا لما يؤلمك فقط.
قد يمتحن الإنسان بما أُعطي كما يمتحن بما مُنع.
بالصحة كما بالمرض.
بالمال كما بالحاجة.
بالقدرة كما بالعجز.
فإذا كانت النعمة نفسها ابتلاء، فكيف تجعل وجودها وحده شهادة رضا؟
وإذا كان المكروه ابتلاء، فكيف تجعل وجوده وحده شهادة غضب؟
المصيبة تقول لك:
هذا وقع.
لكنها لا تقول لك وحدها:
وهذا هو تفسير الله لوقوعه.
المرض يقول:
أنا مرض.
لا يقول:
أنا غضب الله عليك.
الخسارة تقول:
لقد خسرت.
لا تقول:
الله أهملك.
تأخر ما تريد يقول:
لم يقع حتى الآن.
لا يقول:
أنت هين عند ربك.
هذه الجمل الثانية لا تأتي من الحدث نفسه.
أنت الذي أضفتها إليه.
وهذا هو موضع الجرح: أن تجعل الألم مترجمًا يتكلم باسم الله.
فيقول لك:
انظر كيف يعاملك.
ثم تصدقه.
وكأن الوجع صار أقدر على تعريفك بربك من الوحي.
الذنوب والمصائب: أين يقف علمنا؟
قد تقول:
لكن الله قال:
﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾
[الشورى: 30]
نعم.
وهذه حقيقة لا ينبغي الهروب منها.
للذنوب آثار.
والعبد مأمور بالتوبة والمراجعة وعدم الأمن من التقصير.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أصل شرعي عام…
وبين أن تعين أنت لنفسك في حادثة بعينها فتقول:
هذا المرض بسبب الذنب الفلاني.
أو:
هذا التعطل عقوبة على ذلك الخطأ بعينه.
أو:
الله أغلق هذا الباب لأنه غاضب مني.
الآية لم تمنحك علمًا بتفسير كل حادثة خاصة في حياتك، ولا بأن تحدد الذنب الذي كانت هذه الواقعة جزاءً عليه، ولا أن تجعلها وحدها شهادة غضب مخصوص.
فخذ منها ما أعطتك:
محاسبة.
توبة.
خشية.
ولا تأخذ منها ما لم تعطك:
كشفًا تفصيليًا للغيب.
ومن أجمل ما يمكن أن تفعله مع البلاء أن تتوب…
دون أن تدعي أنك عرفت سببه الخاص.
تقول:
يا رب، أنا عبد مذنب، فاغفر لي ذنوبي كلها.
أراجع نفسي.
وأرد الحقوق.
وأترك ما أعلم أنه حرام.
لكنني لن أجعل هذا الألم فاتورة أكتب عليها اسم ذنب من عندي ثم أقول:
هذا هو تفسير الله.
وهنا فرق عظيم بين المحاسبة واختراع التفسير.
المحاسبة تقول:
أنا عبد كثير التقصير، وسأراجع نفسي.
أما التفسير الجازم فيقول:
أنا أعرف أن الله يفعل بي هذا الآن بسبب كذا، وأن هذا دليل غضبه علي.
المحاسبة تفتح باب التوبة.
أما الجزم بما لا تعلم فقد يفتح عليك بابًا من القنوط وسوء الظن.
ولهذا تستطيع أن تكون شديد الصدق مع ذنوبك…
دون أن تجعل كل ألم شهادة على أنك مطرود.
وهذه هي المنطقة التي يشتبه فيها على كثير من الناس الفرق بين المحاسبة النافعة ومحاولة تسمية كل مصيبة عقوبة؛ وقد فُصّل هذا الإشكال في مقال كيف أعرف أن البلاء ابتلاء أم عقوبة؟.
لا تبن هويتك من البلاء
وربما الخطر الأكبر ليس في تفسير حادثة واحدة.
بل في بناء هوية كاملة من البلاء.
يتأخر زواجك فتقول:
أنا غير مرغوب.
