هل يعطي الله أكثر مما نطلب؟ عطاء سليمان وفضل الوهاب

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

هل يعطي الله أكثر مما نطلب؟ قصة سليمان عليه السلام تفتح للقلب بابًا عظيمًا لفهم سعة فضل الله، وأن العطاء قد يبدأ من حيث ينتهي سؤال العبد.

مشهد رمزي لقصر واسع وضوء ممتد يعبر عن معنى أن عطاء الله أوسع من حدود ما يطلبه العبد في دعاء سليمان عليه السلام

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

طلب سليمان عليه السلام شيئًا عظيمًا.

قال:

﴿رَبِّ اغفِر لي وَهَب لي مُلكًا لا يَنبَغي لِأَحَدٍ مِن بَعدي إِنَّكَ أَنتَ الوَهّابُ﴾.

طلب مُلكًا متفرّدًا.

فأعطاه الله مُلكًا متفرّدًا.

سخّر له الريح، وسخّر له من الشياطين من يبنون ويغوصون، وفتح له من السلطان ما لم يفتحه لغيره، ثم قال له:

﴿هذا عَطاؤُنا فَامنُن أَو أَمسِك بِغَيرِ حِسابٍ﴾.

هل يعطي الله أكثر مما نطلب؟

ولكن العجيب أن الله لم يقف عند حدود ما طلبه سليمان.

سليمان طلب مُلكًا.

والله أعطاه المُلك… ثم أخبره بشيء لم يكن داخل صيغة الطلب أصلًا:

﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنا لَزُلفى وَحُسنَ مَآبٍ﴾.

وكأن الله يقول له:

طلبتَ ما يكون لك في الدنيا، فأعطيناك.

ولكن عطاؤنا لك لم ينتهِ عند الدنيا.

طلبتَ سلطانًا بين الناس، فأعطيناك.

وزدناك منزلةً عندنا.

طلبت مُلكًا لا ينبغي لأحد من بعدك، فأعطيناك ما سألت، ثم جعلنا فوقه ما هو أجلّ:

﴿عِندَنا لَزُلفى﴾.

من عطاء الدنيا إلى الزلفى وحسن المآب

وهنا يظهر الفرق بين عطاء الله وعطاء البشر.

البشر إن أعطوك، أعطوك على قدر ما طلبت، وربما أقل.

أما الله، فقد تسأله شيئًا بعينه، فيعطيك ما سألت، ثم يفتح لك من فضله ما لم يخطر لك أن تطلبه.

سليمان لم يقل: رب هب لي ملكًا، وهب لي معه زلفى عندك، وحسن مآب.

لكنه وجد الأمرين جميعًا.

وجد عطاء الدنيا.

ووجد قرب الآخرة.

وجد الملك.

ووجد الزلفى.

وجد التمكين.

ووجد حسن المآب.

وهذا من أوسع أبواب الرجاء بالله.

فإنك حين تدعو الله، لا تتعامل مع خزينة محدودة، ولا مع فضل محسوب بمقدار كلماتك.

أنت تسأل الوهاب.

والوهاب لا يعطيك فقط لأنك أحسنت تحديد الطلب.

بل يعطيك من فضله ما تعجز أنت أصلًا عن تصوّره.

ما الذي يفعله اسم الله الوهاب في رجائك؟

ولهذا ختم سليمان دعاءه بقوله:

﴿إِنَّكَ أَنتَ الوَهّابُ﴾.

كأنه لم يقل فقط: أعطني.

بل قال: أنا أعرف من أسأل.

أعرف أن عطاءك ليس كعطاء أحد.

أعرف أنك إذا وهبتَ، فهبتك أوسع من الحساب.

وأعرف أن الفضل منك لا يتوقف عند الحرف الذي خرج من فمي.

وهذا هو المعنى الذي يحتاجه القلب حين يضيق تصوره بالله.

نحن كثيرًا ما ندعو الله بعقل صغير، ونظن أن الإجابة ستأتي في حدود ما استطعنا أن نتخيله.

نسأله بابًا واحدًا.

وهو قادر أن يفتح وراء ذلك الباب أبوابًا.

نسأله شيئًا يصلح الدنيا.

وهو قادر أن يجعل فيه صلاح الدنيا والآخرة.

