ربما كنت في آخر الشهر.
أمامك فاتورة لم تُدفع. وحاجة في البيت لا تستطيع تأجيلها. وشيء يحتاجه من تعول. وحساب تعرف أن ما فيه لا يكفي.
فتفتح هاتفك، فتجد من يقول لك:
الرزق ليس مالًا فقط.
عندك صحة. وعندك أهل. وعندك سقف. وعندك نعم لا تعد.
والعبارة في أصلها صحيحة.
لكن قلبك يقول شيئًا آخر:
أنا أعرف. وأحمد الله عليها. لكنني أحتاج إلى المال فعلًا.
هل المال من الرزق؟ نعم، المال من الرزق، وحاجتك إليه لا تعني أنك اختصرت نعم الله كلها فيه.
وهنا قد تشعر بالذنب. كأن اعترافك بالحاجة المادية جحود. وكأن خوفك من الدين ضعف يقين. وكأن حزنك لأنك لا تستطيع شراء ما تحتاجه يعني أنك لم تر نعم الله الأخرى.
فتضيف إلى ضيق المال ضيقًا آخر:
الخجل من أن يؤلمك نقص المال.
وهنا يقع الخلط.
الرزق ليس المال وحده.
نعم.
لكن هذا لا يعني أن المال ليس رزقًا.
ولا أن غيابه لا يوجع.
ولا أن حاجتك إليه شيء ينبغي أن تعتذر عنه.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
قد تكون غنيًا بأشياء كثيرة… ومحتاجًا إلى المال فعلًا
لا تناقض.
قد تكون معافى في جسدك. محاطًا بمن يحبك. تملك علمًا. وسكنًا. وطعام يومك. وقلبًا يعرف الله.
ثم تكون أمام دين يؤرقك. أو علاج لا تقدر على ثمنه. أو أسرة تنتظر منك نفقة. أو عمل لا يكفي دخله حاجتك.
فهل ينبغي أن تقول:
بما أن عندي نعمًا أخرى، فلا يحق لي أن أتألم؟
لا.
النعم لا تلغي بعضها حاجة بعض.
وجود الماء في بيتك لا يسدد الدين. وصحة جسدك لا تدفع الإيجار. ومحبة أهلك لا تشتري الدواء.
هذه ليست مادية.
هذه حياة.
والمشكلة أن بعض الكلمات الصحيحة تصبح قاسية حين توضع في الموضع الخطأ.
تقول لإنسان مهموم لأنه لا يملك ثمن حاجته:
الرزق ليس مالًا فقط.
فيقول في داخله:
أنا لم أقل إن المال كل شيء.
قلت فقط:
أنا محتاج إليه.
هناك فرق.
فرق بين إنسان جعل المال تعريف الحياة كلها. وإنسان يعرف نعمًا كثيرة، لكنه يئن لأن واحدة من حاجاته الأساسية لم يجد لها مالًا.
الأول يحتاج أن يتذكر أن الدنيا أوسع من الحساب البنكي.
والثاني قد يحتاج أولًا إلى من يعترف بأن ما يثقله ثقيل فعلًا.
هل المال من الرزق؟ المال ليس كل الرزق لكنه رزق حقيقي
لا تختصر نعم الله في المال.
لكن لا تستخدم بقية النعم لتطلب من المحتاج أن يتصرف كأن المال لا يؤلمه.
هذه واحدة من أكثر المفارقات قسوة.
نقول للفقير:
انظر إلى صحتك.
وللمديون:
انظر إلى أهلك.
ولمن لا يستطيع الإنفاق:
انظر إلى السكينة.
وكأن النعمة لا تصح إلا إذا أسكتت الحاجة.
مع أن القلب قادر على أن يحمل الاثنين:
الحمد… والحاجة.
أن يقول:
يا رب، لك الحمد على ما أعطيتني.
ثم يقول في النفس نفسه:
يا رب، وسّع عليّ رزقي، فقد ضاق بي الأمر.
ولا يناقض أحدهما الآخر.
لقد علّمنا الله أن نسأله الدنيا والآخرة معًا:
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾
[البقرة: 201]
لم يجعل طلب الحسنة في الدنيا نقصًا في التعلق بالآخرة.
ولم يجعل حاجات الإنسان الدنيوية عيبًا ينبغي أن يخفيه حتى يكون صالحًا.
