لماذا ننسى إحسان الآخرين؟ الدفتر الذي لا ينسى إحسانك

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

📒 الدفتر الذي لا ينسى إحسانك

بعد خلاف صغير مع شخص قريب، قد يحدث شيء عجيب في داخلك.

لا تحتاج إلى أن تجلس وتكتب شيئًا. القائمة تفتح وحدها.

تتذكر اليوم الذي وقفت فيه معه حين تخلى عنه غيرك، والمال الذي أعطيته ولم تسأله عنه، والمرة التي ابتلعت فيها غضبك من أجله، والمشوار الذي قطعته، والوقت الذي بذلته، والكلمة التي دافعت بها عنه، والباب الذي فتحته له، والموقف الذي كان يستطيع أن يسقط فيه لولا أنك كنت هناك.

تفاصيل دقيقة على نحو مدهش.

التاريخ حاضر.
والظرف حاضر.
وحتى مقدار التعب الذي تحملته حاضر.

ثم تنظر إلى ما فعله هو معك، فتجد الذاكرة أقل نشاطًا بكثير.

تقول: نعم، فعل أشياء طيبة، ولكن…

وتبدأ كلمة «ولكن» في ابتلاع سنوات كاملة.

كأن في داخل النفس دفترًا خفيًا لا تُكتب صفحاته بالحبر نفسه.

إحسانك أنت يُسجل بالتفصيل.

أما إحسان الآخرين، فكثير منه يُختصر، وبعضه يبهت مع الزمن، وبعضه لا تستحضره إلا إذا أجبرك العدل على البحث عنه.

ومن هنا قد تبدأ خصومات لا يكون سببها أن الناس لم يحسنوا إليك قط، بل أن ذاكرتك الأخلاقية صارت تحتفظ بما لك أكثر مما تحتفظ بما عليك من شكر ووفاء.

والسؤال الذي يستحق أن تقف عنده هو:

لو قرأت الدفتر كاملًا، لا الصفحة التي كتبتها أنت فقط، فهل ستبقى القصة كما ترويها لنفسك؟

دفتر مفتوح يسجل إحسان الإنسان بالتفصيل وإحسان الآخرين في صفحة أقصر، في تعبير عن انحياز الذاكرة ونسيان الفضل عند الخصومة.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

النفس لا تحتاج دائمًا إلى أن تكذب كي تظلم

يكفي أحيانًا أن تتذكر نصف الحقيقة جيدًا جدًا.

فحين تؤذيك كلمة من شخص أحسنت إليه، لا تستحضر الكلمة وحدها؛ تستدعي معها أرشيف عطائك كله. يصبح الخطأ الذي وقع منه واقفًا أمام سنوات مما صنعته له، فيبدو قبيحًا مضاعفًا.

لكن حين تخطئ أنت في حقه، قلما تستدعي بالسرعة نفسها سنوات صبره عليك، أو تنازلاته، أو المرات التي تجاوز فيها عن زلتك، أو الأبواب التي فتحها لك، أو الستر الذي حفظك به، أو الخير الذي صار مألوفًا حتى لم تعد تراه خيرًا.

وهنا يختل الحساب.

ليس لأن إحسانك وهم، ولا لأن الأذى الذي وقع عليك غير حقيقي. قد تكون أحسنت فعلًا، وقد يكون الآخر قد قصر فعلًا، وقد يكون لك حق واضح لا ينبغي إنكاره.

لكن وجود حق لك لا يمنحك الحق في محو ما كان لغيرك من فضل.

هذه واحدة من أدق حيل النفس: أنها لا تطلب منك دائمًا أن تجعل الباطل حقًا؛ أحيانًا يكفيها أن تجعلك تنظر إلى الحق من زاوية واحدة حتى تستخرج منه حكمًا ظالمًا.

تقول لك:

أنا الذي كنت حاضرًا دائمًا.
أنا الذي تحملت أكثر.
أنا الذي بادرت.
أنا الذي سامحت.
أنا الذي أعطيت.

وقد يكون في كل جملة جزء صادق.

وماذا أعطاك الآخرون حتى صار مألوفًا فلم تعد تعده؟

لكن السؤال الذي لا تحب النفس أن تفتحه هو: وماذا أعطاك الآخرون حتى صار مألوفًا فلم تعد تعده؟

بعض النعم البشرية تفقد بريقها لا لأنها صغيرة، بل لأنها استمرت طويلًا.

