يأتي بعض الألم ومعه سؤال لا يطرق الباب مرة واحدة ثم يرحل.
يبقى.
يتبعك إلى فراشك، ويظهر حين ترى شخصًا يعيش ما كنت تتمناه لنفسك، ويعود كلما حاولت أن تتأقلم مع ما حدث:
لماذا أنا؟
لماذا وقع هذا في حياتي تحديدًا؟
لماذا جاءني من الباب الذي كنت أخشاه؟
لماذا أتحمل أنا هذا الثقل، بينما يبدو أن آخرين عبروا من المكان نفسه بأقل الخسائر؟
وقد لا يكون السؤال اعتراضًا على الله.
أحيانًا يكون مجرد أنين عقل أنهكه أن يحمل ألمًا لا يفهمه.
أنت لا تقول بالضرورة: كان ينبغي ألا يحدث هذا.
قد تكون فقط تحاول أن تجد مكانًا تضع فيه ما حدث حتى يصبح قابلًا للفهم.
لكن المشكلة تبدأ حين لا يأتي الجواب.
عندها قد يتحول السؤال من وجع إلى تحقيق مفتوح.
وتبدأ في جمع الأوراق.
هل أخطأت في شيء؟
هل تأخر ما أرجوه لأن الله لا يريد لي الخير؟
هل وقوع المصيبة علي دون غيري يعني أن في أمري شيئًا لا أعرفه؟
ثم تدخل المقارنة ملف القضية:
فلان لم يحدث له ما حدث لي.
وفلانة حصلت على ما حُرمت منه.
وذاك أخطأ أكثر مني ثم بدت حياته أيسر.
وفجأة لا تعود تحمل الألم وحده.
تحمل فوقه قضية كاملة تحاول أن تصدر فيها حكمًا، مع أنك لا تملك إلا ورقة واحدة من ملفها:
ما وقع لك.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
- حين يصبح الألم دليلًا
- ربما لم تكن تنتظر حياة بلا ألم… بل استثناء من هذا الألم
- ما وقع لك ليس ترجمة تلقائية لمنزلتك عند الله
- القضية التي لا تملك أوراقها
- المقارنة تقدم للمحكمة شهودًا ناقصي الشهادة
- «لا أعلم» ليست هزيمة
- لست مضطرًا إلى فهم القضية كلها حتى يسمح لك قلبك بالعيش
- افتح الملف الذي تملك أوراقه
- العلاج ليس أن تمنع السؤال… بل أن تمنعه من إصدار الحكم
- لا تجعل نفسك متهمًا لأنك تحتاج إلى متهم
- ولا تجعل سلام قلبك مشروطًا بشرح خاص من الله
- من «لماذا أنا؟» إلى «ماذا علي الآن؟»
حين يصبح الألم دليلًا
أخطر ما يفعله سؤال «لماذا أنا؟» ليس أنه يطلب سببًا.
بل أنه قد يدفع القلب إلى اختراع السبب حين يعجز عن العثور عليه.
فالإنسان يتعب من الفراغ.
وحين لا يعرف لماذا حدث شيء مؤلم، قد يملأ مكان الجواب بأقرب تفسير يخشاه.
ربما يقول:
لعل الله يعاقبني.
ثم تتحول «لعل» بعد كثرة التكرار إلى شعور يشبه اليقين.
وربما يقول:
ربما أنا محروم عند الله.
ثم يبدأ في قراءة كل باب مغلق بوصفه شاهدًا جديدًا في القضية.
وربما يخطر له:
لماذا أنا دائمًا؟
فتجتمع أحداث متفرقة في ذاكرته حتى تبدو وكأنها سلسلة واحدة تحمل رسالة واحدة ضده.
مع أن كثيرًا من هذه الأحكام لم يأت بها دليل.
الألم وقع؛ هذه حقيقة.
أما المعنى الغيبي الخاص الذي ألصقته به، فشيء آخر تمامًا.