فالإنسان يحتاج.
يجوع.
ويمرض.
ويحتاج إلى سكن. وثياب. وعلاج. ونفقة.
وهذه الحاجات لم تصبح دنيئة لمجرد أنها تُشترى بالمال.
بل إن الشريعة نفسها لم تتعامل مع القدرة المالية كشيء وهمي يمكن تجاوزه بالكلام.
قال الله تعالى:
﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾
[الطلاق: 7]
هناك من عنده سعة.
وهناك من ضُيّق عليه رزقه.
والتكليف نفسه يراعي ما في اليد.
فإذا كان الشرع يعترف بالفارق بين السعة والضيق، فلا حاجة لأن نطالب المحتاج أن يتظاهر بأن هذا الفارق لا يوجعه.
الرزق من الله والسعي لا يناقض التوكل
والقرآن نفسه يتحدث عن الرزق في سياق السعي والأكل.
قال سبحانه:
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾
[الملك: 15]
تأمل:
فامشوا.
ثم:
وكلوا من رزقه.
الرزق من الله.
لكن هذا لم يُلغ المشي إليه.
ولم يصبح السعي للدخل علامة تعلق بالدنيا.
ولم يُطلب منك أن تنتظر الطعام لأن «الرزق ليس مالًا فقط».
الإيمان بأن الله هو الرزاق لا يلغي أن بعض رزقه يأتيك عبر عمل. ومهنة. وتجارة. وأجر. وسبب تتعب فيه.
وهنا خطآن متعاكسان.
الأول أن تقول:
إذا كان عندي مال، فقد رُزقت.
وإذا نقص مالي، فكأن كل الرزق نقص.
فتنسى نعمًا لا يستطيع المال شراءها.
والخطأ الثاني أن تقول:
بما أن الرزق أوسع من المال، فلا قيمة لضيق المال.
فتنسى أن المال نفسه من جملة ما يحتاجه الإنسان ويُرزق به.
بين الخطأين مساحة أصدق:
المال ليس كل الرزق، لكنه رزق حقيقي.
ولذلك فإن فقده لا يعني أنك فقدت كل شيء.
كما أن وجود نعم أخرى لا يعني أنك لم تفقد شيئًا مهمًا.
وربما تكون هذه هي العقدة:
حين يضيق المال جدًا، يبدأ المال في أخذ مساحة ضخمة من الفكر.
تستيقظ فتفكر فيه. تحسب. وتعيد الحساب. تحذف حاجة. وتؤجل أخرى. وتخاف اتصالًا. وتنتظر موعدًا.
وتتساءل:
من أين؟
ثم تكره نفسك لأنك صرت تفكر في المال كثيرًا.
تقول:
ما لي؟
لماذا صرت متعلقًا بالدنيا هكذا؟
لكن ليس كل انشغال بالمال حبًا للمال.
أحيانًا تنشغل به لأن الحاجة تطرق بابك كل يوم.
المديون لا يفكر في الدين لأنه يعشق الأرقام.
والأب الذي يبحث عن نفقة لا يفعل ذلك لأنه عبد للمال.
والمريض الذي يقلق من ثمن علاجه لا يكون بالضرورة ضعيف التوكل.
قد يكون المال في ذهنك كثيرًا…
لأن المشكلة التي تحتاجه كثيرة الحضور.
وهنا ينبغي أن نرحم أنفسنا في التسمية.
هناك فرق بين:
حب المال لذاته حتى يملك القلب.
وبين:
الحاجة إلى المال لأنه وسيلة لقضاء حقوق وحاجات حقيقية.
الأول مرض قد يصيب الغني والفقير.
والثاني جزء من طبيعة الحياة.
قد لا تريد الملايين.
قد تريد فقط:
أن لا تستدين هذا الشهر.
أن تشتري الدواء دون أن تحسب ماذا ستحذف مقابله.
أن تقضي حاجة أولادك دون أن تخفي عجزك بابتسامة.
أن تنام ليلة دون أن تخاف من موعد مطالبة.
هذا ليس جشعًا.
هذه حاجة.
هل طلب سعة الرزق تعلق بالدنيا؟
ولذلك ليست كل رغبة في سعة الرزق تعلقًا بالدنيا.