نسأله نعمة ظاهرة.

وهو قادر أن يضم إليها نعمة خفية أعظم منها.

وقد يعطيك ما طلبت، ثم يجعل أعظم العطاء شيئًا لم تطلبه أصلًا.

حين يكون أعظم العطاء ما لم تطلبه

وهذا بالضبط ما تراه في قصة سليمان.

فالملك عطاء.

لكن:

﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنا لَزُلفى﴾

عطاء أعظم.

لأن الملك ينتهي.

أما الزلفى عند الله فلا تُقاس بشيء من مُلك الأرض.

الملك يصف ما في يدك.

والزلفى تصف مكانك عند الله.

الملك يرفع شأنك بين الخلق.

والزلفى ترفع منزلتك عند الخالق.

الملك نعمة عظيمة.

لكن حسن المآب أعظم؛ لأن النهاية الطيبة هي التي تجعل كل نعمة قبلها نعمة حقًا.

ومن رحمة الله بسليمان أنه لم يعطه دنيا واسعة ثم يترك قلبه للدنيا.

أعطاه المُلك، ثم أخبره أن هناك ما هو أثمن من المُلك:

﴿عِندَنا لَزُلفى﴾.

فكأن العطية الكبرى لم تكن أن يقول له:

﴿هذا عَطاؤُنا﴾.

بل أن يقول بعدها:

﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنا لَزُلفى وَحُسنَ مَآبٍ﴾.

وهنا يتغير دعاؤك.

لا تعد تنظر إلى فضل الله وكأنه إجابة واحدة لسؤال واحد.

بل تقول:

يا رب، أنا أسألك ما أعرف حاجتي إليه، وأنت تعلم ما هو خير لي مما لا أعرف.

أنا أسألك ما استطاع عقلي أن يصوغه، وأنت كريم أن تعطيني فوق حدود تصوري.

أنا أسألك نعمة، فلا تجعلني أراها منفصلة عنك.

إن أعطيتني رزقًا، فاجعل معه قربًا.

وإن أعطيتني نجاحًا، فاجعل معه رضًا.

وإن أعطيتني قدرة، فاجعل معها عبودية.

وإن أعطيتني شيئًا من الدنيا، فلا تحرمني به مما هو أعظم:

أن يكون لي عندك زلفى وحسن مآب.

فليس كل فضل يُقاس بكثرته.

أعظم الفضل أن يعطيك الله ما طلبت، ثم يحفظ لك ما هو خير من الذي طلبت.

وأن يفتح لك الدنيا، ولا يغلق عنك الآخرة.

وأن يضع النعمة في يدك، ولا يجعلها تحجب قلبك عنه.

لا تقف عند العطاء… انظر إلى المعطي

تأمل ترتيب الآيات:

﴿هذا عَطاؤُنا﴾

ثم:

﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنا لَزُلفى﴾.

كأن الله يعلّمك:

لا تقف عند العطاء حين يأتي.

انظر إلى المُعطي.

ولا تجعل أكبر فرحتك فيما صار عندك.

بل فيما صار لك عنده.

فهناك فرق بين أن يكون لك شيء من الله، وبين أن يكون لك مقام عند الله.

وسليمان جمع له ربّه الاثنين.

أعطاه من عنده.

ثم قرّبه عنده.

وهذا هو الفضل الذي لا تستطيع العبارة أن تحيط به.

أن تسأل الله شيئًا، فيعطيك إياه.

ثم يهبك معه ما لم تسأل.

ثم يكون أعظم ما وهبك ليس الشيء الذي صار في يدك، بل القرب الذي صار لك عنده.

فإذا دعوت الله، لا تجعل أملك على قدر دعائك.

اجعل أملك على قدر من تدعوه.

أنت لا تقول:

يا رب أعطني لأن طلبي كبير.

بل تقول:

يا رب أعطني لأنك أنت الوهاب.

وحين يعطي الوهاب، قد تبدأ الإجابة من حيث انتهى سؤالك.

﴿هذا عَطاؤُنا﴾…

ثم يأتي الفضل الذي لم يكن في نص الطلب:

﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنا لَزُلفى وَحُسنَ مَآبٍ﴾.

تعليقات

عدد التعليقات : 0