قد تظن أن تبرير الخطأ يحدث بعده وينتهي معه.
تقول كلمة لا ينبغي أن تقال، ثم تجد لها عذرًا.
تأخذ ما ليس لك، ثم تشرح لنفسك لماذا كان موقفك مختلفًا.
تجرح إنسانًا، ثم تقنع نفسك أن ما فعلته كان ضروريًا.
وتحسب أن القضية انتهت عند هذه الواقعة.
لكن بعض التبريرات لا تموت بانتهاء الموقف.
تبقى في داخلك على هيئة شيء أخطر:
سابقة.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
كيف يصنع تبرير الخطأ سابقة جديدة؟
في المرة الأولى قلت:
أنا فعلت هذا لأنني كنت تحت ضغط.
ثم تمر الأيام، ويأتي موقف يشبهه قليلًا.
فتقول:
وقد فعلت مثل هذا من قبل، وكان الأمر مفهومًا.
ثم تأتي مرة ثالثة، فلا تحتاج النفس إلى دفاع طويل؛ لقد أصبح لديها ملف سابق تستند إليه.
وهكذا لا يعود التبرير مجرد محاولة للخروج من ذنب قديم.
يبدأ شيئًا فشيئًا في تعديل القانون الذي ستحاكم به أفعالك القادمة.
وهنا يظهر خطر لا ننتبه إليه كثيرًا:
قد تبرر فعلًا واحدًا اليوم، لكنك في الحقيقة تكتب تعريفًا أوسع للمباح غدًا.
حين تتسع الاستثناءات ويضيق الحكم
في البداية يكون المعيار واضحًا.
لا يجوز لي أن أقول عن إنسان ما يكره في غيبته.
ثم تقع منك غيبة في موقف غضب.
فتقول:
لكنني كنت مظلومًا.
وهذا قد يفسر غضبك، وقد يكون لك حق في الشكوى أو التظلم بالطريقة المشروعة، لكن النفس قد تتجاوز ذلك إلى شيء آخر:
تضيف قاعدة جديدة إلى قاموسها:
حين أكون مظلومًا، تصبح هذه الكلمات مقبولة.
ثم يأتي موقف آخر لست فيه مظلومًا تمامًا، لكنك متأذٍ.
فتتسع القاعدة:
حين أكون متأذيًا، تصبح مقبولة.
ثم يأتي موقف ثالث، لا ظلم فيه ولا أذى شديد، وإنما انزعاج.
فتصبح:
حين يضايقني شخص، فمن حقي أن أقول عنه ما أشاء.
لاحظ أن الذنب لم يتغير دفعة واحدة.
الذي تغير هو حدود الاستثناء.
والاستثناء الذي دخل أول مرة بوصفه ظرفًا نادرًا، بدأ يأكل القاعدة من أطرافها حتى لم يبق منها إلا اسمها.
ما زلت تقول:
الغيبة حرام.
لكن الواقع العملي يقول:
إلا إذا ظلمني.
إلا إذا أغضبني.
إلا إذا احتجت إلى الفضفضة.
إلا إذا كان الكلام صحيحًا.
إلا إذا كان الحاضر يعرفه أصلًا.
إلا إذا لم أذكر اسمه.
وكلما اتسعت قائمة «إلا»، ضاق ما بقي من الحكم.
حتى تأتي مرحلة عجيبة:
يبقى المبدأ محفوظًا في ذهنك، بينما تكاد كل الحالات الواقعية تقع خارجه.
قاعدة للناس وقاعدة للنفس
وهذا هو الوجه العميق للتبرير.
إنه لا يقول دائمًا:
الحكم خطأ.
بل يقول:
الحكم صحيح… لكن حالتي ليست من الحالات التي يشملها.
ثم تتكرر هذه الجملة حتى يصبح الإنسان صاحب منظومة أخلاقية لها قاعدتان:
قاعدة عامة للناس.
وقاعدة تفصيلية لنفسه.
ولهذا جاءت كلمة القرآن في ميزان العدل شديدة الدقة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ﴾
[النساء: 135]
هذه الكلمات تهدم أصل الحيلة.
لأن الامتحان الحقيقي للعدل ليس أن تعرف المعيار حين يدين غيرك.
بل أن يبقى المعيار نفسه قائمًا حين تمر أنت تحته.
ولهذا قال سبحانه في الآية نفسها:
﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَنْ تَعْدِلُوا﴾
فالهوى لا يحتاج دائمًا إلى أن يقنعك برفض العدل.
قد يكفيه أن يقنعك بأن هذه الواقعة بالذات لا تخضع له.
حين يضيق تعريف التعدي
خذ مثالًا آخر.
تقول:
مال الناس أمانة.
ثم تستعمل شيئًا ليس لك دون إذن واضح.
في المرة الأولى تقول:
كنت مضطرًا، وسأعيده.
ثم يتكرر الأمر.
فتتحول «الضرورة» إلى «حاجة».
ثم تتحول «الحاجة» إلى «الأمر بسيط».
ثم يصبح الأصل في ذهنك:
لا بأس ما دمت سأعيده.
ثم:
لا بأس ما دام صاحبه لن يتضرر.
ثم:
لا بأس ما دام غالب الظن أنه لن يمانع.
وفي كل مرحلة أنت لا تقول:
أموال الناس مباحة.
بل لا تزال تؤمن بحرمتها.
لكن تعريف «التعدي» نفسه يضيق شيئًا فشيئًا، حتى لا يكاد يشمل أفعالك.
وهذا ما يجعل بعض الانحرافات الأخلاقية تبدأ بلا قرار كبير.
لا يجلس الإنسان غالبًا ويقول:
من اليوم سأغير مبادئي.
بل يحتفظ بالمبادئ نفسها، ويضيف تحتها استثناءات صغيرة.