الأم التي خدمت أعوامًا قد يصبح عطاؤها في عين أبنائها جزءًا من نظام البيت، حتى يكاد أحدهم يتذكر هدية قدمها لها أكثر مما يتذكر آلاف الأيام التي قامت فيها عليه.

والزوج أو الزوجة قد يحتفظ في ذاكرته بتضحياته الخاصة، بينما تتحول تضحيات الطرف الآخر إلى «أشياء طبيعية يفترض أن يفعلها».

والصديق قد يعدد المرات التي وقف فيها مع صاحبه، وينسى أن صاحبه ظل سنوات يحمل منه ما لم يكن غيره ليحمله.

حتى بين الإخوة والزملاء والشركاء، قد تمتلئ النفوس بدفاتر من نوع واحد:

دفاتر تثبت أننا أعطينا أكثر مما أخذنا.

ولو كان كل إنسان يقرأ دفتره وحده بهذه الطريقة، فسوف تمتلئ الدنيا بأناس يظن كل واحد منهم أنه المظلوم الكريم المحاط بأناس قليلي الوفاء.

وهذا وحده ينبغي أن يجعلنا أكثر حذرًا من رواية النفس حين تكون هي الخصم والمحاسب وكاتب السجل في الوقت نفسه.

ولهذا تأتي كلمة القرآن عجيبة في دقتها

﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237].

جاءت في سياق يمكن للحقوق فيه أن تتوتر، والنفوس أن تتألم، والعلاقة أن تبلغ الفراق. ومع ذلك لا يُطلب من الإنسان أن يمحو الحق، وإنما ألا يمحو الفضل وهو يطلب حقه.

يمكن أن تختلف مع إنسان، ويبقى أنه أحسن إليك يومًا.

يمكن أن ينتهي طريق بينكما، ولا يلزم أن تعيد كتابة الماضي كله بلون النهاية.

يمكن أن يسيء من له عندك معروف، فلا تصبح إساءته دليلًا على أن معروفه لم يكن معروفًا.

ويمكن أن يكون لك حق عليه، ويبقى له فضل سابق لا يسقط من ميزان العدل.

فحفظ الفضل لا يعني إسقاط الحقوق، كما أن المطالبة بالحقوق لا تبيح إنكار الفضل.

وهذا التمييز مهم؛ لأن بعض الناس يخشون أن الاعتراف بإحسان الآخر سيضعف موقفهم في الخصومة. كأنهم يحتاجون إلى تحويل خصمهم إلى شخص لم يصنع خيرًا قط حتى يسمحوا لأنفسهم بالغضب منه.

لكن العدل لا يحتاج إلى تزوير السيرة.

يمكنك أن تقول: أخطأ في حقي هنا، وقد أحسن إلي هناك.

قصّر اليوم، لكنه وقف معي بالأمس.

هذا التصرف لا أقبله، وذلك المعروف لا أنكره.

هذه ليست ازدواجية.

هذا هو الإنصاف.

أما النفس حين تريد الانتصار لنفسها، فإنها تميل إلى تنظيف الصفحة من كل ما يربك حكمها. تريد خصمًا خالص السواد حتى يصبح موقفها خالص البياض.

ولهذا فإن نسيان إحسان الآخرين ليس مجرد خلل اجتماعي؛ إنه باب إلى فساد أعمق في القلب

لأنه يربي فيك شعور الاستحقاق.

كل ما تقدمه يتحول مع الأيام إلى رصيد تنتظر أن يدفعه الناس لك.

وكل ما يقدمونه يتحول سريعًا إلى شيء عادي.

ثم تأتي لحظة تتوقع منهم فيها ردًا يساوي ذلك الرصيد المتراكم في ذاكرتك، بينما هم لا يعرفون أصلًا حجم الحساب الذي فتحته لهم في داخلك.

فإذا لم يفعلوا، شعرت بالخيانة.

تقول: بعد كل ما فعلت!

وهذه العبارة قد تكون أحيانًا وصفًا لخذلان حقيقي، لكنها قد تكون أحيانًا جرسًا ينبغي أن يسمعه الإنسان داخل نفسه:

منذ متى بدأت أحول إحساني إلى فاتورة؟

وهنا يقترب الخلل من معنى العطاء الذي تأتي معه فاتورة خفية؛ حين لا يبقى المعروف معروفًا فقط، بل يتحول في الداخل إلى رصيد ينتظر السداد.

