كيف تتعامل مع المجهول وقت الحاجة؟ قد تشتد الحاجة، وتقل الأسباب، ويُحجب الغد؛ لكنك لا تحتاج إلى خريطة الغيب كي تؤدي عبادة هذه الساعة. يكفي أن تعرف من يملك الطريق، ثم تأخذ الخطوة التي بين يديك دون أن تجعل خوفك يكتب بقية القصة.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
- حين تكون الحاجة شديدة ولا تملك خريطة
- سعي هاجر بلا خريطة للمخرج
- حين يصبح غياب البيان جزءًا من البلاء
- هل صار فهم المستقبل شرطًا لعبوديتك؟
- حين يصنع القلب خريطة من مشاعره
- حين لا تعرف قل: لا أعرف
- الطمأنينة بمعرفة من يملك الخريطة
- خذ الخطوة ولا تطلب منها النهاية
- لا تقس صدق سيرك بما انكشف لك
- عد إلى عبادة هذه الساعة
- ضيّق مجال التكليف إلى ما تملكه الآن
- دعاء من لا يملك الخريطة
حين تكون الحاجة شديدة ولا تملك خريطة
نفد الماء من السقاء.
لم يبقَ في الوادي إلا أم ورضيع، ولا زرع حولهما، ولا ماء ظاهر، ولا بشر يلوحون من بعيد. اشتد العطش بالصغير، وهاجر عليها السلام لا تعرف أين تجد الغوث، ولا متى يأتي، ولا من أي جهة يفتح الله الباب.
كانت تعرف حقيقة واحدة: أن إبراهيم عليه السلام لم يتركها هناك من تلقاء نفسه، وأن الله أمره بذلك. فلما علمت قالت كلمتها التي ثبّت بها قلبها:
«إذن لا يضيعنا».
[رواه البخاري]
لكن هذه المعرفة لم تسلمها خريطة.
لم تقل لها أين الماء، ولم تحدد لها موعد ظهوره، ولم تعفها من رؤية رضيعها وهو يتألم. كانت مطمئنة إلى الله، لكنها لم تكن عالمة بما سيفعله الله. وبين الطمأنينة إلى الله، والجهل بتفاصيل ما سيقدره الله، قامت عبوديتها.
سعي هاجر بلا خريطة للمخرج
صعدت الصفا تبحث عن أحد، فلم ترَ أحدًا. نزلت وسعت حتى بلغت المروة، فلم ترَ أحدًا. عادت إلى الصفا، ثم رجعت إلى المروة، سبع مرات، والمشهد في كل مرة يكاد يكون هو المشهد نفسه: وادٍ صامت، وحاجة شديدة، ولا علامة ظاهرة تقول إن النهاية اقتربت.
لم تكن كل جولة تكشف لها جزءًا جديدًا من الخطة. لم يظهر الماء بعد الشوط الأول، ولم يأتِ من يخبرها أنه بقي من الانتظار دقائق. كانت تتحرك بما تعرف، بينما بقي المخرج كله في علم الله.
حين يصبح غياب البيان جزءًا من البلاء
وهذا من أثقل ما يمر على القلب حين تشتد الحاجة: ألا تتألم من الحاجة وحدها، بل من غياب البيان معها.
أن تحتاج إلى شيء، ولا تعرف هل السبب الذي تنتظره يتم أم يسقط. أن يمر الوقت، ولا تدري هل التأخير مقدمة انفراج أم امتداد امتحان. أن تراقب كل حركة، وتفتش في كل رد، وتقرأ كل تأخير؛ لأن قلبك لم يعد يطلب النتيجة فقط، بل يطلب معلومة واحدة تسند اضطرابه وتقول له: إلى أين يمضي الأمر؟
أحيانًا لا يريد الإنسان ضمانًا بأن كل شيء سيأتي كما يشتهي. يريد فقط أن يفهم ما يحدث، حتى يعرف أين يضع خوفه، وإلى متى يجمع قوته، وكيف يفسر هذا الصمت الطويل.
لكن الغيب لا يفتح أبوابه لأن الحاجة اشتدت.
وقد تبلغ الضرورة مداها، ويبقى موعد الفرج وكيفيته وحكمة التأخير محجوبة. لا لأن ألمك هيّن، ولا لأن سؤالك مذموم، بل لأن علم ما سيأتي لم يجعله الله إليك.
قال تعالى:
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾
[لقمان: 34]
عدم العلم بالغد أصل في حياة الإنسان، لكن الحاجة الشديدة تجعله جارحًا. في أيام السعة تعيش وأنت لا تعرف الغد، ولا يزعجك ذلك كثيرًا. فإذا ضاقت عليك حاجة، صار كل جزء مجهول من المستقبل ثقيلًا؛ لأن قلبك علّق عليه راحته ونجاته وأمانه.
