لن أقدر على مواجهة المستقبل: عجزك لا يعني غياب عون الله

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

🌿 «لن أقدر»… وهل ستواجه الغد بقوتك وحدها؟

تبحث في نفسك هذه الليلة عن قوةٍ تكفي لغدٍ تخشاه. وحين لا تجدها، يخيل إليك أنك وجدت دليلًا على أنك ستضيع فيه.

وقد يختصر الخوف كل ذلك في جملة واحدة: «لن أقدر على مواجهة المستقبل».

رجل قلق ليلًا أمام فواتير وهاتف، يعكس شعور من يقول: لن أقدر على مواجهة المستقبل وحدي
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

حين يقول الخوف: لن أقدر على مواجهة المستقبل

قد تسمع أن عملك لم يعد مستقرًّا، فتنتقل في دقائق من احتمال فقده إلى إيجار البيت، ومصاريف أبنائك، ووجه صغير يسألك شيئًا لا تستطيع توفيره. لم يقع هذا كله، لكنك وصلت في خيالك إلى آخره، ثم قلت: «أنا بالكاد أتحمل ما عندي الآن… مَن سيحمل معي كل هذا؟».

وقد يأتيك الجواب من شدة خوفك، لا من معرفتك: «لا أحد. سأبقى وحدي».

والخوف على بيتك وأهلك مفهوم. لا يحتاج قلبك فوق ذلك إلى مَن يقول له: «لو كنت واثقًا بالله لما خفت». فقد قال موسى وهارون عليهما السلام:

﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾. [طه: ٤٥]
تفسير السعدي للآية

خافا، وتوجّها بخوفهما إلى الله. والقرآن الذي يعلّمك التوكل هو نفسه الذي يحكي هذا الاعتراف. فلا تجعل رجفة قلبك وحدها حكمًا على صدق إيمانك.

حين يتحول العجز إلى حكم على الغيب

إنما يستحق النظر ذلك الانتقال الخفي من: «هذا فوق قدرتي وحدي»، إلى: «إذن لن يكون لي عون إذا حدث».

الجملة الأولى اعتراف بحاجتك. والثانية حكم على غيب لم تطّلع عليه.

قد لا تنطق بالثانية صراحة، لكنك تتصوّر المستقبل على أساسها: تجمع كل ما يمكن أن تفقده، ثم لا تترك أمام هذه الخسارات إلا نفسك كما هي الآن؛ متعبةً، محدودةً، لا تجد مخرجًا فيما تعرفه من الأسباب.

تتخيّل المصيبة بكل تفاصيلها، أما العون فلا تعرف صورته، فتُسقطه من الحساب. ثم يخيفك هذا المستقبل الذي رسمته، وكأنك رأيته بالفعل.

وهنا دقة الجرح: أنك أعطيت ما تخشاه حضور الحقيقة، وأعطيت ما تجهله من العون حكم العدم.

عجزك وصفٌ لقوتك، لا حكمٌ على عون الله.

وربما سمعت هذا فقلت: «لكنني كنت وحدي من قبل. احتجت، ولم أجد أحدًا».

هذه تجربة لا يصح محوها بكلمة مريحة. مَن ذاق خذلانًا قد يخاف تكراره قبل أن تظهر أسبابه. لكن ما عرفته من خذلان أشخاص، على قسوته، لا يخبرك بكل ما سيقدّره الله في أيام لم تعشها. لا نُكذّب وجع الأمس، ولا نجعله عالمًا بالغد.

حين تضيق الكفاية في صورة سبب واحد

وحين يقول الله:

﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. [الطلاق: ٣]
تفسير السعدي للآية

فـ«حسبه» تعني: كافيه. وهذا وعدٌ لمن توكل عليه، لا دعوةٌ إلى أن تفتّش في نفسك عن قدرة تستغني بها عن عونه.

لكن القلب قد يضيّق معنى الكفاية حتى لا يبقى منه إلا صورة واحدة: «أن يحتفظ لي بهذا العمل، وهذا الشخص، وهذه الحال؛ وإلا فكيف أعيش؟».

من حقك أن تسأل الله بقاء ما ينفعك، وأن تخاف فقده، وأن تبذل جهدك لحفظه. موضع الخلل أن تتبنّى معنى: «إن فقدت هذا السبب فلن يكفيني الله». فهذا ظنّ يناقض الثقة بوعده؛ لأنك جعلت عونه محصورًا في الجهة التي تعرفها الآن.

والحديث عن معنى يطمئن القلب إلى تصديقه، لا عن خاطر يكرهه صاحبه أو خوف لا يهدأ بأمره. فلا تُتعب نفسك بالتفتيش خلف كل رجفة؛ صحّح الفكرة إن وجدتها، واستعن بالله على ما يغلبك من الشعور.

الآية لا تعدك أن كل ما تخشاه سيمتنع، ولا تمنح أحدًا أن يحدّد لك كيف يكفيك الله ومتى يتغير حالك. والتوكل نفسه يجمع اعتماد القلب عليه مع الأخذ بالأسباب المشروعة، فلا تُحوّله إلى انتظارٍ معطّل، ولا إلى ضمانٍ لنتيجة تختارها.

وقد تكون الكفاية بدفع ما تكره، وقد تكون بعونٍ على احتمال ما يقع، وحفظٍ لدينك فيه. لا نعيّن لك صورةً غيبية، لكننا لا نحصر فضل الله فيما استطاعت مخاوفك أن تتصوّره.

التوكل لا يشترط أن تكون قويًا وحدك

ولعل ما تحتاجه أعمق من أن تقول لنفسك: «أنا قوي، وسأحتمل أي شيء».

تحتاج أن تستطيع قول الصدق كاملًا: «أنا لا أقدر وحدي، ولهذا أستعين بالله».

فقد تتعامل مع التوكل كأنه مقام لا تدخله حتى تطمئن إلى صلابتك؛ تفتّش عن ثبات لا يهتز، وعن قلب لا يرتجف، فإذا لم تجدهما ظننت أنك غير مؤهل للثقة. مع أن حاجتك إلى العون هي التي تدعوك إلى الاستعانة. يمكنك أن تطلب الثبات وأنت ترتجف، وأن تسأل العافية وأنت تعرف مقدار ضعفك.

ماذا تفعل حين يعود الخوف من الغد؟

وحين يعود ذلك الاحتمال، سمِّ خوفك بحدوده: «أخاف أن ينقطع دخلي». لا تُلحق به حكمًا آخر: «وسأُترك بلا عون». افعل ما تستطيع لحماية بيتك، واستشر، وابحث عن السبب المتاح. وحين ينتهي ما تستطيع فعله اليوم، لا تجعل استعراض الفاجعة في خيالك بقية واجبك تجاه أهلك. خذ من التفكير ما يهديك إلى خطوة، وأرح نفسك من مطالبتها بحلّ عمرٍ لم يأتِ بعد.

ثم اطلب من الله ما تحتاجه فعلًا: العافية، والرزق، وحسن التدبير، وثبات القلب. لا تجعل دعاءك محاولة لإجبار نفسك على الشعور بالأمان فورًا؛ فقد تدعو ويبقى صدرك ضيقًا، ومع ذلك تكون قد توجّهت بحاجتك إلى ربك.

وإذا لم تجد في نفسك الليلة إلا: «أنا لا أقدر»، فلا تستحِ أن تبدأ بها دعاءك.

قل: «يا رب، أنا لا أقدر بغير عونك؛ فأسألك العافية فيما أخاف، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين».

تعليقات

عدد التعليقات : 0