الإحسان الذي تبتغي به وجه الله لا يضيع عند الله، ولا تحتاج كي تحفظ قيمته إلى أن تبقى تلوح به في قلبك أمام الناس.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: 120].

فحين يستقر هذا المعنى، يحدث شيء بالغ الأهمية: لا تحتاج ذاكرتك أن تعمل خزنةً دائمة لكل ما صنعته كي تضمن أن معروفك لم يذهب.

الله لا يضيعه.

ومن هنا يبدأ العلاج من الموضع نفسه الذي بدأ منه الخلل: أصلح الدفتر

حين تشعر أن العبارة بدأت تتشكل في داخلك: «أنا فعلت له وفعلت وفعلت»، لا تسارع إلى جلد نفسك؛ فقد تكون متألمًا بحق.

لكن لا تترك الصفحة من جهة واحدة.

ألزم نفسك في تلك اللحظة بشيء محدد: استدع معروفًا حقيقيًا لهذا الشخص عندك.

ليس لتبرير خطئه.

ولا لإجبار نفسك على محبته.

ولا لإسقاط حقك.

بل حتى لا تسمح للألم أن يصبح ممحاة.

قل: نعم، آلمني هذا منه، لكنه وقف معي في كذا.

نعم، قصر هنا، لكنه أحسن إلي هناك.

نعم، سأضع الحد الذي أحتاج إليه، لكنني لن أختلق ماضيًا جديدًا كي أستريح من إنصافي له.

ثم افعل الأمر الأصعب: عندما تصنع معروفًا لأحد، قاوم رغبة النفس في أرشفته للمطالبة المستقبلية.

لا تعش كل إحسان مرتين:

مرة حين تبذله،

ومرة كلما احتجت إلى محاكمة من بذلته له.

إن كان خيرًا أردت به الله، فأرسله إلى موضعه الصحيح.

ولا تجعل الناس خزائن تحفظ لك رصيد إحسانك.

وإذا وجدت في قلبك كثرة تعداد لما صنعت، فليس المطلوب أن تنكر الخير الذي وفقك الله إليه. اعترف به، واشكره سبحانه عليه، ثم تذكر أن قدرتك على الإحسان نفسها فضل من الله عليك قبل أن تكون فضلًا منك على أحد.

وهذا قريب من امتحان القلب حين يجري الله الخير على يدك، ثم يبقى السؤال: هل صار المعروف بابًا إلى الشكر، أم ملفًا تحتفظ به النفس لإثبات فضلها؟

عندها يتغير الدفتر كله.

لن تمحو ما قدمت.

لكن لن تتعامل معه كدين واجب السداد من الخلق.

ولن تمحو ما أخذت.

بل ستتعلم أن تحفظ للناس جميلهم، حتى حين لا يبقون كاملين في عينك.

ربما يكون من أنضج صور العدل أن تستطيع أن تخرج من علاقة متألمًا، وأنت ما زلت تقول عن بعض ما كان فيها: كان هذا خيرًا، ولن أنكره.

وأن تختلف مع إنسان، دون أن تسلبه كل فضيلة عرفتها فيه.

وأن تضع حدًا لمن أذاك، دون أن تمحو معروفًا سبق أذاه.

فالوفاء لا يعني أن تبقى في كل علاقة.

لكنه يعني ألا تجعل نهاية العلاقة تكتب بدايتها من جديد.

راجع دفتر قلبك بين حين وآخر

لا لتسأل فقط: كم أعطيت؟

بل لتسأل أيضًا: كم أخذت ثم اعتدت حتى نسيت؟

فإن كان للنفس مكر في الحساب، فمن أعدل ما تربيها عليه أن تحفظ للناس فضلهم، وترد إحسانك إلى فضل الله عليك، ولا تجعل ذاكرتك محكمة لا تحتفظ إلا بالأدلة التي تبرئك.

العدل لا يبدأ حين تتذكر أخطاء الناس جيدًا، بل حين ترفض أن تجعل ألمك ممحاةً لفضلهم.

تعليقات

عدد التعليقات : 0