هل تأخر الدعاء يعني أن الله تركني؟ لا تجعل المجهول يفسّر لك ربك

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

🌧️ أفيقول لك إنه رحيم، قريب، ودود… ثم يصبح تأخّر أمرٍ واحد في حياتك أصدق عندك من كل ما أخبرك به عن نفسه؟

رجل يدعو عند الغروب في صورة تعبّر عن تأخر الدعاء والخوف من أن يكون العبد متروكًا، مع تذكير برحمة الله وقربه.

حاشاه سبحانه…

أفيكون قد عرّفك بنفسه في كتابه، ثم إذا نزل بك ما لم تفهمه تركك لتعيد تعريفه من خلال وجعك؟ أفيقول لك إنه رحيم، قريب، ودود، ثم يصبح تأخّر أمرٍ واحد في حياتك أصدق عندك من كل ما أخبرك به عن نفسه؟

هنا يقع جرحٌ خفيّ أشد من جرح الانتظار نفسه:

أن يتحول ما لم تفهمه من القدر إلى حاكم على ما تعرفه عن الله.

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

هل تأخر الدعاء يعني أن الله تركني؟

أنت في أول الطريق لا تقول هذا صراحة. تقول فقط: دعوت كثيرًا. طال الأمر. أُغلق الباب. لم يحدث ما رجوت. ثم يتراكم التعب، وتبدأ النفس بإضافة جملٍ لم تقع في الخارج أصلًا:

«لعل الله لا يريد بي خيرًا.»
«لعلني متروك.»
«لو كان رحيمًا بي، لما طال هذا كله.»

فتنتقل - من حيث لا تشعر - من وصف ما حدث لك، إلى إصدار حكم على مَن قدَّره.

وهما شيئان مختلفان تمامًا.

أنت تعلم أن أمنيتك تأخرت.
لكن هل تعلم لماذا تأخرت؟

تعلم أن بابًا أُغلق.
لكن هل تعلم ماذا وراء إغلاقه؟

تعلم أنك دعوت ولم ترَ إلى الآن الصورة التي طلبتها.
لكن هل تعلم من ذلك أن دعاءك لم يُسمع، أو أن رحمة الله قد فارقتك، أو أن تأخر المطلوب حكمٌ على منزلتك عنده؟

لا.

المجهول في القدر لا يغيّر ما عرفت عن ربك

وهنا السؤال الذي يحتاجه قلبك حين تضيق عليه الحكاية كلها:

من الذي يفسّر الآخر: ما لم تفهمه من القدر، أم ما عرّفك الله به عن نفسه؟

لأنك إذا جعلت الحادثة الغامضة تفسّر لك ربك، فقد أعطيت المجهول سلطة على المعلوم.

والله لم يتركك لتستخرج صفاته من تقلب أيامك.

هو الذي أخبرك مَن هو.

حين قال:

﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156].

وحين قال:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186].

وحين جاء ذلك الوصف الذي يحتاج القلب أحيانًا أن يمسك به بكلتا يديه:

﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: 90].

هذه ليست عبارات مواساة اخترعناها حتى نحتمل الحياة.

هذه أخبارٌ من الله عن الله.

إجابة الدعاء ليست صورة واحدة

لكن انتبه إلى موضع دقيق قد يختلط على القلب: إجابة الدعاء ليست مرادفة دائمًا لتحقق عين المطلوب في الصورة والتوقيت اللذين رسمهما العبد لنفسه. وعد الله بالإجابة حق، لكن العبد لا يملك أن يحصر معنى هذه الإجابة في صورة واحدة ثم يقول: إن لم تقع كما أردتُ فقد خُلِف الوعد. أنت مأمور بالدعاء، وموعود بالإجابة، لكنك لست موعودًا بأن تأتي كل إجابة بالشكل الذي اخترته أنت، وفي اللحظة التي حددتها أنت.

فإذا جاءتك واقعة لا تفهمها، فالمجهول هو تفسير الواقعة، لا صفات ربك التي عرّفك بها.

وقد يكون هذا هو الانقلاب الأخطر الذي يصنعه طول البلاء: أنه لا يكتفي بإرهاقك، بل يحاول أن يحوّل عدد السنوات إلى برهان.

تقول في نفسك: مضت أعوام. دعوت آلاف المرات. بكيت. رجوت. حاولت. إذن…

وهنا انتبه إلى كلمة: إذن.

لأن ما يأتي بعدها قد لا يكون حقيقة، بل حكمًا صنعه الألم.

مضت أعوام… هذه حقيقة.
لم يقع المطلوب… هذه حقيقة.
تعبت… هذه حقيقة.

