ترى شخصًا وقع في ذنب كبير.
فتستنكر.
وتقول في نفسك:
«كيف وصل إلى هذا الحد؟»
ثم:
«كيف استطاع أن يفعل هذا؟»
ثم قد تخرج منك الجملة التي تبدو عادية جدًا:
«ألا يستطيع أن يضبط نفسه؟»
وقد يكون استنكارك للذنب صحيحًا في أصله.
فالمنكر يبقى منكرًا، والقبيح لا يصبح عاديًا لأن الناس اعتادوه، وكراهية المعصية ليست شيئًا ينبغي أن نتخلص منه باسم التواضع.
لكن الخطر قد يبدأ بعد ذلك مباشرة.
لا في حكمك على الذنب…
بل في الحكم الذي تصدره على نفسك وأنت تنظر إليه.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
حين يتحول استنكار الذنب إلى حكم على النفس
تقول:
«أنا قد أقصر.»
«قد أضعف في بعض الأمور.»
«لكن هذا بالذات؟»
«مستحيل.»
قف عند هذه الكلمة.
لأنها قد لا تعني فقط:
«هذا ذنب قبيح لا أريد أن أفعله.»
قد تعني في داخلك شيئًا آخر:
«هذا بعيد عني.»
«أنا لست من هذا المستوى.»
«قد أضعف، لكن ليس إلى هذه الدرجة.»
«أنا لا يمكن أن أصبح من هؤلاء.»
وهنا انتقلت، من غير أن تشعر، من الحكم على الفعل إلى إصدار حكم على نفسك.
وليس حكمًا مؤقتًا.
بل حكمًا كأن القضية أُغلقت وانتهت:
أنا أعرف نفسي.
أعرف مبادئي.
أعرف حدودي.
هذا الباب ليس بابي.
قد يسقط غيري فيه، أما أنا فلا.
تزكية النفس التي لا تبدو تزكية
وهنا قد تبدأ تزكية النفس من مكان لا يبدو تزكية أصلًا.
فأنت لم تقل:
«أنا أفضل منه.»
ولم تقل:
«أنا أتقى.»
ولم تمدح نفسك صراحة.
كل ما قلته:
«كيف فعل هذا؟»
لكن هذه الجملة قد تحمل وراءها جملة أخرى لم تقلها:
«أما أنا، فلا يمكن أن أفعل مثله.»
وهكذا قد تتجمل النفس في اللحظة نفسها التي تظن فيها أنك لا تفعل إلا استنكار المنكر.
ترى إلى أين وصل هو، فتزداد صورتك في عينك جمالًا.
هو لم يضبط نفسه.
أما أنا فأضبطها.
هو تجاوز الحد.
أما أنا فعندي حدود.
هو انهار أمام شهوته أو غضبه أو طمعه.
أما أنا فلا أصل إلى هذا.
والأخطر أن هذا كله قد يقع من غير أن تقول لنفسك مرة واحدة:
«أنا إنسان أفضل.»
بعض تزكية النفس لا تأتي في صورة: «أنا صالح»؛ بل في صورة: «كيف يفعل الناس هذا؟»
هل تمنح نفسك ضمانًا مفتوحًا؟
وهنا يظهر سؤال آخر أشد دقة.
حين تقول:
«ألا يستطيع أن يضبط نفسه؟»
ماذا تقول عن نفسك في الجملة نفسها؟
قد يكون المعنى الخفي:
«وأنا أستطيع.»
لا الآن فقط.
بل كأنك تمنح نفسك ضمانًا مفتوحًا:
سأستطيع أمام كل فتنة.
وتحت كل ضغط.
وفي كل مرحلة من عمري.
ومهما ضعفت.
ومهما تغيّرت صحبتي.
ومهما طال التساهل.
ومهما اقترب مني الباب الذي أراه اليوم بعيدًا.
وهذا ما لا يملكه الإنسان لنفسه.
أنت تعرف نفسك في الامتحانات التي مررت بها.
لكن لا تعرف نفسك في كل امتحان لم تمر به بعد.
تعرف كيف تصرفت في الظروف التي عرفتها.
لكن هل اجتمعت عليك كل الأسباب التي اجتمعت على غيرك؟
وهذا لا يعذره.
ولا يجعل ذنبه أقل قبحًا.
لكنه يمنعك من أن تجعل سقوطه شهادةً على حصانتك.
أنت ترى النهاية ولا ترى الخطوات
فالإنسان الذي تراه اليوم في نهاية الطريق، أنت لا ترى دائمًا كيف بدأ.
قد لا ترى أول تساهل.
ولا أول تبرير.
ولا أول صحبة.