قد تريد المال لتستغني عن سؤال الناس. لتقضي دينك. لتنفق على من يجب عليك. لتتعلم. لتتعالج. لتعف نفسك. لتصل رحمًا. لتتصدق.
فالمال نفسه يمكن أن يكون باب عبادة كما يمكن أن يكون باب فتنة.
المشكلة ليست في المال نفسه.
بل في موضعه من قلبك، وطريق كسبه، وطريق إنفاقه.
وقد أخطأنا أحيانًا حين جعلنا الفقر يبدو أرقى روحيًا من الغنى في ذاته.
وكأن قلة المال دليل صفاء.
وكثرة المال دليل تعلق.
لكن القضية ليست بهذه البساطة.
قد يكون الفقير شديد التعلق بالمال.
وقد يكون الغني زاهد القلب فيه.
وقد يفسد المال إنسانًا.
وقد يعين آخر على حق كثير.
فليس الحساب البنكي هو الذي يحدد مقدار عبوديتك لله.
كما أنه ليس الذي يحدد مقدار كرامتك.
لا تجعل المال مقياس كرامتك عند الله
والخطأ المقابل أن نقيس عناية الله بنا بما يدخل جيوبنا.
إن اتسع الرزق قلنا:
الله أكرمني.
وإن ضاق قلنا:
لعلني هنت عليه.
وقد صحح القرآن هذه المعادلة من أصلها:
﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا﴾
[الفجر: 15-17]
تأمل:
﴿كَلَّا﴾
ضيق الرزق وقع.
وهذا حقيقي.
لكن التفسير:
«إذن ربي أهانني»
هو الذي رده القرآن.
فالمال قد يضيق.
لكن لا تجعل ضيقه تعريفًا لمكانتك.
وهنا ينبغي أن نحفظ الفرق بين جملتين:
أنا في ضيق مالي.
و:
الله أهملني.
الأولى تصف واقعك.
والثانية تفسر علاقتك بالله من خلال حسابك.
يجوز لك أن تقول:
دخلي لا يكفي.
أنا قلق.
أنا محتاج.
هذا يؤلمني.
لكن لا تجعل الراتب رسولًا يخبرك كيف يراك الله.
الحساب البنكي يعرف كم فيه.
لا يعرف منزلتك عند ربك.
الحمد والحاجة يمكن أن يجتمعا
وقد يكون الإنسان ممتنًا حقًا، ثم يتعب.
وهذا مما يصعب علينا قبوله.
نتخيل أن الشاكر ينبغي أن لا يتألم من حاجته، ولا يتمنى سعة بعد ضيق.
لكن الشكر شيء.
وطلب السعة شيء آخر.
يمكنك أن تشكر الله على بيتك…
وتدعوه أن يوسع عليك لتسد الإيجار.
أن تحمده على أطفالك…
وتقلق لأن نفقتهم تثقل عليك.
أن تحمده على صحتك…
وتسأله مالًا يقضي دينك.
الشكر لا يعني أنك لم تعد تحتاج.
والحاجة لا تمحو الشكر.
بل لعل من الظلم للنفس أن تجعل كل أمنية مالية اختبارًا للأخلاق.
تحتاج مالًا، فتسأل:
هل أصبحت دنيويًا؟
تريد دخلًا أعلى، فتخاف:
هل أنا طماع؟
تسعى لوظيفة أفضل، فتتهم قلبك:
هل لم أرض بما قسم الله؟
لكن السعي المشروع لتحسين حالك لا يناقض الاعتراف بأن ما عندك من الله.
أنت تستطيع أن تقول:
هذا رزقي اليوم.
وأحمد الله عليه.
وأعمل ليكون غدي أوسع.
ليس في هذا تناقض.
الرضا لا يعني الجمود.
والتوكل لا يعني ترك العمل.
والشكر لا يعني أن لا تطلب الزيادة.
قال الله تعالى:
﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾
[النساء: 32]
فطلب فضل الله ليس عيبًا.
وأمنيتك بالسعة ليست بذاتها احتجاجًا على ما لديك.
قد تكون الدعوة الصادقة:
يا رب، أنا شاكر لما في يدي…
ومحتاج إلى المزيد.
وقد يكون من أجمل العبودية أن تدخل على الله بهذه الصراحة.
لا تتظاهر بأن المال لا يعني لك شيئًا.
قل:
يا رب، أحتاجه.
