🐎 حين تسبقك النعمة… ثم يسبقها النسيان
تبدأ السورة بمشهد لا يكاد يترك لك فرصة لالتقاط أنفاسك:
﴿وَالعادِياتِ ضَبحًا فَالمورِياتِ قَدحًا فَالمُغيراتِ صُبحًا فَأَثَرنَ بِهِ نَقعًا فَوَسَطنَ بِهِ جَمعًا﴾.
خيل تعدو حتى يُسمع نَفَسها.
وتقدح بحوافرها الشرر.
وتهجم مع الصباح.
وتثير الغبار.
ثم تشق الصفوف حتى تتوسط الجمع.
حركة، وقوة، واندفاع، ووفاء بالغ بالمهمة.
ثم فجأة ينتقل بك القرآن من هذا المشهد الصاخب إلى قلب الإنسان:
﴿إِنَّ الإِنسانَ لِرَبِّهِ لَكَنودٌ وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهيدٌ﴾.
وكأنك كنت تظن أن الحديث عن الخيل…
ثم تكتشف أن المشهد كله كان يهيئك لسؤال أشد قربًا منك:
كيف يكون المخلوق وفيًّا لما سُخّر له، ثم يكون الإنسان كنودًا لربه الذي أغرقه بالنعم؟
فهرس المحتويات
نسيان نعم الله عند البلاء: أين يبدأ الكنود؟
وهنا الجرح الذي قد لا ننتبه إليه:
ليست مشكلة الإنسان دائمًا أنه لا يرى نعم الله.
أحيانًا هو يراها جيدًا.
لكنه إذا أصابته نعمة واحدة ناقصة، أو دعوة واحدة تأخرت، أو باب واحد أُغلق، أعاد تفسير حياته كلها من خلال هذا الباب.
يقول:
أنا محروم.
أنا متروك.
لماذا لا يحدث لي ما يحدث لغيري؟
وكأن السنوات التي سُتر فيها لم تكن.
وكأن المرات التي نُجّي فيها لا تُحسب.
وكأن الصحة التي بقيت، والأهل الذين ما زالوا، والرزق الذي يأتي، والذنوب التي سُترت، والأبواب التي فُتحت من قبل… كل ذلك يُمحى لأن شيئًا واحدًا لم يقع كما أراد.
وهذا من دقة معنى الكنود:
أن يضيق نظر الإنسان عن الكثير الذي أُعطي، ويتعلق بالقليل الذي مُنع.
لا يحتاج الأمر أن تقول بلسانك: «لم ينعم الله عليّ».
يكفي أن تعيش كأن كل نعم الله أصبحت هامشًا أمام نعمة واحدة تنتظرها.
ولهذا قد يكون حولك من فضل الله ما لو فقدت نصفه لعرفت قدره…
لكن وجوده الطويل جعله في عينك عاديًا.
تستيقظ وأنت تتنفس، فلا تتوقف.
تتحرك، فلا تتوقف.
تأكل، وتنام، وتتكلم، وتفهم، وتدخل وتخرج، ويُستر عليك، وتُفتح لك أبواب التوبة كل يوم…
ثم إذا تأخر عنك شيء واحد، صار هو عنوان علاقتك بالله.
حين يصبح الألم هو الحقيقة كلها
وهنا لا تعالجك سورة العاديات بكلمة رخوة.
إنها تكشف اختلال الميزان في داخلك.
أنت لا ترى حياتك كلها.
أنت تنظر إلى الجزء المؤلم منها، ثم تطلب منه أن يعرّفك بربك.
وهذا هو الخطر.
لأن الألم صادق في إخبارك بأنك تتألم…
لكنه ليس صالحًا وحده ليخبرك كم أنعم الله عليك.
والحرمان صادق في إخبارك بأن شيئًا فاتك…
لكنه لا يملك أن يمحو ما أُعطيت.
والباب المغلق حقيقة…
لكنه ليس الحقيقة كلها.
تأمل ترتيب السورة مرة أخرى.
خيل تعدو، وتقدح، وتغير، وتثير، وتتوسط…
ثم إنسان يقول له القرآن:
﴿إِنَّ الإِنسانَ لِرَبِّهِ لَكَنودٌ﴾.
كأن المعنى يوقظ فيك شيئًا مؤلمًا:
كم من نعمة خدمت حياتك بصمت، بينما أنت لا تكاد تذكرها!
قلب ينبض دون أن تستأذنه.