يضيق رزقك فتقول:
أنا محروم.
يتكرر عليك الفشل فتقول:
هذا نصيبي مع الله.
يمرض جسدك فتقول:
لعلني لا أستحق العافية.
ثم لا يعود البلاء حدثًا.
يصير تعريفًا لنفسك.
وهنا يكون الألم قد أخذ مساحة لم يعطه الله إياها.
أنت أكثر من المصيبة التي وقعت لك.
وعلاقتك بالله لا تختصرها سنة شديدة.
ولا عشر سنوات.
ولا باب مغلق.
ولا أمنية لم تقع.
ولا سؤال طال انتظاره.
قد تعرف من الحدث أنك متألم.
لكن لا تستخرج منه وحده حكمًا على مقامك عند الله.
ولو كان البلاء وحده ميزان المنزلة، لكان من السهل جدًا أن نعرف مقامات الناس من ظاهر حياتهم.
من توسعت دنياه فهو محبوب.
ومن ضاقت فهو مبغوض.
لكن القرآن قال:
﴿كَلَّا﴾.
لا تقرأ منزلتك عند الله من حسابك البنكي.
ولا من حال جسدك.
ولا من نجاح مشروعك.
ولا من سرعة حصول مطلوبك.
ولا من مقدار ما فاتك من الدنيا.
التوبة لا تعني زوال البلاء فورًا
وقد تكون المشكلة أشد عند من تاب ثم استمر البلاء.
يقول:
يا رب، لقد رجعت.
فلماذا لم يتغير شيء؟
ثم ينشأ سؤال آخر:
هل لم تقبل توبتي؟
وهنا أيضًا يجب أن تكون دقيقًا.
قبول التوبة أمر.
وزوال كل أثر دنيوي أو مصيبة أمر آخر.
لا تجعل استمرار البلاء شهادة على أن باب التوبة أغلق.
قد يتوب الإنسان، ويبقى مرضه.
ويتوب، وتبقى آثار خسارته.
ويتوب، ولا يعود ما فقد.
فالحياة ليست لوحة تظهر عليها فورًا إشعارات القبول والرفض.
ولا تقاس رحمة الله بسرعة تغير المشهد.
وقد يدفعك هذا إلى وهم آخر:
لو عرفت الذنب الذي سبب البلاء، أصلحته، فيزول البلاء.
فتبدأ التفتيش القهري.
هل هي تلك الكلمة؟
هل هو خطأ قديم؟
هل ظلمت فلانًا؟
هل هذا بسبب كذا؟
ثم يتحول الدين كله عندك إلى مختبر تبحث فيه عن الخطأ الذي سيوقف العقوبة.
فتتوب لا لأنك عبد يحب الرجوع إلى الله…
بل لأنك تحاول فك شفرة المصيبة.
وهذا مرهق.
تب من الذنب لأن الذنب يحتاج توبة.
رد المظلمة لأن المظلمة تحتاج ردًا.
أصلح الصلاة لأنها حق لله.
اقطع الحرام لأنه حرام.
لكن لا تجعل كل طاعة تقوم بها محاولة لشراء تفسير للبلاء.
اعبد الله لأنك عبده، لا لأنك استطعت أن تثبت أن هذه المصيبة عقوبة على هذا الذنب.
لا تنسب قصدًا مخصوصًا إلى الله بلا علم
وهنا يظهر فرق آخر شديد الدقة.
قد يكون البلاء قد أيقظك إلى تقصير في نفسك.
وهذا أثر تعرفه.
تستطيع أن تقول:
هذا الذي وقع جعلني أراجع حياتي.
أما أن تنتقل إلى:
الله قدّر هذه الواقعة تحديدًا لكي ينبهني إلى الأمر الفلاني.
فهذه نسبة قصد مخصوص تحتاج إلى علم.
قل: البلاء أيقظني.
ولا يلزم أن تقول:
عرفت لماذا قدّره الله عليّ.
أحيانًا الفرق بين العبارتين صغير في اللفظ…
عظيم في الأدب مع الغيب.