وهنا يأتي السؤال الذي يحتاج القلب أن يواجهه بصدق:
هل تبحث عن تفسير لما حدث… أم عن براءة من المعنى المخيف الذي تخشى أن يكون ما حدث دليلًا عليه؟
ربما لا يرهقك أنك لا تعرف الحكمة فقط.
ربما يرهقك أنك تخشى أن يكون وراء ما حدث حكم عليك:
أنك أقل عناية.
أو أقل قبولًا.
أو أن فيك شيئًا جعل هذا الألم يصل إليك أنت.
وهنا يتحول الجرح إلى محكمة.
وأنت فيها المتهم، والمحقق، والشاهد، والقاضي في الوقت نفسه.
ربما لم تكن تنتظر حياة بلا ألم… بل استثناء من هذا الألم
نحن نعرف أن الدنيا ليست مكانًا خاليًا من الابتلاء.
نعرف أن المرض موجود.
والفقد موجود.
والظلم موجود.
وأن الخطط تتعطل.
وأن الإنسان قد يبذل ثم لا يصل إلى ما أراد.
ونعرف أن الأنبياء والصالحين أنفسهم لم يعيشوا خارج سنن البلاء.
ومع ذلك، حين يصل نوع معين من الألم إلينا شخصيًا، يحدث في الداخل شيء مختلف.
كأننا كنا نعرف أن هذه الأشياء تقع…
لكن في حياة أشخاص آخرين.
ثم تدخل القصة بيتك.
فيظهر السؤال:
لماذا أنا؟
وقد يكشف هذا السؤال قاعدة خفية تشكلت في النفس دون أن نصرح بها:
إذا أحسنت بما يكفي…
وإذا دعوت بما يكفي…
وإذا كنت حذرًا بما يكفي…
وإذا تحملت بما يكفي…
فربما ينبغي ألا يحدث لي هذا تحديدًا.
وليس معنى ذلك بالضرورة أنك ترى لنفسك حقًا على الله.
قد لا يخطر لك هذا المعنى أصلًا.
لكن النفس تحب عالمًا تستطيع أن تفهمه بقواعد واضحة:
أفعل الصواب، فأضمن قدرًا معينًا من السلامة.
أحسن، فلا أُجرح بهذه الصورة.
أدعو، فلا يقع ما أخشاه.
وحين يحدث العكس، لا ينكسر فقط ما كنت تتمناه.
قد ينكسر أيضًا النظام الذي كنت تفسر به الحياة.
ولهذا يصبح «لماذا أنا؟» أثقل من مجرد سؤال عن السبب.
لأنه قد يعني في العمق:
كنت أظن أن وقوع هذا علي سيعني شيئًا مخيفًا عني… فهل يعنيه حقًا؟
وهنا يأتي الميزان.
ما وقع لك ليس ترجمة تلقائية لمنزلتك عند الله
من أخطر أخطاء القلب أن يحول أحوال الدنيا إلى أحكام مباشرة عن علاقته بالله.
تأخر ما كنت ترجوه:
إذن أنا منسي.
أُغلق باب:
إذن لست أهلًا للخير.
طال البلاء:
إذن الله ساخط علي.
رأيت غيرك يحصل على ما حُرمت منه:
إذن هو أكرم عند الله مني.
لكن الله سبحانه أبطل هذا النوع من القراءة صراحة حين قال:
﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا﴾
[الفجر: 15-17]
كلا.
ليست المعادلة هكذا.
ليست كل سعة شهادة على تكريم خاص.
وليست كل ضيقة حكمًا بالهوان.
ولا يملك مجرد وقوع البلاء أن يخبرك وحده بمنزلتك عند الله.
قد يكون في حياتك ذنب يحتاج إلى توبة.
وقد يكون هناك تقصير يحتاج إلى إصلاح.
وقد تكون بعض النتائج ثمرة أسباب صنعتها بيدك.
لكن هذا شيء، وادعاء أنك عرفت المعنى الغيبي الخاص للبلاء شيء آخر.
