الظالم لا يملك القلم كله: هل يملك مَن ظلمك مصيرك؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

قد يظلمك إنسان فيأخذ منك مالًا، أو يفسد علاقة، أو يشوه سمعة، أو يغلق بابًا كان يعني لك الكثير. وقد لا ينتهي أثر ما فعله بانتهاء الموقف؛ فقد تبقى خسارة تحتاج إلى سنوات، أو جرحًا يعود كلما مررت بالمكان نفسه، أو نتيجة لا تستطيع ببساطة أن تمحوها.

هذا كله حقيقي، ولا يحتاج المظلوم إلى من يصغّر ظلمه حتى يهدأ.

لكن شيئًا آخر قد يحدث بعد الظلم، أخطر من بعض آثاره نفسها: أن يبدأ الظالم في داخلك بالتمدد.

لم يعد هو الإنسان الذي فعل بك شيئًا مؤذيًا في وقت محدد، بل يصبح في تصورك الرجل الذي كتب حياتك كلها: هو الذي أضاع مستقبلك، وهو الذي حدد مقدار رزقك، وهو الذي قرر أين ستصل، وهو الذي تفسر به كل باب مغلق بعده، وكل فرصة فاتتك، وكل حياة تتخيل أنك كنت ستعيشها لولا ما فعل.

وعندها يكون قد أخذ منك أكثر مما استطاع أن يأخذه بيده.

فمتى تحوّل مَن ظلمك في داخلك من إنسان مؤذٍ إلى صاحب سلطة على مصيرك كله؟

تصميم رمزي بعنوان الظالم لا يملك القلم كله يظهر قلمًا وقفلًا وكتابًا مع آية من سورة التوبة
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

المشكلة ليست في قولك: «لقد أضرني». فقد يكون هذا وصفًا دقيقًا.

المشكلة تبدأ حين تتحول الجملة سرًا إلى: «لقد قرر ما ستكون عليه بقية حياتي».

هناك فرق هائل بين الأثر والمصير

للإنسان قدرة على الأذى، وقد تكون كبيرة جدًا. يستطيع أن يكذب عليك، ويخونك، ويحرمك حقًا، ويستعمل نفوذه ضدك، ويقطع سببًا كنت تعتمد عليه. وقد يؤدي فعله فعلًا إلى تغيير مسار من مسارات حياتك.

لكن تغيير مسار ليس امتلاك المصير.

فالمصير ليس طريقًا واحدًا كان يمسك الظالم بوابته، فإذا أغلقها انتهت خريطة حياتك كلها.

ولهذا يعيد القرآن قلب المؤمن إلى أصل أكبر من جميع البشر والأسباب:

﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 51].

لا تعني الآية أن الظالم بريء لأنه لم يخرج عن قدر الله؛ فالظلم ظلم، وصاحبه مسؤول عن فعله. ووقوع شيء بقدر الله لا يعني أن الله يحبه أو يرضاه، كما لا يعني أن عليك السكوت عن حقك أو ترك دفع الأذى بالأسباب المشروعة.

لكنها تهدم وهمًا آخر: أن إنسانًا ما استطاع أن يستقل بكتابة ما سيكون لك بعيدًا عن سلطان الله.

لقد فعل ما فعل، نعم.

لكنه لم يصبح ربًا للمستقبل.

حين تمنحه أكثر مما فعل

من أقسى آثار الظلم أن يبني العقل حياة افتراضية كاملة ثم ينسب ضياعها إلى الظالم:

«لولا فلان لكنت الآن في مكان آخر.»

«لولا ما فعله لتزوجت، أو نجحت، أو استقرت حياتي.»

«لقد أخذ مني السنوات التي كان يمكن أن أعيشها.»

بعض هذه الاحتمالات قد يكون مفهومًا؛ فالإنسان بطبيعته يتساءل عما كان سيحدث لو لم يقع ذلك الأذى. لكن المشكلة أن الحياة التي لم تقع لا نعرفها.

نحن نعرف ما فعله الظالم، لكننا لا نعرف الغيب الذي كان سيأتي لو لم يفعله.

وحين تجزم بصورة المستقبل البديل، ثم تحاسب واقعك عليها، تكون قد أضفت إلى ظلم معلوم قصة غيبية كاملة لا تملك دليلًا عليها.

ربما كان ذلك الطريق سيكتمل، وربما لم يكن. ربما كانت تلك الفرصة ستقود إلى ما تمنيت، وربما تغيرت بعد خطوة. نحن لا نعلم.

ولذلك فالعدل مع نفسك أن تحاسب الظالم على ما فعله، لا على كل حياة متخيلة لم تعشها.

لا توسع مساحة جريمته حتى تشمل الغيب أيضًا.

الظلم لا يصبح قدرًا ثانيًا

قد ينجح الظالم في حرمانك من وظيفة؛ لكنه لا يملك خزائن رزقك.

