تكرار نفس الدعاء مرة بعد مرة لا يعني في ذاته اعتراضًا على قدر الله؛ والسؤال الأدق هو: ماذا يحدث في القلب أثناء الإلحاح؟
قد تدعو بالأمر نفسه طويلًا، ثم يأتيك سؤال أشد من تأخر المطلوب نفسه:
لو كنت راضيًا عن الله حقًا، أما كان ينبغي أن أتوقف عن طلب تغيّر ما أنا فيه؟
فتبدأ تخاف من دعائك.
تريد الشفاء، ثم تقول: لعل إلحاحي اعتراض.
تريد الفرج، ثم تستحي أن تكرر السؤال.
تريد أمرًا عزيزًا عليك، فتظن أن الرضا يقتضي أن تطفئ رغبتك فيه.
وهنا يحتاج المعنى إلى ضبط.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
الرضا لا يعني أن تحب الألم، ولا أن تتوقف عن سؤال الله زواله، ولا أن تترك الأسباب التي تدفعه.
فالعبد قد يتألم، ويكره الضر بطبعه، ويسأل الله العافية، ويظل مع ذلك صابرًا مسلمًا أمره لله.
قال أيوب عليه السلام:
﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
[الأنبياء: 83]
ثم أثنى الله عليه فقال:
﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾
[ص: 44]
طلبُ زوال الضر لم ينقض صبره.
وهذا وحده يكسر الوهم الأول: فطلب زوال الضر لا ينافي الصبر والتسليم لله، كما أن الرضا بربوبية الله وحكمه لا يوجب أن يحب العبد الألم أو يمتنع عن سؤال العافية.
يمكنك أن تقول:
يا رب، أنا أتألم وأريد العافية.
دون أن تقول:
يا رب، لا أقبل حكمك حتى تعطيني العافية.
وبين الجملتين مسافة كبيرة.
الإلحاح ليس هو الاعتراض
كرر دعاءك ما شئت.
فالنبي ﷺ حذّر من الاستعجال، ولم يجعل كثرة الدعاء هي الاستعجال.
قال ﷺ:
«يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يُستجب لي».
متفق عليه.
موضع الخلل إذن ليس أنك عدت إلى الدعاء مرة أخرى.
بل أن تتحول كثرة دعائك في داخلك إلى حجة تقول بها:
لقد دعوت كثيرًا، إذن كان ينبغي أن أحصل الآن على ما أريد.
هنا يتغير معنى الدعاء.
في البداية كنت تقول:
يا رب، أسألك لأنني محتاج.
ثم قد يبدأ القلب، من شدة التعب، يقول:
يا رب، لقد دفعت ثمن الإجابة بما يكفي من الدعاء.
وهذا هو الموضع الذي يحتاج إلى تصحيح.
الدعاء افتقار، لا فاتورة.
أنت لا تجمع عددًا من الدعوات حتى يصبح المطلوب دينًا واجب الأداء لك.
تدعو لأن الله أمرك بالدعاء، ولأنك محتاج إليه، ولأن خزائن الأمر بيده.
أما الصورة والوقت والكيفية فليست ملكك.
لا تصنع رضا لا يشعر به قلبك
بعض الناس يحاول أن يثبت رضاه بطريقة قاسية على نفسه.
فيقول:
لن أطلب الأمر مرة أخرى.
لن أقول إنني أريده.
سأتظاهر أنني لم أعد أتمنى شيئًا.
وكأن الاعتراف بالرغبة نقص في الإيمان.
لكن الله يعلم ما في قلبك قبل أن تقوله.
فلماذا تتكلف أمامه برودًا لا تملكه؟
قل:
يا رب، أريده.
يا رب، اشتقت إليه.
يا رب، أتعبني غيابه.
يا رب، أسألك إياه مرة أخرى.
هذا كله من الدعاء والافتقار.
والرضا المشروع لا يطالبك بأن تنكر ألمك، وإنما يحفظك من أن تجعل ألمك اعتراضًا على الله، أو تجعل مطلوبك شرطًا لحسن ظنك به وعبادتك له.
يمكن أن تريد الشيء جدًا، ولا تجعل الله في موضع المتهم إن لم يقع.
وهذه هي المسألة.
متى يحتاج إلحاحك إلى مراجعة؟
ليس عندما تكرر الدعاء.
بل عندما يبدأ قلبك يربط صلاح علاقته بالله بالنتيجة.
حين يصبح المعنى:
إن أعطاني الله هذا، اطمأننت إليه.
وإن لم يعطني، اضطربت معرفتي به.
أو حين يتحول الدعاء من سؤال إلى مطالبة:
أنا دعوت.
أنا صبرت.
أنا بكيت.
أنا انتظرت.
فلماذا لم يحدث؟
ليس الخطأ في أن تتألم من التأخير.
ولا في أن تتساءل من شدة التعب.
لكن لا تجعل أعمالك حججًا على الله.
فأنت حين تدعو، لا تمنّ على الله بدعائك.
بل من رحمته بك أنه فتح لك بابه أصلًا.
أعد الدعاء إلى معناه الأول
حين تعود الليلة إلى الدعاء، لا تحمل معك دفتر الحساب.
لا تقل في قلبك: هذه الدعوة رقم ألف.
ولا تجعل كل صلاة محطة جديدة لقياس المسافة بينك وبين المطلوب.
اسأل الله.
ثم قم إلى حياتك.
خذ بالأسباب.
أدِّ واجبك.
وإذا عاد الاحتياج، فعد إلى الدعاء.
ليس لأن الدعوة السابقة ضاعت.
ولا لأن هناك عددًا خفيًا يجب أن تبلغه.
بل لأنك ما زلت محتاجًا، والله ما زال ربك.
وقل في قلبك:
يا رب، أنا لا أكرر لأنني أستحق عليك شيئًا؛ أكرر لأن حاجتي إليك لم تنتهِ.
هنا يصير الإلحاح عبادة.
تريد، لكنك لا تأمر.
ترجو، لكنك لا تفرض.
تسأل، لكنك لا تجعل الإجابة بالصورة التي اخترتها شرطًا لرضاك عن ربك.
وهكذا يجتمع في القلب أمران لا يتعارضان:
رغبة صادقة في أن يتغير الحال،
وتسليم صادق لله إن لم يتغير الآن.
فلا تخف من كثرة قولك: يا رب.
خف فقط أن تتحول «يا رب» في داخلك من افتقارٍ إليه… إلى مطالبةٍ عليه.
ألحَّ عبدًا، لا دائنًا.