أن تقول:
«أخطأت هنا، ويجب أن أصلح خطئي»
معرفة بمسؤوليتك.
أما أن تقول:
«إذن قدر الله هذا علي ليعاقبني بهذا بعينه»
فهذا حكم على غيب لم يطلعك الله عليه.
ولا يجوز أن تمنح الألم سلطة لم يمنحها الله له.
القضية التي لا تملك أوراقها
يمكنك أن تعرف أشياء كثيرة عن الحدث.
تعرف متى وقع.
وقد تعرف من تسبب فيه.
وقد تعرف سببًا ماديًا أو نفسيًا أو اجتماعيًا مباشرًا.
وقد تعرف خطأ وقع منك قبله.
وهذه معرفة نافعة، بل قد يجب عليك طلبها؛ لأن بعض الآلام تحتاج إلى علاج، وبعض الخسائر تحتاج إلى إصلاح، وبعض الأخطاء تحتاج إلى توبة، وبعض الأوضاع تحتاج إلى قرار.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين سؤالين:
ما السبب الذي أستطيع التعامل معه؟
و:
لماذا قدر الله علي هذا بعينه، في هذا الوقت بعينه، بهذه الصورة بعينها، وما الحكمة الخاصة منه لي؟
الأول قد يكون من الأخذ بالأسباب.
أما الثاني فباب من الغيب لا تملك ملفه كاملًا.
قال الله تعالى:
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: 216]
ليست المشكلة في أن علمك ناقص.
هذا وصف الإنسان.
المشكلة أن تتصرف وكأن نقص المعلومات لا ينبغي أن يمنعك من إصدار الحكم.
ترى صفحة واحدة، ثم تحكم على الكتاب كله.
تعرف أن بابًا أُغلق، ثم تستنتج معنى علاقتك بالله من إغلاقه.
تشعر بثقل البلاء، ثم تجعل مقدار الثقل دليلًا على مقدار السخط.
وترى شخصًا أيسر منك حالًا، فتضع حياتكما على ميزان لا تعرف شيئًا عن أكثر ما فيه.
وهذا هو موضع الخلل:
أنت لا تتألم فقط مما وقع؛ بل تطلب من ورقة واحدة أن تخبرك بمضمون ملف كامل لا تملكه.
المقارنة تقدم للمحكمة شهودًا ناقصي الشهادة
قلما يبقى سؤال «لماذا أنا؟» وحده.
غالبًا يأتي بعده:
ولماذا ليس هو؟
لماذا أُعطي فلان ما حُرمت منه؟
لماذا تبدو حياتهم أيسر؟
لماذا وقع علي ما نجا منه غيري؟
وهنا يصبح الألم محكمة مقارنة.
لكن المقارنة مختلة من أصلها.
أنت تقارن ما تعرفه من حياتك بما ظهر لك من حياة غيرك.
تعرف ساعاتك الثقيلة.
ولا تعرف ساعاتهم.
تعرف الباب الذي أُغلق عليك.
ولا تعرف الأبواب التي أُغلقت عليهم.
تعرف ما تتمنى أن تعطاه.
ولا تعرف ما يتمنون هم أن يُرفع عنهم.
وليس المقصود أن نقول إن آلام الناس متساوية.
ليست متساوية.
وقد يكون بعض الناس أثقل بلاء في الدنيا من بعض.
لكن الذي لا تملكه هو الصورة الكاملة التي تؤهلك لتحويل اختلاف الأقدار إلى حكم على قيمة أصحابها عند الله.
وقد ترى شخصًا يعيش ما تمنيت، ولا تدري كيف يكون ذلك في حقه، ولا كيف ستكون خاتمته، ولا ما الذي حجبه الله عنك وأعطاك بدله مما لا تراه الآن.
أنت ترى جزءًا من المشهد.
لكن وجعك يريد منك حكمًا على المشهد كله.