وكذلك لا تقع في الطرف الآخر.
لا تقل:
بما أنني لا أعرف سبب البلاء الخاص، فلا أحتاج أن أراجع نفسي.
لا.
الجهل بالتفسير الخاص لا يلغي التوبة العامة.
بل ارجع إلى نفسك.
اسأل:
هل عندي تقصير أصلحه؟
هل عندي حق أرده؟
هل هناك معصية أتركها؟
هل هناك سبب واقعي أهملته؟
هل أحتاج إلى علاج؟
هل أحتاج إلى عمل؟
هل أحتاج إلى الاعتذار؟
هل أحتاج إلى تغيير قرار؟
افعل ذلك كله.
لكن افعله باعتباره واجبك الآن، لا باعتباره كشفًا لسر الغيب.
كيف تتعامل مع البلاء دون تفسير الغيب؟
وهذا هو التوازن.
لا تفسر البلاء حتى تصنع قصة لا تعلمها.
ولا تتجاهله حتى لا تتعلم شيئًا.
راجع نفسك.
لكن لا تدّع علم سر القدر.
تب.
لكن لا تقل:
إذن عرفت لماذا حصل هذا.
خذ بالأسباب.
لكن لا تجعل نجاحها أو فشلها تفسيرًا لمكانتك عند الله.
وقد ثبت أن ما يصيب المسلم من تعب ومرض وهم وحزن وأذى، حتى الشوكة، يكون سببًا في تكفير الخطايا.
وثبت كذلك أن الأنبياء أشد الناس بلاء، ثم الأمثل فالأمثل.
وهذا وحده يمنعك من المعادلة الساذجة:
شدة البلاء = شدة غضب الله.
لكن لا تقلب الخطأ إلى خطأ مقابل.
فلا تقل لشخص بعينه:
الله ابتلاك بهذه المصيبة تحديدًا لأنه يحبك ويريد أن يرفع درجتك بكذا.
النصوص تثبت للمؤمن في البلاء أبوابًا من الأجر والتكفير، وتثبت أن شدة البلاء قد تقع بأهل الفضل.
أما المراد الإلهي التفصيلي من هذه الواقعة بعينها لهذا الشخص بعينه، فلا نجزم به بلا دليل.
وهذا يحميك من خطأين متعاكسين:
أن تجعل كل بلاء غضبًا.
أو تجعل كل بلاء شهادة محبة مخصوصة.
كلاهما استخراج لحكم غيبي من الحدث نفسه.
والصواب أهدأ وأدق:
للابتلاء أحكام وآثار عامة أخبرنا بها الوحي، لكن الواقعة الخاصة لا تمنحني حق الجزم بما لم يخبرني الله به عنها.
ما أخبرك الله به وما أخبرك به ألمك
ولعل من أعمق ما يفعله الألم بنا أنه قد يضيّق مجال رؤيتنا.
حين يشتد البلاء، قد تصغر الذاكرة.
تنسى ستر الله.
ونعمًا مضت.
وأبوابًا فتحها.
وأيامًا عافاك فيها.
ثم تصبح هذه الصفحة السوداء هي الكتاب كله.
وتقول:
هكذا إذن يعاملني الله.
لكن صفحة واحدة لا تملك أن تعرّف لك الكتاب كله.
وساعة من حياتك لا تملك أن تمحو ما عرّف الله به نفسه.
قال الله:
﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾
[الأحزاب: 43]
هذه الآية لا تخبرك أن كل ما تريده سيحدث.
ولا أن البلاء سينتهي في الموعد الذي تختاره.
لكنها تمنعك من أن تجعل المصيبة تكتب لك تعريفًا لله يناقض ما أخبر به عن نفسه.
يجوز لك أن تقول:
أنا لا أرى وجه الرحمة في هذا الآن.
لكن هناك فرقًا هائلًا بين:
لا أراها.
و:
لا توجد رحمة.
الأولى تصف حدود بصرك.
والثانية تحكم على الله من وراء تلك الحدود.