ثم تصبح الاستثناءات أكثر من القاعدة.
حين يتعلم الضمير اللغة الجديدة
والأشد خطورة أن السابقة لا تعمل فقط على السلوك.
بل تعمل على الضمير نفسه.
في المرة الأولى، ربما يؤلمك الفعل.
في الثانية، يضعف الألم؛ لأن لديك تفسيرًا سابقًا.
في الثالثة، لا يعود الأمر محتاجًا إلى تفسير كامل.
لقد أُعيد تصنيف الفعل داخلك.
وهكذا لا يصبح الخطر أنك تعصي فقط.
بل أن تفقد الإشارة الداخلية التي كانت تخبرك بأن شيئًا يحتاج إلى مراجعة.
ليس لأن الحرام صار حلالًا.
بل لأنك وسّعت تعريف الحلال داخل نفسك حتى ابتلع مساحة من الحرام.
فالذنب الذي يحتاج كل مرة إلى تبرير ما زال يقاوم داخلك.
أما حين يصبح التبرير قاعدة، فقد يبدأ الضمير نفسه في تعلم اللغة الجديدة.
الفرق بين الاستثناء الحقيقي والتبرير
وهنا يلزم ميزان مهم.
الشريعة نفسها مليئة بالفروق الدقيقة، وتختلف الأحكام باختلاف القدرة، والقصد، والإكراه، والضرورة، والحاجة المعتبرة، والحقوق، والظروف.
والعدل لا يعني أن نتجاهل الملابسات.
لكن الفارق الحاسم هو:
من الذي منح الاستثناء؟
هل هو استثناء معتبر بدليل أو قاعدة شرعية أو عذر حقيقي؟
أم استثناء صغته أنت بعد وقوع الفعل لأن بقاء الحكم كما هو سيضعك تحته؟
هذه نقطة المراجعة.
فالمشكلة ليست أن تقول:
كانت لدي ظروف.
بل أن تمنح الظروف سلطة تشريعية لا تملكها.
ليس كل ما يفسر ضعفك يغيّر حكم فعلك.
وليس كل ما يجعل الخطأ مفهومًا يجعله صحيحًا.
كيف تختبر المعيار حين تكون أنت طرف القضية؟
ولهذا قد يكون من أنفع ما تفعله مع نفسك بعد موقف مشتبه ألا تبدأ بالسؤال:
هل أستطيع الدفاع عما فعلت؟
بل بسؤال أكثر عدلًا:
لو فعل شخص آخر الفعل نفسه، بالظروف نفسها، فبأي اسم كنت سأسمّيه؟
ليس هذا معيارًا شرعيًا مستقلًا، ولا يغني عن العلم بالحكم.
لكنه يكشف لك أحيانًا مقدار ما أضفته من استثناءات حين صرت أنت طرف القضية.
فإذا كان ميزانك يتغير بتغير الفاعل، فالمشكلة لم تعد في الواقعة وحدها.
دخل الخلل إلى المعيار نفسه.
وعندها يكون العلاج أعمق من مجرد الندم على موقف.
العلاج أن تسحب من نفسك حق التشريع بعد الفعل.
إذا أخطأت، فاعترف بالخطأ.
إذا كان لك عذر معتبر، فضعه في موضعه.
إذا كنت لا تعرف الحكم، فاسأل.
لكن لا تجعل كل واقعة جديدة فرصة لإعادة رسم الحدود حتى تبقى دائمًا في المنطقة المسموح بها.
راقب السابقة الأولى
راقب «السابقة الأولى».
ذلك الموقف الذي تقول فيه لنفسك:
هذه مرة مختلفة.
قد تكون مختلفة فعلًا.
لكن اسأل قبل أن تحفظها في قانونك الداخلي:
هل هذا استثناء حقيقي؟
أم أنني أفتح بابًا سيأتي منه ما يشبهه غدًا؟
لأن النفس إذا تعلمت أن تجاوز المعيار ممكن متى استطاعت إنتاج تفسير جيد، فلن تعجز عن التفسير طويلًا.
كل موقف له قصة.
وكل خطأ يمكن إحاطته بسياق.
وكل إنسان يستطيع أن يجمع من ظروفه ما يجعل نفسه الطرف الأكثر مفهومًا في الرواية.
لكن العدل يبدأ حين تعرف أن كونك مفهومًا لا يعني أنك مصيب.
وأن كونك متألمًا لا يمنحك كل حق.
وأن وجود الأسباب لا يلغي الحدود.
وأن رحمة الله بضعفك لا تحتاج منك أن تغيّر أسماء الأشياء حتى ترجو رحمته.
يمكنك أن تأتيه بخطئك كما هو.
بتقصيرك كما هو.
بضعفك كما هو.
فباب التوبة لا يطلب منك أن تثبت أنك لم تخطئ.
الاعتراف الذي يعيد المعيار إلى مكانه
ولذلك لا تخش الاعتراف الذي يعيد المعيار إلى مكانه.
الذي ينبغي أن تخشاه هو التبرير الذي يغيّر المعيار نفسه.
فالخطأ الواحد يمكن أن ينتهي بتوبة.
أما الاستثناء الذي تحوله إلى قاعدة فقد يبقى يعمل بعد أن تنسى الموقف كله.
بعض التبريرات لا تبرّئ ذنبًا مضى فحسب؛
إنها تكتب قانونًا يسمح للذنب القادم أن يدخل بلا مقاومة.
فاحفظ الميزان قبل أن تحفظ صورتك.
لأنك حين تقول عن الخطأ: «خطأ» وأنت الذي وقع فيه، لم تهزم نفسك.
بل منعتها من أن تصبح هي القاضي… وهي المتهم… وهي التي تكتب القانون.