«لا أعلم» ليست هزيمة
قد يبدو «لا أعلم» جوابًا ناقصًا.
لكن في بعض مواضع القدر يكون من أكثر الأجوبة صدقًا.
لا أعلم لماذا وقع هذا علي بهذه الصورة.
لا أعلم لماذا الآن.
لا أعلم ماذا كان سيحدث لو لم يقع.
لا أعلم كل ما سيخرج منه.
ولا أعلم الحكمة الخاصة التي أرادها الله منه لي.
والإيمان لا يطالبك أن تتظاهر بمعرفة ما لا تعرف.
بل يطالبك ألا تجعل جهلك سلمًا إلى اتهام لا دليل عليه.
فأنت قد لا تعرف لماذا وقع هذا.
لكنك تعرف أن الله لا يظلم.
وتعرف أن علمه ليس كعلمك.
وأن إحاطته ليست كإحاطتك المحدودة باللحظة.
وتعرف أن الدنيا ليست دار الجزاء النهائي.
قال تعالى:
﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾
[الأنبياء: 35]
لم تعدك الآية بأن كل ابتلاء سيأتيك ومعه مذكرة تشرح لك لماذا وقع.
لكنها أعطتك الإطار الذي لا يجوز أن تنساه:
ابتلاء.
ثم رجوع.
فلا تقرأ صفحة في منتصف القصة وكأنها الحكم النهائي.
لست مضطرًا إلى فهم القضية كلها حتى يسمح لك قلبك بالعيش
من أكثر ما يرهق الإنسان أن يظن أن شفاؤه مؤجل حتى يفهم.
لماذا حدث؟
لماذا الآن؟
لماذا بهذه الصورة؟
لماذا أنا؟
فيبدأ التنقيب.
في ماضيه.
وفي كل خطأ.
وفي كل دعاء.
وفي كل علامة.
وفي حياة الآخرين.
وكأن القلب لن يستطيع أن يتحرك خطوة حتى تصله نسخة كاملة من ملف القدر.
لكن ماذا لو لم تصل؟
ماذا لو عشت زمنًا طويلًا ولم تعرف لماذا وقع هذا الحدث تحديدًا في حياتك؟
هل ستجعل بقية عمرك معلقة على جواب لم توعد بأن تعرفه في الدنيا؟
هناك فرق بين سؤال يساعدك على الفهم…
وسؤال يشترط أن يفهم كل شيء قبل أن يسمح لك بالاستمرار.
وقد تنكشف لك بعض المعاني بعد زمن.
وقد لا تنكشف.
وقد تفهم جزءًا وتبقى أجزاء لا تعلمها.
لكن العبودية لا تبدأ بعد اكتمال التحقيق.
أحيانًا تبدأ تحديدًا عند هذه الجملة:
لا أفهم لماذا وقع هذا، لكنني لن أختلق جوابًا يسيء ظني بربي، ولن أجعل جهلي بالحكمة دليلًا على غيابها، ولن أجعل ألمي شهادة على هواني.
افتح الملف الذي تملك أوراقه
إذا كان ملف الغيب ليس بين يديك، فهناك ملف آخر تستطيع أن تفتحه الآن.
وسؤاله ليس:
لماذا أنا؟
بل:
ماذا علي الآن؟
إن كان هناك خطأ تعرفه، أصلحه.
إن كان هناك ذنب تعلمه، تب منه، دون أن تزعم أن ما أصابك عقوبته الخاصة ما لم يكن عندك دليل.
إن ظلمت أحدًا، فرد الحق.
إن أهملت سببًا، فتعلم وخذه.
إن كان الألم يحتاج إلى علاج، فتعالج.
إن كانت المشكلة تحتاج إلى مشورة، فاستشر.
إن كان هناك باب مشروع تستطيع أن تدفع به الضرر، فاطرقه.
وإن لم يكن في يدك الآن إلا أن تصبر على يومك، وتحفظ صلاتك، وتؤدي ما تستطيع من واجبك، ولا تزيد البلاء بمعصية أو يأس أو ظلم لنفسك، فهذه أيضًا عبودية حقيقية.
