هل الابتلاء دليل على البعد عن الله؟ حاشاه أن يعرّفك وجعك بربك

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

🕊️ حاشاه سبحانه…
أن يكون وجعك دليلًا على قلّة رحمته، أو تأخّر أمنيتك دليلًا على أنك هُنت عليه، أو ابتلاؤك برهانًا على أنك بعيد عنه.

إن أخطر ما يفعله الألم ليس أنه يؤلمك فقط، بل أنه يحاول — حين يطول — أن يتحوّل من شعورٍ في قلبك إلى حُكمٍ على ربك.

فتقول في داخلك:
لو كان الله يرحمني، لما حدث هذا.
لو كنت عزيزًا عليه، لأعطاني ما دعوت به.
لو كان قريبًا مني، لما تركني أتألم كل هذا الوقت.

وهنا ينبغي أن تقف.

رجل يجلس متأملًا بجوار مصحف وضوء الغروب في صورة ترمز إلى أن الابتلاء لا يدل على البعد عن الله أو غياب رحمته
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

الألم شاهد على حالك لا حكم على ربك

ليس لأن ألمك قليل، ولا لأن دمعتك مبالغ فيها، ولا لأن ما مررت به سهل…
بل لأن الألم يعرف شيئًا واحدًا فقط: أنك تتألم.
ولا يعرف لماذا قدّر الله، ولا يحيط بما وراء هذا القدر من حكمة، ولا بما صرفه الله عنك أو قدّره لك، ولا بما ستؤول إليه الأمور، ولا كيف ينظر إليك ربك.

الألم شاهدٌ على حالك،
وليس شاهدًا على الله.
فلا تُعطه شهادةً لم يُؤهَّل لها.

هل الابتلاء دليل على البعد عن الله؟

ولو كان مقدار الألم يكشف مقدار محبة الله لعبده، لكان أشد الناس وجعًا أبعدهم عن الله.
لكن القرآن يهدم هذا الوهم من جذره.

أيوب عليه السلام طال به البلاء، أكان هينًا على الله؟
ويعقوب عليه السلام ابيضّت عيناه من الحزن، أكان منسيًّا عند الله؟
وزكريا عليه السلام طال انتظاره للولد حتى بلغ الكِبَر، أكان تأخر الإجابة علامة إعراض؟
ورسول الله ﷺ أوذي، وفقد من يحب، وضاقت عليه الأرض في بعض أيامه، أفكان ذلك نقصًا في منزلته عند ربه؟

بل كانوا من أكرم الخلق عليه.

وهنا تنكشف الحقيقة:

الابتلاء لا يصلح أصلًا أن يكون دليلًا على أن الله لا يحبك؛ لأن الله ابتلى من نعلم يقينًا أنه أحبهم واصطفاهم.

فإذا ثبت هذا، سقطت تلك المعادلة المؤلمة:
«أنا أتألم، إذن الله لا يرحمني».

لا.

قد تتألم وأنت مرحوم.
وقد تنتظر وأنت عزيز.
وقد تُمنع وأنت تحت علم الله ورحمته وتدبيره، وإن خفيت عنك الحكمة.

الرحمة أوسع من الراحة

نحن نخلط أحيانًا بين الرحمة وبين الراحة، مع أن الرحمة أوسع بكثير من أن تُختصر في أن تحصل دائمًا على ما تريد، في الوقت الذي تريد، وبالصورة التي تريد.

الأم قد تمنع طفلها ما يشتهيه وهي أرحم الناس به، مع أن الطفل لا يرى في اللحظة إلا المنع.
فكيف بحكمة الله التي لا يحيط بها عقل، ورحمته التي سبقت غضبه، وعلمه بما كان وما يكون وما لو كان كيف يكون؟

أنت ترى الصفحة التي تؤلمك.
والله يعلم الكتاب كله.

أنت ترى الأمنية التي تأخرت.
والله يعلم ماذا كان سيحدث لو جاءت أمس، وماذا سيحدث إن جاءت غدًا، وماذا قد يصنع بك انتظارها، وماذا قد يدفع عنك بحرمانك منها.

اشكُ ألمك إلى الله… ولا تجعل الألم يفسّر الله لك

ولذلك فليس مطلوبًا منك أن تُقنع نفسك بأن الألم جميل.
الألم قد يكون مرًّا حقًّا.
والفقد فقد.
والانتظار مُتعب.
والقلب قد يضعف.

لكن هناك فرقًا هائلًا بين أن تقول:
«يا رب، أنا متألم»
وبين أن تقول في أعماقك:
«إذن أنت لا ترحمني».

الأولى شكوى عبد إلى ربّه،
والثانية تفسير لله بشعور العبد.

ويعقوب عليه السلام لم ينكر حزنه، بل قال:
﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾.

فالإيمان لا يطلب منك أن تكذب على قلبك.
لا يطلب منك أن تقول: لا أتوجع، وأنت تتوجع.
وإنما يعلّمك ألا تجعل وجعك مصدرًا للعقيدة.

ابكِ إن احتجت.
قل: تعبت.
قل: لا أفهم الحكمة.
قل: يا رب، طال الطريق عليّ.

لكن لا تقل بقلبك: لستَ رحيمًا بي.

فعدم فهمك للرحمة لا يعني غيابها.

وكم من رحمة جاءت في ثوب شيءٍ كرهناه، ثم لما انكشفت الأيام قلنا: الحمد لله أن الأمر لم يكن كما أردت.

وكم من شيء لن نفهمه كاملًا في الدنيا أصلًا.

حين يغيب التفسير… يبقى تعريف الله لنفسه

ولذلك كان الإيمان في أشد لحظاته ليس أن ترى التفسير، بل أن تعرف مَن هو ربك حين يغيب عنك التفسير.

حين لا تعرف لماذا حدث هذا، يبقى أنك تعرف مَن الله.

وحين لا تعرف متى ينتهي هذا، يبقى أنك تعرف مَن الله.

وحين لا تعرف أين الرحمة في التفاصيل، لا تجعل جهلك بمكانها ينسيك يقينك بصاحبها.

فالله لم يعرّف نفسه إليك من خلال تقلّبات أيامك.

عرّف نفسه إليك بكلامه.

والأيام تتبدل.
ومشاعرك تتبدل.
وما تراه اليوم شرًّا قد يتغير فهمك له غدًا.
أما خبره عن نفسه فلا يتبدل.

دَع الوحي يعرّفك بربك

ولهذا، إذا اجتمع عليك الألم، وتأخرت الأمنية، وضاق صدرك، وبدأ الشعور يهمس لك بتفسيرات قاسية عن الله…

فلا تجادل كل همسة.

ارجع إلى الأصل.

قل لقلبك:

أنت الآن تتألم، وأنا أصدق ألمك.
لكنني لن أسمح لك أن تقول لي من هو الله.

الله هو الذي أخبرني من هو.

﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾.

هذه ليست جملة نقولها بعد انتهاء البلاء فقط.

هذه حقيقة نتمسك بها في وسطه.

ربك ذو الرحمة حين يعطيك،
وذو الرحمة حين يؤخر عنك،
وذو الرحمة حين تفهم،
وذو الرحمة حين تقف أمام قدره ولا تفهم شيئًا.

فلا تجعل أكثر لحظاتك اضطرابًا هي التي تعرّفك بربك.

دَع الوحي يعرّفك به.

وإذا لم تستطع اليوم أن ترى الرحمة في الذي حدث، فحسبك أن تؤمن أن ربك لم يزل ذا الرحمة.

قد يخفى عليك وجه الرحمة…
أما الله فهو ذو الرحمة.

تعليقات

عدد التعليقات : 0