أحتاجه لهذا الدين.
ولهذه النفقة.
ولهذا العلاج.
ولهذه الحاجة.
أنت تعلم.
ارزقني من فضلك.
ووسع عليّ بالحلال.
وأغنني بك عمن سواك.
هذه ليست عبودية أقل روحانية من دعائك بالسكينة.
فأنت عبد بروح وجسد.
والجسد له حاجات.
والبيت له حاجات.
والحقوق لها أثمان.
ومن هنا ينبغي أن ننتبه إلى شيء آخر.
حين نقول:
الرزق صحة.
وأهل.
وعلم.
وسكينة.
وستر.
وفرص.
فنحن نريد أن نوسّع رؤية القلب إلى عطايا الله.
وهذا جميل.
لكن الخطأ أن تتحول هذه القائمة إلى وسيلة لإسكات شكوى المحتاج.
كأنك تقول له:
لماذا تحزن من فقد المال؟
ألست صحيح الجسد؟
وكأن النعمة تلغي الأخرى.
لكن الإنسان لا يعيش بهذه الطريقة.
من فقد بصره لا تقول له:
لكن عندك سمع.
وكأن السمع يلغي وجع فقد البصر.
ومن فقد عزيزًا لا تقول له:
لكن عندك أحبة آخرون.
وكأنهم نسخة منه.
وكذلك المال.
كون الإنسان يملك نعمًا أخرى لا يجعل الحاجة المالية وهمًا.
الامتنان لا يعمل بالمقايضة.
لا تقول:
عندي هذه النعمة، إذن لا يحق لي أن أتألم من غياب تلك.
بل تقول:
عندي هذه، فأحمد الله.
وتنقصني تلك، فأسأله.
هذه عبودية أصدق.
لأنك لم تجحد ما عندك.
ولم تكذب بشأن ما ينقصك.
أحيانًا يحتاج المحتاج إلى هذا الإذن:
يجوز لك أن تقول: المال يؤلمني.
يجوز أن يوجعك العجز عن شراء ما تحتاج.
يجوز أن تخاف من الدين.
يجوز أن تحزن لأنك لا تستطيع مساعدة من تحب.
يجوز أن تتمنى بيتًا أوسع.
وعملًا أفضل.
ودخلًا يكفيك.
ليس كل هذا اعتراضًا على الله.
السؤال ليس:
هل تريد المزيد؟
بل:
كيف تطلبه؟
ومن أين تأخذه؟
وما الذي يفعل المال بقلبك حين يأتي؟
فقد يدفع ضيق المال بعض الناس إلى شيء آخر:
أن يبرروا الحرام.
يقول:
أنا محتاج.
وهنا يجب أن نكون رحماء ودقيقين معًا.
الحاجة حقيقية.
وضيقها حقيقي.
لكن حقيقيتها لا تحول الحرام حلالًا لمجرد أنه أقرب باب.
والإيمان لا يقول للمحتاج:
لا تتألم.
بل يقول له:
ألمك مفهوم، لكن لا تجعل الحاجة تدفعك إلى باب محرم تريد أن تنقذ به نفسك.
المحتاج لا يحتاج إلى الموعظة وحدها
والمقابل أيضًا صحيح.
لا ينبغي أن نقف أمام المحتاج فنلقي عليه المواعظ فقط.
من يستطيع أن يعينه بعمل، فليعن.
ومن يعرف فرصة، فليدل.
ومن يستطيع أن يقضي حاجة، فليفعل.
ومن يستطيع أن يمهل مدينًا معسرًا، فليرفق.
فأحيانًا أفضل موعظة عن الرزق ليست جملة.
إنها مساعدة.
ليس كل جائع يحتاج أولًا إلى تفسير فلسفي للجوع.
قد يحتاج طعامًا.
وليس كل مديون يحتاج أولًا إلى من يذكره بأن السكينة رزق.
قد يحتاج من يمهله.
وهذا من صدق الدين.
لم يتعامل مع المال كأنه شيء تافه.
جعل فيه زكاة.
وصدقة.
ونفقة.
وحقوقًا.
وحرم أكل أموال الناس بالباطل.
ونهى عن التبذير.
وأمر بأداء الأمانات.
كل هذا لأن المال يدخل في حياة الإنسان وحقوقه وحاجاته.