هذا السؤال يعيدك إلى موضعك الصحيح.
لا قاضيًا على القدر.
بل عبدًا مسؤولًا عن خطوته.
ولا يحتاج قلبك إلى تفسير كامل حتى يعرف واجب اللحظة التالية.
العلاج ليس أن تمنع السؤال… بل أن تمنعه من إصدار الحكم
قد يعود السؤال:
لماذا أنا؟
لا تعنف نفسك كلما عاد.
بعض الأسئلة تخرج من الوجع قبل أن تمر على العقل.
والتعب لا يعني الاعتراض.
والحزن لا يعني فساد الإيمان.
والإنسان قد يقول من شدة الألم ما يدل على حيرته لا على سوء ظنه بربه.
لكن حين يأتي السؤال، لا تتركه وحده في قاعة المحكمة.
اسأله:
ما الذي أعرفه يقينًا؟
وما الذي أضفته أنا إلى ما حدث؟
أعرف أنني تألمت.
لكن هل أعرف أن الألم إهانة من الله؟
لا.
أعرف أنني فقدت شيئًا.
لكن هل أعرف أنني فقدت معه كل الخير؟
لا.
أعرف أن غيري أُعطي ما لم أُعط.
لكن هل أعرف أن ذلك يعني أنه أحب إلى الله مني؟
لا.
أعرف أنني لا أرى الحكمة.
لكن هل عدم رؤيتي لها يعني عدم وجودها؟
لا.
أعرف أن بابًا أُغلق.
لكن هل أعلم ماذا كان وراءه لو فُتح؟
لا.
هنا يبدأ القلب في فصل شيئين اختلطا طويلًا:
الحدث… والحكم الذي كتبته فوق الحدث.
قد لا تستطيع إزالة الحدث.
لكنك تستطيع أن تمحو حكمًا لم يقل الله لك إنه صحيح.
لا تجعل نفسك متهمًا لأنك تحتاج إلى متهم
أحيانًا يستمر الإنسان في سؤال «لماذا أنا؟» حتى يجد خطأ يحمله كل شيء.
والغريب أن اتهام النفس قد يمنحه راحة مؤقتة.
لأنه إذا قال:
أنا السبب في كل ما حدث،
شعر أن العالم أصبح مفهومًا.
لكن ليست كل الآلام بهذه البساطة.
نعم، حاسب نفسك فيما تملك.
ولا تجعل الحديث عن القدر ستارًا للهروب من مسؤوليتك.
لكن بعد أن تعرف مسؤوليتك، قف عند حدها.
لا تحمل نفسك مسؤولية قرار اتخذه غيرك.
ولا سببًا لم يكن في يدك.
ولا حدثًا لم تكن تملك منعه.
ولا قدرًا لا تعلم حكمته.
فكما أن من الخطأ أن ينسب الإنسان أخطاءه كلها إلى القدر، من الخطأ أيضًا أن ينسب إلى نفسه كل ما جرى به القدر.
العدل مع النفس جزء من العدل.
ولا تجعل سلام قلبك مشروطًا بشرح خاص من الله
قد يقول القلب:
يا رب، لو عرفت فقط لماذا، لربما استطعت أن أتحمل.
وهذا شعور مفهوم.
لكن هناك خطرًا خفيًا في أن تصبح سكينتك معلقة على حصولك على التفسير.
لأنك قد لا تحصل عليه.
والإيمان لا يقوم على أن تعرف سر كل قدر.
بل على أن تعرف رب القدر بما عرّفك به عن نفسه.
قد لا تعرف الحكمة الخاصة من هذه الحادثة.
لكن تعرف أن الله ليس بظلام للعبيد.
وتعرف أن حكمه لا يخرج عن علمه وحكمته.
وتعرف أن ما خفي عنك لم يخف عنه.