أما: «إذن الله تركني» فليست حقيقة خرجت من تلك المقدمات.

إنها تفسير.

والتفسير لا يصبح وحيًا لمجرد أن الوجع الذي أنشأه شديد.

طول الانتظار يخبرك كم مضى من الزمن، ولا يخبرك مَن هو الله.

وهذا لا يعني أن تتظاهر بأن التأخير هيّن. ليس مطلوبًا منك أن تسمي الوجع راحة، ولا الحرمان عطاءً تراه بعينيك، ولا أن تدّعي أنك فهمت الحكمة وأنت لا تفهمها.

يجوز أن تقول: يا رب، لقد تعبت.

يجوز أن تبكي على ما فاتك.

يجوز أن تسأله الفرج مرارًا، وأن تأخذ بالأسباب، وأن تتمنى أمنيتك بكل صدق.

فالسكينة ليست أن تفقد رغبتك، وحسن الظن ليس أن تتوقف عن الإحساس.

لكن هناك حدًّا ينبغي ألا تسمح للألم أن يعبره:

أن يتحول من شاهد على جرحك إلى شاهد على ربك.

فليس كل ما لا تفهمه اتهامًا ينبغي أن توجهه إلى السماء.

وحين يقول قلبك: «لكنني دعوت، فلماذا لم يحدث ما طلبت؟» لا تُسكته بإجابة غيبية لا تعرفها. لا تقل له: لا بد أن الله أخّرها لهذا السبب أو ذاك. فقد لا تعلم الحكمة الخاصة بهذا البلاء.

قل له شيئًا أصدق:

أنا أعلم ما حدث، ولا أعلم كل ما وراءه.

أعلم أنني دعوت، وأعلم أنني لم أنل إلى الآن ما أردت بالصورة التي أردتها. وأما ما صنعه الله بدعائي، وما ادخره، وما دفعه، وكيف أجاب، ولماذا اختار هذا التوقيت وهذه الصورة؛ فليس كل ذلك مما أُعطيت علمه.

فلماذا أملأ المساحة التي لم أعرفها بأسوأ ظن بربي؟

هذه هي المعركة الحقيقية في بعض أوقات الانتظار: ليست أن تفهم القدر كله، بل أن تمتنع عن اختراع تفسير للقدر يخاصم ما تعرفه عن الله.

ما الذي تعلمه فعلًا وما الذي أضافه الألم؟

ولهذا حين يشتد عليك الغموض، لا تطالب نفسك بأن تحل اللغز.

ارجع فقط إلى الحد الفاصل بين علمك وظنك.

اسأل: ما الذي أعلمه فعلًا، وما الذي أضافه ألمي إليه؟

أعلم أن الباب أُغلق.
ولا أعلم أن الله أغلق رحمته.

أعلم أن الإجابة التي تمنيتها تأخرت.
ولا أعلم أنني منسي.

أعلم أنني لا أرى المخرج.
ولا أعلم أنه غير موجود في علم الله وقدرته.

أعلم أن قلبي أُنهك من الانتظار.
ولا أعلم من ذلك أن ربي لم يعد رحيمًا بي.

ثم رُدَّ المجهول إلى موضعه، ولا تسمح له أن يزاحم اليقين.

وقل لربك كما أنت، بلا ادعاء قوة:

يا رب، أنا لا أفهم هذا الموضع من قدري. ولا أعرف لماذا طال، ولا كيف سينتهي، ولا أين الخير فيما خفي عني. لكنني لن أجعل جهلي بحكمتك حجةً على ما عرّفتني به عن نفسك. سأدعوك وأنا موجوع، وأرجوك وأنا لا أرى، وأبقى على بابك ولو عجزت عن فهم الطريق.

لأن العبد لا يحتاج حتى يثبت قلبه أن يعرف كل ما يفعله الله به.

يكفيه أن يعرف مَن ربُّه.

وحين تضيق عليك التفاصيل حتى لا تجد جوابًا لسؤال: «لماذا؟»، فلا تحاول أن تنتزع من الغيب جوابًا لم يُعط لك.

رُدَّ قلبك إلى ما أُعطيته يقينًا:

لا تجعل المجهول في قدرك يفسّر لك المعلوم عن ربك.

قد لا تعرف لماذا تأخر الأمر.

لكنّك تعرف مَن دعوت.

وقد لا تفهم ما يجري.

لكن الله لم يتركك بلا معرفة به.

فإذا ازدحم في صدرك ألف سؤال لا تملك له جوابًا، فضع بينها حقيقةً واحدة لا يملك الألم أن يغيّرها:

﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾.

```0[❶](code://python)

تعليقات

عدد التعليقات : 0