فلا يصح أن نقول بعد ذلك للمحتاج بطريقة سطحية:
المال لا يهم.
بل يهم.
لكن ليس وحده ما يهم.
وهذا هو الميزان.
وإذا فتح الله عليك مالًا، فلا تنس الحقيقة المقابلة.
لأنك قد تقع في الوهم الآخر.
تقول:
الآن ارتحت.
إذن أنا بخير.
لكن المال يستطيع أن يحل مشكلات حقيقية…
ولا يستطيع أن يحل كل شيء.
يدفع ثمن العلاج.
لكن لا يخلق العافية بيده.
يشتري بيتًا.
لكن لا يشتري بالضرورة سكينة من فيه.
يفتح أبوابًا.
لكن لا يكتب لك البركة وحده.
يزيل همومًا مالية.
لكن الإنسان أوسع من همومه المالية.
فلا تحتقر المال.
ولا تؤلهه.
المال وسيلة قوية.
ولهذا يشعر الإنسان بفقده.
لكن الوسيلة حين تتحول إلى مقياس لكل شيء تبدأ المشكلة.
إذا صار عندك:
المال = الأمان كله.
والمال = القيمة.
والمال = الكرامة.
والمال = النجاح.
والمال = رضا الله.
أصبحت تطلب من شيء محدود أن يعطيك ما لا يستطيع.
وقد يقول المحتاج:
لا تتحدث معي عن السكينة، فأنا أريد المال.
وقد نفهم لماذا يقولها.
إذا كان واقفًا أمام حاجة حقيقية.
لكن لا تجعل ألم الحاجة يحرمك رؤية كل خير آخر في حياتك.
كما لا ينبغي لأحد أن يستخدم بقية الخير لإنكار حاجتك إلى المال…
لا تستخدم أنت الحاجة إلى المال لإنكار بقية الخير.
هذا هو العدل مع نفسك.
قل:
نعم، عندي أهل أحمد الله عليهم.
ونعم، عندي صحة.
ونعم، عندي سقف.
ونعم أيضًا، أنا في ضيق مالي يؤلمني.
الجمل الأربع تستطيع أن تكون صحيحة في اللحظة نفسها.
لا تحتاج إلى حذف واحدة حتى تثبت الأخرى.
وربما كانت هذه هي المشكلة في كثير من كلامنا عن الرزق:
نحب الجمل المطلقة.
المال كل شيء.
خطأ.
المال لا شيء.
خطأ أيضًا.
الحقيقة أكثر توازنًا:
المال شيء مهم.
لكنه ليس كل شيء.
والرزق أوسع منه.
لكن اتساع الرزق لا يمحو أهميته.
وإذا ضاق عليك الرزق المادي، فلا تجعل نفسك متهمًا لمجرد أنك تفكر فيه.
لكن راقب قلبك برفق.
هل الحاجة تدفعني إلى اليأس؟
هل جعلت المال مقياس قيمتي؟
هل أقارن نفسي بكل من وسع عليه؟
هل أرى أن غناه شهادة ضدي؟
هل أنا آخذ بالأسباب التي أستطيعها؟
هل هناك باب تعلم أو عمل أو تغيير أستطيع طرقه؟
هل أطلب الحلال ولو طال الطريق؟
هذه أسئلة نافعة.
أما السؤال:
لماذا لا أستطيع أن أتوقف عن احتياج المال؟
فجوابه بسيط أحيانًا:
لأنك تعيش في دنيا جعل الله فيها كثيرًا من حاجاتك مرتبطة بالمال.
ولذلك لا تطلب من قلبك استغناءً وهميًا.
الاستغناء الحقيقي ليس أن تقول:
لا أحتاج مالًا.
وأنت تحتاجه.
بل أن لا تجعل حاجتك إليه تحوّلك إلى عبد له.
أن تطلبه…
ولا تعبده.
أن تسعى إليه…
ولا تبيع نفسك له.
أن تفرح إذا جاء…
ولا ترى نفسك أعلى بسببه.
أن تحزن إذا قل…
ولا ترى نفسك مهانًا بسببه.
وتذكر أن السعي نفسه ليس نقيض الرزق.
أحيانًا يتحدث الناس عن الرزق كأنه شيء سيطرق الباب وحده.
لكن الله قال:
﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾.
امش.
اسع.