هل صار فهم المستقبل شرطًا لعبوديتك؟
وهنا ينكشف السؤال الأثقل:
هل صار فهم ما سيحدث شرطًا لتواصل عبوديتك، أم تستطيع أن تمضي بما تعرف ولو بقيت النهاية محجوبة؟
ليس المطلوب أن تتوقف عن طلب الفهم فيما يمكن فهمه. اسأل، واستشر، وراجع، واجمع المعلومات، وضع خطة، وابحث عن بديل، وخذ بالأسباب التي تقدر عليها. الجهل الذي يمكن دفعه بالتعلم لا يسمى توكلًا، وترك السبب الممكن ليس تسليمًا.
لكن بعد أن تفعل ما تقدر عليه، ستبقى مساحة لا تصل إليها المشورة ولا الحسابات. لا أحد يستطيع أن يخبرك يقينًا بما يقع بعد ساعة، ولا أن يحدد لك الحكمة الخاصة من تأخير حاجتك، ولا أن يجزم بأن هذا الانغلاق صرف نهائي، أو أن ذلك الانشراح وعد بفرج قريب.
هذه المساحة ليست نقصًا في سعيك.
إنها حد علمك.
حين يصنع القلب خريطة من مشاعره
ومشكلتنا أن القلب لا يحب ترك المساحة فارغة. إذا لم يجد خبرًا، كتب توقعًا. وإذا لم يعرف سبب التأخير، اخترع له تفسيرًا. مرة يقول: لعل الأمر انتهى. ومرة يقول: ربما اقترب الفرج. ومرة يجعل انقباضه نذيرًا. ومرة يجعل انشراحه بشارة. إنه يحاول أن يصنع خريطة من مشاعره؛ لأن السير بلا خريطة يرهقه.
لكن المشاعر تخبرك عن حال قلبك، لا عن تفاصيل القدر.
خوفك لا يعلم الغيب، ورجاؤك المتعب لا يعلم الغيب. قد يبالغ الخوف في توقع الضرر، وقد يحول الرجاء كل حركة إلى علامة، وفي الحالتين أنت لم تحصل على علم؛ إنما انتقلت بين تفسيرات تتغير بتغير ما في صدرك.
حين لا تعرف قل: لا أعرف
حين لا تعرف، قل: لا أعرف.
هذه ليست كلمة هزيمة، بل كلمة عبودية. كلمة تمنعك من نسبة ما لا تعلم إلى الله، وتحفظ قلبك من أن يجعل ظنه وحيًا، أو خوفه دليلًا، أو ارتياحه وعدًا.
لا تقل: التأخير غضب. ولا تجزم بأنه حماية. ولا تسمه صرفًا نهائيًا. ولا تجعله وعدًا مؤجلًا. قد تكون في الأمر حِكَم كثيرة، وقد تتداخل فيه معانٍ لا تحيط بها، لكن تعيين حكمة خاصة يحتاج إلى علم ليس عندك.
سمِّ الأشياء بقدر ما تعلم.
قل: تأخر الأمر، ولا تقل: لن يقع.
قل: تعطل هذا السبب، ولا تقل: أغلقت كل الأسباب.
قل: أنا خائف من القادم، ولا تقل: القادم شر.
قل: لم يظهر لي المخرج، ولا تجعل غيابه عن بصرك دليلًا على غيابه من تقدير الله.
فالخريطة محجوبة عنك، لكنها ليست محجوبة عن الله.
الطمأنينة بمعرفة من يملك الخريطة
أنت لا تعلم ماذا يجري بعد ساعة، لكن الساعة القادمة ليست سائبة. لا تقع خارج علم الله، ولا تخرج عن ملكه، ولا تفاجئه بما تحمل. يعلم ما تحتاج، ويعلم ضعفك، ويعلم ما يصلح لك، وإن لم يكشف لك كيف يدبر أمرك ولا متى ينقلك من حال إلى حال.
والطمأنينة هنا لا تأتي من فهم الخطة، بل من معرفة من يملكها.
هاجر عليها السلام لم تكن تعلم أن زمزم سيخرج، ولم يكن سعيها مبنيًا على وعد خاص بأن الماء تحت موضع معين. كانت تعرف ربها، وتفعل ما تقدر عليه. لم تجعل يقينها بالله بديلًا عن الحركة، ولم تجعل غياب النتيجة في الأشواط الأولى دليلًا على أن حركتها ضاعت.