رئتان تعملان وأنت نائم.
أعضاء تسخّر لك في كل لحظة.
أسباب تتحرك حولك لا تعلم عنها شيئًا.
وألطاف تمر بك فلا تراها إلا بعد زمن، وربما لا تراها أبدًا.
ثم يصبح سؤال القلب كله:
وأين الشيء الذي طلبته؟
حين تحكم نعمة واحدة غائبة على كل ما أُعطيت
ليس الخطأ أن تطلبه.
ولا أن تحزن لتأخره.
ولا أن تبكي بين يدي الله.
إنما الخطأ أن تجعل الشيء الذي لم يُعط لك حاكمًا على كل ما أُعطيت.
أن تقول بقلبك:
إن جاء، عرفت أن الله أكرمني.
وإن لم يأت، فلا أدري ماذا بقي لي.
مع أن كرم الله عليك لم يبدأ بهذه الحاجة.
ولو نزعت من يومك ما أنت فيه من نعم، واحدة بعد أخرى، لفهمت أن أشياء كثيرة كنت تسميها «عادية» كانت في الحقيقة رحمة متصلة.
﴿وإنه على ذلك لشهيد﴾: أنت تعرف أن الصورة ليست سوداء كلها
ثم يزيد القرآن الأمر وضوحًا:
﴿وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهيدٌ﴾.
وهنا تسقط حجة أخرى.
فالإنسان في داخله يعرف.
يعرف أن الصورة ليست سوداء كما يصورها له وجعه.
يعرف أن الله أعطاه كثيرًا.
يعرف أنه نُجّي من أشياء.
وستر في أشياء.
ورُحم في أشياء.
لكنه حين يشتد عليه ما يكره، ينسحب وعيه كله إلى موضع الألم.
الشكر يعيد الميزان ولا يلغي الألم
ولهذا فالشكر ليس مجرد أن تقول: الحمد لله.
الشكر أن تمنع الجرح من أن يحتكر تفسير حياتك.
أن تقول:
نعم، هذا الباب يؤلمني.
نعم، هذه الحاجة ما زالت في قلبي.
نعم، طال عليّ الطريق.
لكن هذا ليس كل ما فعله الله بي.
هذه الجملة وحدها تعيد الميزان.
لم تُجب دعوتي بعد؟
لكن كم من بلاء دُفع عني وأنا لا أعلم؟
فقدت شيئًا؟
لكن كم بقي لي ولم أنتبه إلى بقائه؟
أُغلق باب؟
لكن من الذي أبقى في قلبي القدرة على الدعاء أصلًا؟
أثقلني الطريق؟
لكن من الذي حملني في أيام ظننت أنني لن أحتملها؟
ولا يعني هذا أن تحوّل النعم إلى وسيلة لإسكات حزنك.
الله لا يطلب منك أن تكذب على ألمك.
بل أن تكون عادلًا مع نعمته.
احزن على المفقود…
لكن لا تجحد الموجود.
اسأل عما تريد…
لكن لا تنس ما لديك.
انتظر الفرج…
لكن لا تجعل انتظار نعمة واحدة يمحو تاريخًا كاملًا من الرحمة.
فربما لم تكن مشكلتك أن الله لم يعطك.
ربما مشكلتك أن النعمة التي طال وجودها قربك فقدت قدرتها على إدهاشك.
وأن الشيء الغائب صار أعلى صوتًا من كل شيء حاضر.
حين لا تحفظ الذاكرة إلا مواضع الحرمان
ولهذا جاءت سورة العاديات بهذه القسوة الجميلة في كشف النفس:
لتقول لك إن المشكلة ليست دائمًا في قلة النعم…
بل أحيانًا في ذاكرة لا تحفظ إلا مواضع الحرمان.
فإذا ضاق بك ما لم تنله، لا تسأل فقط:
ماذا منع عني؟
اسأل أيضًا:
ماذا أعطاني حتى اعتدت وجوده فلم أعد أراه؟
قد لا يغيّر هذا السؤال ما تنتظره…
لكنه يغيّر المكان الذي تنظر منه إلى الله.
وحين يتغير هذا المكان، لا يعود التأخر دليل حرمان، ولا الألم تفسيرًا للعلاقة، ولا الباب المغلق قادرًا على محو أبواب الرحمة كلها.
لا تجعل نعمة واحدة لم تأتِ بعد تُنسيك ربًّا لم يتوقف فضله عنك لحظة.