لماذا لم يتركني الله رغم تقصيري؟ رحمة تحفظ ما بقي من النور

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث
نور يخرج من باب مفتوح يرمز إلى رحمة الله التي تحفظ طريق الرجوع رغم التقصير

حين تخاف أن يكون ضعفك قد أفسد كل شيء

أحيانًا تخاف أن يكون ضعفك قد أفسد كل شيء.

تنظر إلى تقصيرك، وإلى الفترات التي فتر فيها قلبك، وإلى دعوات لم تعد تقولها بحرارة الأيام الأولى، وإلى إيمانك الذي يصعد يومًا ويهبط أيامًا…

ثم تسأل في سرّك:

لماذا لم يتركني الله رغم تقصيري، بعد كل هذا؟

والعجيب أن القرآن يفتح أمامك بابًا آخر للنظر إلى علاقتك بالله.

قال تعالى لنبيه ﷺ:

﴿وَلَئِن شِئنا لَنَذهَبَنَّ بِالَّذي أَوحَينا إِلَيكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَينا وَكيلًا ۝ إِلّا رَحمَةً مِن رَبِّكَ إِنَّ فَضلَهُ كانَ عَلَيكَ كَبيرًا﴾.

ماذا تكشف آية ﴿إلا رحمة من ربك﴾؟

تأمل موضع الرحمة هنا.

الحديث ليس عن إعطاء شيء جديد.

بل عن شيء موجود… وكان يمكن أن يُذهب.

الوحي نفسه.

ذلك النور الذي أنزله الله، وذلك القرآن الذي امتلأت به حياة النبي ﷺ وحياة الأمة، يذكّر الله أن بقاءه لم يكن شيئًا يملكه العبد على الله.

﴿إِلّا رَحمَةً مِن رَبِّكَ﴾.

كأن الآية تعيد ترتيب فهمنا لما بقي معنا:

ليس كل ما لم تفقده باقيا لأنك أحسنت المحافظة عليه.

بعض أعظم ما في حياتك بقي لأن الله رحمك.

وهذا معنى يحتاجه الإنسان خصوصًا حين يطيل النظر إلى نفسه.

حين يتحول التقصير إلى خوف من زوال الخير

لأنك إذا جعلت علاقتك بالله قائمة فقط على حساب ما قدمت، فستعيش خائفًا كلما رأيت نقصك:

صلاتي ليست كما ينبغي.

دعائي ليس كما كان.

قلبي يتقلب.

تركيزي يضعف.

أقع ثم أعود.

ثم تبدأ في تخيل أن كل باب خير ما زال مفتوحًا أمامك لا بد أن يغلق قريبًا؛ لأنك في نظرك لم تعد تستحقه.

لكن الآية تنقلك من سؤال الاستحقاق إلى معنى الرحمة.

حتى أعظم نعمة نزلت على خير الخلق ﷺ وصف الله بقاءها بأنها من رحمته وفضله:

﴿إِنَّ فَضلَهُ كانَ عَلَيكَ كَبيرًا﴾.

فكيف ينسى الإنسان بعد ذلك أن أصل عطايا الله أوسع من حساباته الضيقة عن نفسه؟

الرحمة لا تلغي التوبة والمجاهدة

هذا لا يعني أن التقصير لا يضر.

ولا أن الذنب لا يُخاف منه.

ولا أن العبد يستغني عن المجاهدة والتوبة.

لكن هناك فرقًا هائلًا بين أن تخاف ذنبك فيدفعك إلى الله…

وأن تجعل ذنبك أكبر في قلبك من رحمة الله، حتى تقنع نفسك أن كل خير بقي لك لا بد أن يكون على وشك الرحيل.

ربما كان السؤال الأجدر أحيانًا ليس:

لماذا ما زلت ضعيفًا هكذا؟

بل:

كم مرة ضعفت… ومع ذلك بقي الباب مفتوحًا لتعود؟

كم مرة فترت… ثم وجدت آية توقظك؟

كم مرة ابتعد قلبك… ثم شعرت بحاجة لا تعرف لها اسمًا إلا أن تقول: يا رب؟

لا تجعل هذا سببًا للاغترار.

اجعله سببًا للحياء.

فالفرق عظيم بين إنسان يرى بقاء النعمة فيزداد جرأة…

وإنسان يراها فيقول في داخله:

يا رب، ما أبقاني عند بابك حسن عملي، وإنما فضلك.

وهنا تصبح الرحمة نفسها دافعًا إلى الطاعة.

لا لأنك تشعر أنك ضمنت قربك من الله…

بل لأنك أدركت كم أنت مدين لفضله في كل مرة لم يُترك فيها قلبك لنفسه.

انظر أيضًا إلى ما أبقاه الله

وقد ترى في نفسك اليوم نقصًا كثيرًا.

لكن لا تنظر فقط إلى ما انطفأ.

انظر أيضًا إلى ما أبقاه الله.

ما زلت تعرف الطريق إليه.

ما زالت كلماته تستطيع أن تمسك قلبك.

ما زلت إذا ضاقت بك الأرض تعرف إلى من ترفع حاجتك.

وما زال فيك شيء يتألم من البعد، ويتمنى القرب.

لا نزعم أن كل شعور في القلب علامة مخصوصة من الله، ولا نبني على ذلك حكمًا على الغيب.

لكننا نعرف يقينًا أن الهداية والوحي والإيمان وكل باب خير لا يملكه العبد استقلالًا عن ربه.

وأن العبد، مهما بلغ، يظل محتاجًا إلى رحمة تحفظ عليه ما وهبته الرحمة أول مرة.

ولهذا جاءت الآية بهذه الخاتمة العجيبة:

﴿إِنَّ فَضلَهُ كانَ عَلَيكَ كَبيرًا﴾.

الفضل فضل الله

لم يقل: لأنك كنت قويًا.

ولا: لأنك أحكمت حفظ النعمة وحدك.

بل أعاد الأمر كله إلى موضعه الصحيح:

الفضل فضل الله.

فإذا رأيت نقصك، تب.

وإذا رأيت ضعفك، استعن.

وإذا خفت على قلبك، فاسأل الله الثبات.

لكن لا تنس وأنت تعدّ مواضع تقصيرك أن تعدّ أيضًا شيئًا آخر:

كم من خير فيك ما كان ليبقى لولا فضل الله.

فليس كل ما بقي معك شاهدًا على قوتك… قد يكون بعض أعظم ما بقي معك شاهدًا على رحمة لم تتركك لنفسك.

```0[❶](code://python)

تعليقات

عدد التعليقات : 0