ولا أول مرة خفَّ في قلبه ما كان يستثقله.
ولا أول خطوة قال عنها:
«هذه بسيطة.»
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
حتى صار الذي كان بعيدًا قريبًا.
وربما كانت هناك لحظة في حياته هو أيضًا وقف فيها أمام شخص آخر وقال:
«مستحيل أن أصل إلى هذا.»
وهنا تسقط الفكرة من أصلها.
فالمشكلة ليست أن المذنب وُلد من «نوع آخر» من البشر.
ولا أن هناك فئة تسقط وفئة ضمنت لنفسها ألا تسقط.
المشكلة أن الإنسان قد يبدأ من مكان، ثم تتحرك به الخطوات حتى يصل إلى مكان كان يومًا يستنكره على غيره.
خطوات الشيطان: السقوط لا يأتي دائمًا دفعة واحدة
ولهذا جاء في القرآن التحذير من الخطوات:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور: 21].
لم يقل: لا تقفزوا إلى النهاية فقط.
فالانحراف الكبير لا يحتاج دائمًا إلى قرار كبير.
قد يحتاج فقط إلى خطوة لم تُعالج، ثم خطوة بعدها، حتى يتغير في النفس ما كانت تظنه ثابتًا لا يتغير.
إبراهيم عليه السلام وسؤال السلامة
وهنا يصبح دعاء إبراهيم عليه السلام عجيبًا في دلالته.
إبراهيم.
إمام التوحيد.
الذي حطم الأصنام.
وجادل قومه فيها.
ووقف في وجه الشرك.
ومع ذلك قال:
﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35].
لم يعتمد على مقامه.
ولم يجعل سابق ثباته ضمانًا لمستقبله.
ولم يقل:
«أنا أعرف التوحيد، وهذه القضية حُسمت.»
بل سأل الله السلامة.
وهنا يظهر الفرق بين حالين:
أن ترى ما عافاك الله منه فتقول:
«هذا لا يشبهني.»
وأن تراه فتقول:
«الحمد لله الذي عافاني، اللهم أبقني محفوظًا.»
الأولى قد تجعل العافية صفة فيك.
والثانية تراها نعمة من الله عليك.
والفرق بينهما عظيم.
لأن الذي يرى العافية صفةً ذاتية قد يطمئن إلى نفسه.
أما الذي يراها نعمة، فإنه يشكر ويستمسك ويفتقر.
قال الله تعالى:
﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: 32].
وتزكية النفس ليست دائمًا أن تمدح نفسك بصوت مرتفع.
أحيانًا تكون حكمًا داخليًا صغيرًا:
«أنا لا يمكن أن أفعل هذا.»
أو:
«أنا لست من هذا النوع.»
أو:
«كيف لم يضبط نفسه؟»
الميزان: اكره الذنب ولا تزك نفسك
والميزان هنا مهم.
ليس المطلوب أن تشك في نفسك كل يوم.
ولا أن تتوقع أنك ستقع في كل ذنب.
ولا أن تلغي أثر التربية والحياء والتقوى والمجاهدة.
ولا أن تكف عن استنكار المنكر.
المطلوب أدق من ذلك:
أن تكره الذنب دون أن تجعل كراهيتك له شهادةً نهائية بأنك فوق الوقوع فيه.
قل:
«هذا حرام.»
لكن لا تقل في قلبك:
«وأنا أرفع من صاحبه.»
قل:
«لا أريد أن أفعل هذا.»
لكن لا تجعل معناها:
«أنا لا يمكن أن أفعله.»
قل:
«الحمد لله الذي عافاني.»
ودع بعدها مكانًا صادقًا لعبارة:
«اللهم سلّمني.»
فإن كنت اليوم بعيدًا عن ذنب، فهذا فضل يستحق الشكر، لا منصةً تقف عليها لتنظر إلى من سقط.
وإن كنت تضبط نفسك اليوم، فلا تجعل ضبطك دليلًا على أنك تملك قلبك غدًا.
وإن رأيت غيرك قد وصل إلى مكان تخافه، فلا يكن أول ما تتعلمه من سقوطه أنك أعلى منه.
تعلّم أن القلوب تحتاج إلى تثبيت.
وأن العافية تحتاج إلى شكر.
وأن الثبات نفسه نعمة لا يملك العبد أن يوقع لنفسه ضمانها إلى آخر العمر.
فلا تقل عن ذنب: «مستحيل أن أصل إليه» كأنك تعرف كل ما ستلقاه وكل ما ستكون عليه.
قل شيئًا أصدق وأعبد:
«اللهم سلّمني، ولا تكلني إلى نفسي.»