تقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: 13]، ثم تنظر في نفسك، فتجد خوفًا لم يهدأ، وحزنًا لم تستطع تجاوزه، وقلقًا يعود إليك حتى بعد الدعاء.
فتهمس في داخلك: لعلني لو صدقت في قول «ربي الله» لما كنت بهذا الاضطراب.
وهكذا ينضم إلى وجعك وجع آخر: كنت تخاف مما سيحدث، فأصبحت تخاف أيضًا أن يكون خوفك دليلًا على أنك لست من أهل هذه البشارة. وجئت إلى الآية تلتمس منها السكينة، فإذا بفهمك لها يزيد قسوتك على نفسك.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
هل الخوف ينافي الاستقامة؟
لكن تمهّل عند السؤال الذي بنيت عليه هذا الحكم:
هل جعل الله اختفاء الخوف من صدرك شرطًا لصدق قولك: «ربي الله»؟
اقرأ ما بعد الآية: ﴿أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: 14].
هذا سياق بشارة بالمآل. وقد بيّن الطبري أن نفي الخوف هنا متعلق بفزع يوم القيامة وأهواله، ونفي الحزن متعلق بما خلّفوه وراءهم بعد موتهم. فالآية لا تشترط على المؤمن المستقيم حياةً دنيوية بلا دمعة أو فزع أو فقد؛ بل تبشّره بالأمان من أهوال الآخرة وزوال الحزن في المآل.
تأمل كم يتغير المعنى حين يعود الوعد إلى موضعه:
الخوف الذي تعانيه اليوم لا يصلح وحده دليلًا على أنك محروم من أمان الآخرة. والدمعة التي تنزل الآن لا تنقض بشارة الله بزوال الحزن عن أهل الجنة.
قد يجتمع في العبد ألم حاضر ورجاء صادق في عاقبة آمنة. ومن هنا يستطيع المتعب أن يقرأ الآية دون أن يضطر أولًا إلى إنكار تعبه.
لقد حزن رسول الله ﷺ على فراق ابنه إبراهيم، وقال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا» رواه البخاري.
وفي هذا المشهد ترى الحزن على حقيقته: عينًا تدمع، وقلبًا يتألم، وعبودية باقية في أشد لحظات الفقد. لم تكن الدموع نقيضًا لقوله: «ربنا». كان يقولها وهو محزون.
الاستقامة لا تُقاس بسرعة هدوء المشاعر
وهذا يردك إلى أول الآية: ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾.
فالاستقامة ثبات على توحيد الله وطاعته، بأداء فرائضه واجتناب محارمه؛ وهي عمل القلب والجوارح بمقتضى الإيمان.
وحين تنظر إلى نفسك بهذا المعنى، ستراجع ما يحتاج إلى مراجعة فعلًا: صلاتك، وصدقك، وحقوق الناس عندك، وما تختاره حين تتعارض رغبتك مع أمر الله.
أما تقلب شعورك فليس ميزانًا كافيًا للحكم على استقامتك؛ فقد تطيع وأنت تجاهد خوفًا، وقد ترتاح وأنت مقيم على خطأ.
خذ موقفًا بسيطًا: تخشى أن يفوتك رزق تحتاج إليه، وتجد أمامك كذبة قد تقرّب حصولك عليه. يضيق صدرك، وتلح حاجتك، ثم تختار الصدق طاعة لله.
ربما لا يهدأ خوفك فورًا، وربما تبقى الحاجة كما هي، لكن في اختيارك هذا عمل بمقتضى قولك: «ربي الله». ولو جعلت هدوءك وحده مقياسًا، لما التفتّ إلى هذه المجاهدة.
سترى القلق الذي بقي، وتغفل عن الحرام الذي تركت.
ومن هنا قد يظلم الإنسان نفسه مرتين: حين يتألم، وحين يحتقر طاعته لأنها لم تمنحه الشعور الذي كان ينتظره. يصلي بقلب مثقل، ثم يقول: ما نفع صلاتي ما دمت لم أرتح؟
مع أن بقاءه على الصلاة في ثقله عبادة، وطلبه العون من ربه عبادة. فلا تمحُ قيمة ذلك كله لأن صدرك لم ينشرح بالسرعة التي أردتها.
لا تختزل صدق عبوديتك في سرعة هدوء مشاعرك.
فقول «ربي الله» لا يعني أنك لن تخاف، بل أن يبقى الله ربك حين تخاف؛ تعبده حين تنشط، وتحفظ فرائضه حين يفتر نشاطك، وتستعين به حين تضيق قدرتك.
فإذا تأخر عنك ما تحب، بقي لك رب تعبده وتدعوه، وبقي أمامك وعد أوسع من النتيجة التي تنتظرها الآن.
الاستقامة لا تعني العصمة من الزلل
ومع ذلك، قد تتعثر. قد يغلبك ضعف فتقع في ذنب، ثم تزيدك كلمة ﴿اسْتَقَامُوا﴾ خوفًا، كأنها تصف أناسًا لم يزلّوا قط، وانتهت فرصتك في اللحاق بهم منذ زلت قدمك.
لكن الله قال: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: 6].
فاجتمع الأمر بالاستقامة مع الأمر بالاستغفار. وفي هذا ما يدعوك إلى تصحيح تقصيرك والرجوع إلى ربك، دون أن تتخذ الزلة حكمًا نهائيًا على مستقبلك معه.
للذنب توبة وإصلاح، وللخوف البشري رفق واستعانة. والخلط بينهما يجعلك تستغفر من مجرد تألمك، بينما تظل حائرًا أمام الخطوة التي تستطيع فعلها.
كيف تتعامل مع خوفك دون أن تحكم على مآلك؟
فحين تعود إليك موجة الخوف، سمّها بقدرها: أنا خائف مما قد يحدث.
ولا تضف إليها من عندك: إذن أنا بعيد عن الله.
ثم التفت إلى واجبك في تلك الساعة؛ أدّ الصلاة، واحفظ الأمانة، وخذ بالسبب المباح الذي تستطيع أخذه. افعل ذلك طالبًا رضا الله وعونه، واترك لمشاعرك وقتها دون أن تجعل هدوءها شرطًا لاستمرارك.
وإن وجدت معصية واضحة، فتب منها بعينها، وأصلح ما تستطيع من أثرها. اجعل المحاسبة توصلك إلى فعل، ولا تتركها تدور بك في سؤال لا ينتهي عن قيمتك عند الله.
ثم عُد إلى البشارة بكاملها. في الآية جنة وخلود وأمان؛ فلا تضيق معناها حتى يصبح إثباتها عندك أن يمر يومك بلا قلق.
أنت ترجو رحمة تبلغ بك دارًا ينتهي فيها الخوف والحزن، وهذا الرجاء يسندك وأنت ما زلت تعيش أيامًا فيها ما يخيف ويحزن.
قد تقرأ الآية الليلة وعيناك دامعتان. اقرأها. وارجُ فضل الله. واسأله الاستقامة والثبات.
لا تحتاج أن تجف دمعتك قبل أن تقول بصدق:
ربي الله.
ثم عش على مقتضى هذه الكلمة، مستعينًا به، تائبًا إليه، راجيًا أن تكون من أهل بشارته.
ولا تجعل خوفًا يمر بقلبك في دار الابتلاء يحكم عليك بأنك خارج وعد الله في دار الجزاء.
فالخوف الذي تشعر به الآن وصف لحالك… وليس حكمًا على مآلك.