وهذا هو موضع النجاة.
أن تفرق بين:
ما حدث.
وما يعنيه على وجه التفصيل في علم الله.
ما تعرفه.
وما تخافه.
ما أخبرك الله به.
وما أخبرك به ألمك.
الألم يقول:
لو كنت محبوبًا لما أصابك هذا.
والسنة تخبرك أن أشد الناس بلاء الأنبياء.
الألم يقول:
ضيق الدنيا يعني أنك هنت.
والقرآن يقول:
﴿كَلَّا﴾.
الألم يقول:
لا بد أن هذا عقاب على ذنب بعينه.
والأمانة تقول:
راجع نفسك.
تب.
لكن لا تدّع علمًا لم تُعط.
وحين يبدأ الوجع فعلًا في صناعة تصور قاسٍ عن الله، فالمشكلة لم تعد في الحدث وحده، بل في التفسير الذي أضيف إليه؛ وهذا هو الجرح الذي يعالجه مقال سوء الظن بالله وقت الألم.
ماذا تفعل حين لا تعرف لماذا وقع البلاء؟
وقد تسأل:
إذن كيف أتعامل مع البلاء إذا لم أعرف تفسيره الخاص؟
بأشياء أوضح من التخمين.
تب إلى الله من كل تقصير تعرفه.
صحح ما تستطيع تصحيحه.
ادع.
استعن.
اصبر.
خذ بالسبب.
رد الحقوق.
عالج المرض.
اسع في الرزق.
ادفع الظلم بما يجوز.
واطلب الفرج.
كل هذا تستطيع أن تفعله دون أن تعرف «الرسالة السرية» خلف كل تفصيل.
بل ربما هذا أصدق في العبودية.
لأنك تفعل ما كلفت به…
وتترك لله ما اختص بعلمه.
نحن أحيانًا نظن أننا لن نستطيع التعامل مع الألم حتى نفهمه.
لكن ليس كل ما تحتاجه للعمل هو معرفة سر القدر.
قد لا تعرف لماذا وقع.
ومع ذلك تستطيع أن تعبد الله فيه.
وقد تعلم من النصوص حكمًا عامة للبلاء وآثاره.
لكن لا يلزم أن تعرف أي معنى منها هو التفسير التفصيلي لقصتك، أو أن تختزل الواقعة كلها في معنى واحد.
أنت تحتاج أن تعرف:
ماذا أفعل الآن؟
وهذا السؤال غالبًا أوضح وأكثر نفعًا من:
لماذا قدّر الله عليّ هذا تحديدًا؟
السؤال الأول يفتح لك باب العمل.
والثاني قد يفتح بابًا لا جواب يقيني لك فيه.
قل:
ما الذي أستطيع إصلاحه؟
ما الحق الذي ينبغي أن أرده؟
ما الذنب الذي أعرفه فأتركه؟
ما السبب الذي أستطيع أخذه؟
ما العبادة التي أحتاج أن أتمسك بها؟
من أين أطلب العلاج؟
كيف أحفظ لساني وقلبي؟
هذه أسئلة في دائرة تكليفك.
أما سر القدر الخاص…
فليس كله في دائرتك.
وقد يكون من رحمة الله بك أن لا تحتاج إلى معرفة كل تفسير حتى تعبده.
لو صار الإيمان معلقًا بفهم كل قدر، لتعب الإنسان كلما غابت عنه الحكمة.
لكن الله أعطاك من المعرفة ما يكفي لعبادته حتى حين تغيب عنك التفاصيل.
تعرف أنه لا يظلم.
وأنه حكيم.
وأنه رحيم بالمؤمنين.
وأن الدنيا دار ابتلاء.
وأن المعصية تحتاج توبة.
وأن البلاء يحتاج صبرًا واستعانة.
هذه أصول ثابتة.
أما قصتك الخاصة بكل تفاصيلها، فقد لا يُكشف لك معناها كله.
ولذلك لا تحول الغموض إلى تهمة.