قد يفسد علاقة؛ لكنه لا يملك أن يقرر أنك لن تُحب بعد ذلك أو لن تجد صحبة صالحة.

قد يشوه صورتك عند أناس؛ لكنه لا يملك قيمتك عند الله، ولا حقيقة ما أنت عليه.

قد يؤخرك في طريق؛ لكنه لا يعلم أصلًا جميع الطرق التي سيفتحها الله أو يغلقها بعده.

وقد يترك فيك أثرًا نفسيًا حقيقيًا يحتاج إلى علاج؛ لكن حتى هذا الأثر ليس حكمًا أبديًا بأنك ستبقى كما أنت.

وهنا يظهر الخلل الدقيق: قد ترفض ظلم هذا الإنسان بلسانك، ثم تمنحه في قلبك سلطة أعظم بكثير من سلطته الحقيقية.

تقول: «لن أسامحه على ما فعل»، بينما يعيش داخلك باعتباره التفسير النهائي لكل ما حدث بعده.

وكلما تعطل أمر قلت: بسببه.

وكلما خفت من المستقبل قلت: لقد دمّر فرصتي الوحيدة.

وكلما رأيت غيرك يسبقك عدت إلى اللحظة نفسها كأن حياتك توقفت هناك، وأن بقية السنوات ليست إلا هوامش على قرار اتخذه ذلك الشخص.

وهكذا يتحول الظالم من صاحب فعل مذموم إلى مركز خفي تدور حوله قصة حياتك.

وقد يكون قد خرج من المشهد منذ سنوات، بينما ما زلت تمنحه كل صباح توقيعًا جديدًا.

أعطه حجم فعله… ولا تمنحه الغيب

التحرر هنا لا يبدأ بإقناع نفسك بأن ما حدث بسيط، ولا بأنك يجب أن تشكر من ظلمك، ولا بأن كل ما خسرته سيعود إليك في الدنيا بصورة أجمل. هذه وعود لا نملكها.

وقد تكون هناك أشياء ضاعت فعلًا ولا تعود كما كانت.

لكن الإيمان لا يحتاج إلى إنكار الخسارة حتى يحررك من تأليه سببها.

يمكنك أن تقول في الجملة نفسها:

لقد ظلمني، وتأذيت بسببه، وبعض ما فعله غيّر أشياء حقيقية في حياتي.

ومع ذلك، لا أملك أن أجعل فعله تفسيرًا لمستقبلي كله؛ لأنه عبد مثلي، لا يملك من الغيب شيئًا.

هذه ليست محاولة لتجميل الماضي، بل إعادة للحدود إلى أماكنها.

حدود مسؤوليته: ما اختاره وفعل.

وحدودك أنت: أن تدفع ظلمه إن استطعت، وتطلب حقك بالطرق المشروعة، وتعالج ما أفسده، ولا تسمح لذاكرتك أن تحوله إلى قوة مطلقة.

وحدود الغيب: لله وحده.

وهنا يكون العلاج من جنس الجرح: كلما وجدت نفسك تقول إن فلانًا «دمّر حياتي»، توقف عند الكلمة الأخيرة.

حدّد ما دمّره بالفعل.

مالًا؟ علاقة؟ فرصة؟ سنوات من الطمأنينة؟ جزءًا من سمعتك؟ سمِّ الخسارة بصدق، ولا تقلل منها.

ثم لا تضف إليها ما لا تعلم.

لا تقل: «إذًا انتهى مستقبلي.»

لا تقل: «إذًا لن يعوضني شيء أبدًا.»

لا تقل: «إذًا ما كان يمكن أن أكونه قد مات كله.»

هذه ليست معلومات؛ هذه أحكام على غيب لم يُفتح لك.

ومن العجيب أن المظلوم حين يفعل ذلك قد يمنح ظالمه مجانًا ما لم يستطع الظالم انتزاعه بالقوة: حق تفسير بقية حياته.

فلا تمنحه هذا الحق.

استرد منه ما تستطيع من حقوقك، وعالج ما تستطيع من آثار فعله، وابكِ ما يستحق أن يُبكى، ولا تطالب نفسك بأن تتصرف كأن شيئًا لم يقع.

لكن عندما تصل إلى باب الغد، اتركه خارج الباب.

ذلك الباب لم يُعط مفتاحه له.

لا تمنح من ظلمك بعد أن أخذ منك حقًا، حقًا ثانيًا لم يُعط له: أن يكتب لك معنى مستقبلك كله.

الظالم قد يترك سطرًا موجعًا في قصتك، وقد يكون سطرًا طويلًا جدًا.

لكنه لا يملك الكتاب.

ولا يعلم الصفحة القادمة.

ولا يملك القلم كله.

القلم الذي كُتبت به المقادير لم يكن يومًا في يد من ظلمك.

تعليقات

عدد التعليقات : 0