تعلم.
طوّر مهارة.
اطلب عملًا.
غيّر سببًا لم يعد نافعًا.
استشر.
احسب.
خطط.
ثم اعلم أن السبب ليس ربًا.
أنت تمشي في الأرض.
لكن الرزق رزق الله.
وقد تسعى كثيرًا ولا يأتي ما تريد في الوقت الذي تريد.
وهنا لا تعد إلى المعادلة القديمة:
إذن الله أهملني.
لا.
كل ما تعرفه:
أن حاجتك ما زالت قائمة.
وأنك مطالب بما تستطيع من سعي.
وأن الأبواب بيد الله.
أما منزلتك عنده، فلا يقيسها الراتب.
وقد يفتح الله عليك بعد ضيق.
فلا تقل:
الآن فقط أصبحت مرزوقًا.
كنت قبل ذلك محاطًا بعطايا ونعم كثيرة.
لكن هذا الباب من الرزق اتسع الآن.
وهذا التعبير يحفظ الحقيقة كلها.
لا يجحد الماضي.
ولا يقلل من الحاضر.
وقد يبقى الضيق.
وهنا لا نبيع الإنسان وعدًا لم نملكه.
لا نقول له:
أكيد ستصبح غنيًا.
ولا:
اصبر قليلًا والمال في الطريق.
ولا:
كل ضيق وراءه ثراء.
لا نعلم.
لكن نستطيع أن نقول شيئًا أصدق:
ضيقك المادي حقيقي، لكنه ليس كل قصتك مع الله.
ولك أن تدعوه بالسعة.
ولك أن تسعى.
ولك أن تتألم.
وعليك أن لا تجعل الألم يحول المال إلى مقياس لقيمتك، أو يدفعك إلى ما حرم الله.
وربما أجمل دعاء يخرج من هذا الفهم ليس:
يا رب، اجعلني لا أهتم بالمال.
بل:
يا رب، ارزقني من الحلال ما يكفيني.
وبارك لي فيما تعطيني.
وأعنّي على السعي.
ولا تجعل ما في يدي أكبر مما في قلبي.
ولا تجعل قلته تعرّف لي قدري عندك.
فإذا قال لك أحد وأنت في ضيق:
الرزق ليس مالًا فقط.
فلا ترفض الجملة.
لكن أكملها.
قل:
نعم.
الرزق ليس مالًا فقط.
لكن المال أيضًا رزق.
وصحتي من رزق الله.
وأهلي من عطائه.
والعلم نعمة.
والستر نعمة.
والفرصة نعمة.
وأنا أحمد الله على ما لدي…
وأطلب منه ما أحتاج.
لا تحتاج أن تختار بين الامتنان والاحتياج.
ولا بين القناعة والسعي.
ولا بين رؤية عطايا الله الكثيرة والاعتراف بأن ضيق المال يوجع.
يمكن للقلب الصادق أن يحمل هذه المعاني كلها دون أن يكذب على نفسه.
قد تكون غنيًا بأشياء كثيرة…
ومحتاجًا إلى المال فعلًا.
والاعتراف بالحاجة لا يجعلك جاحدًا.
كما أن رؤية نعمك الأخرى لا تجعل حاجتك وهمًا.
خذ المال بحجمه الحقيقي
فلا تختصر نعم الله في المال.
ولا تستخدم بقية النعم لتطلب من المحتاج أن يتصرف كأن المال لا يؤلمه.
ولا تجعل نقص المال دليلًا على نقص كرامتك.
ولا تجعل وجوده دليلًا على تمام حياتك.
خذ المال بحجمه الحقيقي:
رزق مهم.
ليس كل الرزق.
وحاجة حقيقية.
ليست كل الحياة.
وحين تضيق بك المادة، لا تقل لنفسك:
يجب ألا أتألم، فعندي نعم أخرى.
قل:
الحمد لله على ما عندي.
ثم لا تخجل أن تكمل:
ويا رب، أنا محتاج إلى ما ليس عندي.
فربما كانت العبودية الصادقة ليست أن تنكر حاجتك باسم القناعة…
بل أن تعرف نعمك كلها، وتعرف حاجتك أيضًا، ثم ترفع الاثنين إلى الله:
يا رب، أشكرك على ما أعطيتني… وأسألك من فضلك ما أحتاجه.