عدم معرفتك لسبب البلاء الخاص لا يعطيك حق اختراع سبب.
وعدم رؤيتك للحكمة لا يعني أن الحكمة غائبة.
وعدم معرفتك بمنزلتك لا يعني أن الألم يستطيع أن يعرّفها لك.
ومن أخطر الجمل التي يمكن أن تقولها لنفسك:
لو كان الله يحبني لما أصابني هذا.
لأنك هنا جعلت تصورك لما ينبغي أن تفعله المحبة ميزانًا لله.
وكأن محبة الله لعبده لا يمكن أن تجتمع في الدنيا مع ألم.
والنصوص نفسها تهدم هذا الوهم.
ليس لأن الألم محبوب لذاته.
بل لأن محبة الله لا تُقاس بكمية الراحة الدنيوية التي تحصل عليها.
وبالمثل، لا تقل:
أنا مبتلى، إذن أنا من أولياء الله.
فالبلاء وحده لا يعطيك هذه الشهادة أيضًا.
لا تجعل المصيبة وسامًا كما لا تجعلها لائحة اتهام.
هي بلاء وقع.
أما ميزان الكرامة عند الله فقد قال فيه سبحانه:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
[الحجرات: 13]
لم يقل:
أشدكم بلاء.
ولا أكثرَكم مالًا.
ولا أقلَّكم ألمًا.
وهذه الآية تعيد الميزان إلى مكانه.
لا تسأل المصيبة: من أنا عند الله؟
اسأل الوحي:
ما ميزان الكرامة عند الله؟
ثم اعمل على ما جعله الله ميزانًا.
وقد يحدث أن يكون البلاء مرتبطًا بسبب بشري ظاهر.
اتخذت قرارًا سيئًا.
أهملت علاجًا.
ضيعت فرصة.
وثقت بمن لا يستحق.
هنا لا تحتاج إلى الغيب كي تتعلم.
قل:
أنا أخطأت.
وأصلح ما تستطيع.
الاعتراف بالسبب الواقعي لا يناقض الإيمان بالقدر.
بل من العقل أن ترى الأسباب كما هي.
لكن حتى معرفتك بسبب دنيوي ظاهر لا تعطيك تلقائيًا علمًا بالحكم الغيبي:
إذن الله غاضب مني.
قد تعرف سببًا من أسباب ما وقع.
ولا تعرف بذلك وحده حكم الله الخاص عليك.
ما أرحم أن تعرف حدود كل شيء.
السبب الواقعي يخبرك:
أين أخطأت.
والشريعة تخبرك:
ما الواجب.
والبلاء يخبرك:
ما وقع.
أما ما لم يخبرك الله به من الغيب…
فيبقى لله.
فإذا طال عليك البلاء، وسألك قلبك:
ماذا يقول هذا عني عند الله؟
فلا تجبه بسرعة.
قل له:
يقول إنني مبتلى.
هذا الذي أعرفه.
أما هل هذه الواقعة بسبب ذنب بعينه؟
فلا أعيّن بلا علم.
وهل هي شهادة غضب مخصوص؟
لا أعلم.
وهل هي شهادة محبة مخصوصة؟
لا أجزم.
لكنني أعرف ما يجب علي:
أن أرجع إلى الله.
أن أتوب من ذنوبي.
أن أصبر.
أن أدعو.
أن آخذ بالأسباب.
وأن لا أجعل ما لا أعلمه عقيدة.
وقد تقول:
هذا لا يريحني.
أريد جوابًا.
أريد أن أعرف لماذا.
نعم.
والإنسان يحب أن يعرف.
لكن هناك راحة أعمق من الحصول على جواب لم يعطك الله إياه:
أن تتوقف عن تعذيب نفسك بإجابة اخترعتها أنت.
ربما لا تعرف لماذا وقع.
لكن على الأقل لا تضف إلى البلاء جملة أخرى:
الله يكرهني.
أحيانًا أعظم تخفيف للبلاء ليس أن تفهم سره.