لهذا لا تحتاج أن تحصل على جواب غيبي حتى تتوقف عن ظلم نفسك.
ولا تحتاج أن تفهم كل شيء حتى تتوقف عن إساءة الظن بربك.
من «لماذا أنا؟» إلى «ماذا علي الآن؟»
هذا ليس استبدالًا تجميليًا لسؤال بسؤال.
إنه نقل للقلب من مكان لا يملك فيه الحكم إلى مكان يملك فيه العمل.
«لماذا أنا؟»
قد يبقى جزء كبير من جوابه في الغيب.
أما:
«ماذا علي الآن؟»
فقد وضع الله كثيرًا من جوابه بين يديك.
وهذا التحول لا يلغي الألم.
ولا يطلب منك أن تسمي المصيبة نعمة لمجرد أنك مؤمن.
ولا يطلب منك أن تتوقف عن الدعاء بزوالها.
ولا أن تتظاهر بأنك لم تتعب.
قد تبكي.
وقد تحزن.
وقد تقول: يا رب، لقد تعبت.
وقد تسأله الفرج.
وقد تسعى بكل سبب مشروع للخروج مما أنت فيه.
كل هذا يمكن أن يجتمع مع العبودية.
لكن حين يأتي ذلك الصوت الذي يريد كل ليلة إعادة فتح التحقيق، وجمع الأدلة، واستدعاء حياة الآخرين كشهود، ثم إصدار حكم جديد على علاقتك بالله…
فقل:
الحدث معلوم.
أما حكمته الخاصة فليست عندي.
وواجبي الآن أن أتعامل مع ما أعلمه، لا أن أختلق مما لا أعلمه حكمًا يعذبني.
قد يبقى سؤال «لماذا أنا؟» مفتوحًا مدة طويلة.
لكن بقاء السؤال مفتوحًا لا يعني أن قلبك يجب أن يبقى قاعة محكمة.
ضع كل ورقة في مكانها:
ما تعرفه، تعامل معه.
ما أخطأت فيه، أصلحه.
ما تستطيع دفعه، ادفعه.
وما غاب عنك من علم الله، لا تملأ فراغه باتهام.
لست مطالبًا أن تفهم القضية كلها حتى تواصل السير إلى الله.
وحين لا تملك ملف الغيب كاملًا، لا تجعل ورقة الألم وحدها تصدر الحكم.
قد لا تعرف:
لماذا أنا؟
لكن يمكنك أن تعرف ما لا يحق لهذا السؤال أن يقوله لك.
لا يحق له أن يقول:
إنك مهان؛ لمجرد أنك مبتلى.
ولا أنك منسي؛ لمجرد أن ما ترجوه تأخر.
ولا أن غيرك أكرم عند الله؛ لمجرد أن نصيبه في موضع ما بدا أيسر من نصيبك.
ولا أن دعاءك كان بلا معنى؛ لمجرد أن ما كنت تخشاه وقع.
ولا أن الله يريد بك السوء؛ لمجرد أنك لم تفهم ما قدره.
فليس كل ما وقع عليك وقع ليخبرك من أنت.
ولا كل ما خفيت حكمته صار لك أن تكتب حكمته من خوفك.
وربما لا يكون أكثر ما يحتاجه قلبك الآن أن يجد جوابًا كاملًا عن:
لماذا أنا؟
بل أن يتعلم أخيرًا ألا يحول غياب الجواب إلى إدانة.
فإن لم تعرف لماذا وقع هذا عليك، فقل:
لا أعلم.
ثم أغلق المحكمة.
وخذ من الملف الورقة التي تخصك:
ماذا علي الآن؟
وافعل ما تستطيع.
أما ما بقي من علم الله…
فدعه حيث هو.
لأن ما لم تفهمه من القدر لا يحق لك أن تحوله إلى حكم على نفسك، ولا إلى تهمة في حق ربك.
وحين لا تملك ملف الغيب كاملًا، لا تجعل ورقة الألم وحدها تصدر الحكم.