قبل أن تفعل، كان أمامك أكثر من طريق.
تردّ أو تصمت. تَصدُق أو تكذب. تقترب من المعصية أو تبتعد عنها. ترسل تلك الكلمة أو تمحوها. تمضي في القرار أو تتراجع.
وفي تلك اللحظة لم تكن تشعر أن قوة خفية تمسك يدك، ولا أنك تشاهد نفسك تفعل شيئًا لا تريده. كنت تفكر، وتميل، وتتردد، وتبرر، ثم تختار.
لكن بعد أن يقع الفعل، ويأتي الندم أو اللوم أو الحساب، قد تظهر جملة لم تكن حاضرة بالطريقة نفسها لحظة الاختيار:
«لكن هذا كان مقدرًا عليّ.»
وهنا يقع الخلط الذي يجعل سؤال القدر يبدو أعقد مما هو عليه:
هل كان القدر في لحظة اختيارك إكراهًا… أم صار بعد اختيارك حجة؟
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
السؤال لا يبدأ من الكتابة… بل من الاختيار
نعم، كل شيء بقدر الله. لم يقع في ملكه شيء خارج علمه وكتابته ومشيئته.
لكن شيئًا مختلفًا تمامًا أن تقول: «وقع بقدر الله»، وأن تقول: «إذن لم أكن أنا الذي اخترته».
فالقدر شيء، والإكراه شيء آخر.
أنت تعرف الفرق حتى قبل أن تدخل في أي نقاش عقدي. تعرف الفرق بين أن يمسك شخص بيدك فيضرب بها آخر، وبين أن ترفع يدك أنت فتضربه. في الحالتين وقع الفعل في قدر الله، لكنك لا تسوّي بينهما في المسؤولية؛ لأنك تعرف أن السؤال ليس فقط: هل وقع الفعل؟ بل: كيف صدر منك؟
وهذا هو الموضع الذي تضيع فيه الحجة حين نقول: ما دام الفعل مقدرًا فلماذا أحاسب عليه؟
لأن كون الفعل مقدرًا لا يعني أن وصف الاختيار قد اختفى منه.
والقرآن نفسه يجمع المعنيين في موضع واحد على نحو بالغ الدقة:
﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾
[التكوير: 28-29]
لم تقل الآية: لا مشيئة لكم.
ولم تقل: مشيئتكم مستقلة عن الله.
أثبتت لك مشيئة، ثم وضعتها في موضعها الصحيح: مشيئة حقيقية، لكنها ليست خارجة عن مشيئة الله.
وهنا ينكسر التصور الناقص الذي يبني السؤال كله على خيارين لا ثالث لهما: إما أن يكون الله قد قدّر، وإما أن يكون الإنسان قد اختار.
بل إن هذا السؤال لم يبق افتراضًا ذهنيًا؛ فقد سأل الصحابة حين أخبرهم النبي ﷺ بسبق الكتاب: أفلا نتكل وندع العمل؟ فلم يجعل سبق الكتابة حجة للاتكال، وإنما قال ﷺ:
«اعملوا، فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِق له».
الله قدّر، وأنت اخترت داخل ما قدّر.
أنت لا تخرج باختيارك من ملك الله، ولا يلزم من كونك تحت مشيئته أن تكون آلة بلا إرادة.
لماذا يظهر القدر غالبًا بعد الفعل؟
جرّب أن تراقب موضع استعمال هذه الحجة في حياتك.
حين تكون أمام بابين وتريد أن تعرف أيهما أصلح، لا تقول عادة: «لن أفكر؛ فقد كُتب ما سأفعل». تبحث، وتسأل، وتوازن، وربما تستخير، ثم تتخذ قرارًا.
وحين تريد شيئًا بشدة، لا تعامل نفسك كأنك عديم الإرادة. تسعى إليه، وتجادل عنه، وتغضب إذا منعك أحد منه.
فلماذا تختفي إرادتك فجأة فقط عندما يصبح الاختيار موضع مؤاخذة؟
هذه هي المنطقة الأعمق في السؤال.
أحيانًا لا تكون المشكلة أننا لا نفهم القدر، بل أننا نغيّر وظيفة القدر بعد وقوع ما لا نريد تحمّل مسؤوليته.
نؤمن بالقدر قبل النتائج، فنفوض إلى الله ما لا نملكه، ونستحضره بعد وقوع المصائب فنرضى ونسلّم؛ لكننا لا نجعله بعد المعصية حجة تمحو مسؤولية الاختيار.
فالقدر يحررك من وهم السيطرة على النتائج، لكنه لا يحررك من مسؤولية ما تعمدت فعله.
لا تجعل علم الله السابق إكراهًا لك
قد يقول القلب: لكن الله كان يعلم أنني سأفعل هذا، وقد كتبه، فكيف أفعل غير ما علم وكتب؟
السؤال هنا ينتقل خفية من العلم إلى الإكراه.