بل أن تنزع منه التفسير الذي كان يطعن علاقتك بالله.
يبقى المرض مرضًا.
لكن لا يعود دليل طرد.
تبقى الوحدة وحدة.
لكن لا تعود حكمًا على قيمتك عند الله.
يبقى الباب مغلقًا.
لكن لا يعود خطابًا يقول:
لا أريدك.
يبقى الانتظار مؤلمًا.
لكنه لا يعود شهادة على أنك مهمل عند ربك.
وهذا فرق شاسع.
أنت لم تغيّر الحدث.
غيّرت فقط ما كنت تجبر الحدث على قوله.
فلا تجعل البلاء يتكلم بأكثر مما تعرف منه.
دعه يقول:
أنا مؤلم.
ولا تسمح لنفسك أن تضيف:
إذن الله غاضب مني.
دعه يقول:
لقد خسرت هذا.
ولا تضف:
إذن أنا هين عند الله.
دعه يقول:
طال الطريق.
ولا تضف:
إذن تُركت.
فهذه ليست معلومات جاءت مع البلاء.
هذه تأويلات قد تصنعها النفس وهي موجوعة.
خذ من البلاء ما دخل في تكليفك
وربما كان من أعظم أدب العبد مع الله في البلاء أن يقول:
يا رب…
أنا لا أفهم لماذا وقع هذا بعينه.
وأعرف أنني عبد مذنب محتاج إلى مغفرتك.
فأستغفرك.
وأراجع نفسي.
وأرد ما علي من الحقوق.
وأصلح ما أستطيع.
لكنني لن أنسب إليك حكمًا لم تخبرني به.
لن أجعل طول ألمي وحده دليلًا على غضبك.
ولن أدعي لنفسي منزلة خاصة لمجرد أن البلاء شديد.
لن أجعل المصيبة تشرح لي الغيب.
يكفيني ما عرّفتني به عن نفسك.
وقد يكون هذا هو الميزان الذي تحتاج إليه:
خذ من البلاء ما دخل في تكليفك، واترك لله ما اختص بعلمه.
يخصك أن تتوب.
أن تصبر.
أن تصلح.
أن تدعو.
أن تتعلم.
أن تأخذ بالأسباب.
أما أن تحدد لماذا قدّر الله عليك هذه الواقعة بعينها، وما الحكم الغيبي الخاص بها، وما منزلتك عنده من خلالها وحدها…
فليس هذا كله في يدك.
للابتلاء معانٍ وأحكام وآثار عامة أخبرنا بها الوحي.
وقد تتعلم منه.
وقد تتغير به.
وقد تعرف بعض أسبابه الواقعية.
لكن بين هذا كله وبين قولك:
أنا أعرف ماذا يقول الله عني بهذه المصيبة
مسافة كبيرة.
فلا تحول البلاء إلى نص خفي.
ولا تجعل المرض رسالة مشفرة عن منزلتك.
ولا تجعل ضيق الرزق ميزان كرامة.
ولا تجعل تأخر الفرج حكمًا على مكانتك.
ولا تجعل طول الألم مترجمًا يتكلم باسم الله.
المصيبة تخبرك بما وقع لك.
أما من أنت عند الله، فلم يجعل الله الألم وحده هو الذي يجيبك عنه.
وقد أعطاك ميزانًا أوضح:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
ولهذا حين يهمس لك الألم:
«انظر إلى ما أصابك… ألا تفهم ماذا يعني هذا عند الله؟»
فقل له:
أفهم ما أصابني.
أما ما لم يخبرني الله به…
فلن أجعلك أنت تخبرني به.
فالبلاء حدث في حياتك.
وقد يوقظك.
وقد يردك إلى نفسك.
وقد يكشف لك ضعفك.
وقد يدفعك إلى توبة وإصلاح.
لكن لا تمنحه سلطة لم يعطها الله له.
البلاء حدث في حياتك؛ لكنه ليس نصًا خفيًا يشرح لك ما لم يخبرك الله به عن نفسه أو عنك.