علم الله لا يخطئ، وكتابته لا تتخلف، لكنك لم تفعل الشيء لأنك اطّلعت على الكتاب ثم أُجبرت على تنفيذه.
أنت أصلًا لا تعرف ما كُتب لك قبل أن يقع، فلا تستطيع أن تقف قبل المعصية فتقول: «سأفعلها لأنني أعلم أنها مكتوبة عليّ».
الذي أمامك في لحظة التكليف ليس اللوح المحفوظ، بل أمر ونهي، وما أعطاك الله من قدرة واختيار؛ ولهذا تُحاسب فيما كنت قادرًا عليه مختارًا، لا فيما أُكرهت عليه أو عجزت عنه.
ولهذا قال الله تعالى:
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾
[الإنسان: 3]
لم يُكلَّف الإنسان أن يفك ألغاز ما كُتب له قبل أن يتحرك.
كُلِّف أن يستجيب لما هُدي إليه.
أنت لا تُحاسب على صفحة الغيب التي لم ترها؛ تُحاسب على الاختيار الذي عشته وأنت تراه.
وهذا فرق هائل.
آدم لم يجعل القدر بديلًا عن التوبة
وقد يمر في الذهن حديث احتجاج آدم وموسى عليهما السلام، حين احتج آدم بما قدّره الله عليه، فقال النبي ﷺ: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى»، والحديث ثابت في الصحيحين.
وقد حمل جماعة من أهل العلم احتجاج آدم بالقدر هنا على المصيبة التي ترتبت على الذنب، لا على تبرير الذنب نفسه؛ فالقرآن سماه معصية وذكر توبته.
لكن انظر إلى الصورة كاملة.
القرآن لم يقل عن خطيئة آدم: كانت مقدرة فلا ذنب عليه. بل قال صراحة:
﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾
[طه: 121-122]
معصية.
ثم توبة.
ثم اجتباء وهداية.
فليس في قصة آدم باب لمن يريد أن يبقى على خطئه ويقول: «هذا قدري».
آدم لم يجعل القدر ممحاةً للتوبة.
وهنا يتضح موضع القدر الصحيح: إذا وقع منك ذنب، فلا تستخدم القدر لتمنع التوبة. تُب، وأصلح ما تستطيع، ولا تبق بعد ذلك تمزق نفسك على شيء مضى ووقع في قدر الله.
فالقدر لا يُحتج به لتبرير المعصية والإقامة عليها؛ أما بعد التوبة، فلا تجعل ما مضى بابًا للاعتراض على الله أو محاكمة الماضي إلى غير نهاية.
وهذا ميزان بالغ الدقة:
في ذنبك: انظر إلى اختيارك كي تتوب.
وفيما أصابك مما لم يكن لك دفعه: استحضر القدر كي تسلّم.
فلا تعكس الموضعين.
ولا تُسلِّم نفسك بعد المصيبة لاجترار: لو أنني فعلت وفعلت، حتى يلتهمك الندم.
ولا تنظر إلى القدر في المعصية فتقول: كُتب عليّ، فتترك التوبة.
ما الذي يطلبه منك الإيمان بالقدر إذن؟
ليس أن تعيش كأنك بلا إرادة.
بل أن تعرف حدود إرادتك.
حين يأتي وقت الفعل، أنت عبد مأمور: اختر الحق، واستعن بالله، وخذ بالأسباب، واسأله الثبات والهداية.
وحين تقع النتائج التي لم تكن تملكها، أنت عبد مسلّم: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
وحين تخطئ باختيارك، أنت عبد تائب: لا تجعل علم الله وكتابته ستارًا يحول بينك وبين الاعتراف والرجوع.
هكذا يضع القدر الإنسان في حجمه الصحيح من جهتين معًا:
لا يجعلك إلهًا صغيرًا يظن أن النتائج بيده.
ولا يجعلك حجرًا بلا إرادة يتبرأ من كل فعل صدر عنه.
يعطيك مسؤولية الاختيار، وينزع منك ادعاء السيطرة على المآلات.
ولهذا، عندما يجيء السؤال مرة أخرى:
إذا كان كل شيء مقدرًا، فلماذا أحاسب؟
فلا تبدأ من الصفحة التي لم ترها في الغيب.
ابدأ من اللحظة التي تعرفها جيدًا.
لحظة كنت فيها تفكر.
وتريد.
وتتردد.
ثم اخترت.
واسأل نفسك السؤال الذي لا يسمح للخلط أن يختبئ:
هل كان القدر يومها إكراهًا شعرت به… أم صار عذرًا بعد أن انتهى الاختيار؟
فالقدر لا يُبطل مسؤوليتك عن الباب الذي فتحته بيدك، كما أن مسؤوليتك لا تعني أنك خرجت لحظة واحدة عن مشيئة الله.
قبل الفعل: أنت مأمور أن تختار.
وبعد الذنب: أنت مأمور أن تتوب.
وبعد ما لا تستطيع رده: أنت مأمور أن تسلّم.
فلا تجعل التسليم بالمقدور يسبق التوبة من المختار.