ومع ذلك، لا نأخذ من قصتها وعدًا بأن لكل حاجة زمزمًا في الدنيا بالصورة التي نريد، ولا أن تكرار السعي يلزم القدر بنتيجة بعينها. قد يفتح الله للعبد، وقد يصرف عنه ما طلب، وقد يبدله، وقد يطول البلاء، وقد تبقى بعض حكمه خافية إلى أن يلقى العبد ربه.
إنما نتعلم منها أن جهل المخرج لا يلغي واجب اللحظة، وأن التوكل ليس معرفة ما سيفعله الله، بل الثقة به مع القيام بما أمرك به وأباحه لك.
خذ الخطوة ولا تطلب منها النهاية
ربما لا تملك الآن إلا خطوة صغيرة: اتصالًا ينبغي أن تجريه، أو طلبًا تحتاج إلى تقديمه، أو بابًا مشروعًا لم تجربه، أو نصيحة من خبير، أو نفقة تحفظها، أو قرارًا تؤجله حتى تتضح معلوماته.
خذ هذه الخطوة، ولا تطلب منها أن تخبرك بالنهاية.
هي سبب تؤديه، لا نافذة تطلع منها على الغيب.
وقد لا تملك خطوة ظاهرة في بعض الأيام. عندها يكون من عبوديتك أن تحفظ الفرائض، وتكف نفسك عن الحرام، وتدعو، وتستريح لتستعيد قدرتك، ولا تتخذ قرارًا مذعورًا لمجرد الهرب من ألم الانتظار.
السكون المنضبط ليس دائمًا تقصيرًا. قد يكون هو موضع القدم الممكن حين تضيق الحركة.
لا تقس صدق سيرك بما انكشف لك
ولا تقس صدق سيرك بما انكشف لك.
قد تصعد صفاك اليوم، وتنظر، فلا ترى جديدًا. ثم تنزل إلى يومك وتفعل ما عليك. لا يعني تشابه المشهد أن الله أهملك، ولا يعني بالضرورة أن الفرج صار قريبًا. يعني فقط أنك لم تُؤذن بعد بمعرفة ما وراء المشهد.
وهذا مؤلم، نعم.
ليس سهلًا أن تحمل حاجة تضغط صدرك، ثم يُطلب منك ألا تستخرج من كل سبب موعدًا، ولا من كل تعطيل حكمًا، ولا من كل انشراح بشارة. وليس سهلًا أن تبقى بين الصفا والمروة ولا ترى ماء، ولا تسمع تفسيرًا، ولا تملك إلا أن تعود إلى الخطوة نفسها بقلب أكثر افتقارًا.
لكن العبودية في هذا الموضع ليست أن تنكر خوفك، بل ألا تسلمه الخريطة.
وليست أن تتظاهر بأن الانتظار هيّن، بل ألا تجعل ثقله يدفعك إلى اختراع علم لم يؤتك الله إياه.
وليست أن تضمن النتيجة، بل أن تبقى أمينًا فيما تعرف حتى يأتي الله بما قدّر، على الوجه والوقت اللذين يعلمهما.
عد إلى عبادة هذه الساعة
فإذا هجم عليك سؤال الساعة القادمة، لا تحاول أن تعيشها قبل أن تأتي.
عد إلى ساعتك هذه. فيها صلاة لا تحتاج إلى كشف الغيب كي تؤديها، وسبب متاح تستطيع أن تأخذه، واتصال واحد ينبغي أن تجريه، وقرار حاضر تستطيع أن تضبطه، وجسد أنهكه القلق ويحتاج إلى حقه من الراحة.
هذه ليست أشياء صغيرة أمام حاجتك.
إنها الجزء الذي استأمنك الله عليه.
أما موعد انكشاف الكرب، والطريقة التي يأتي بها الفرج، والسبب الذي يكتمل، والشيء الذي قد يعوضك الله به إن لم يكتمل ما تريد؛ فكل ذلك غيب لا يصير واجبًا عليك لمجرد أن قلبك يتألم من جهله.
لا تحمل نفسك مسؤولية معرفة ما لم تُكلّف بمعرفته.
ضيّق مجال التكليف إلى ما تملكه الآن
واجعل علاجك في هذا البلاء واحدًا: كلما اتسع أمامك المجهول، ضيّق مجال التكليف إلى ما تملكه الآن. أدِّ فريضة الساعة، وخذ أقرب سبب مشروع، ثم امتنع عن إصدار حكم على بقية الطريق. فإذا جاءت الساعة التالية، فخذ منها واجبها، لا نبوءتها.
قد يبدو هذا قليلًا أمام حاجة كبيرة، لكنه يمنع المستقبل المجهول من ابتلاع يومك كله. فأنت لا تحتاج في كل صباح إلى حل حياتك كاملة؛ تحتاج إلى ألا تضيع ما تستطيع فعله لأنك لا تعرف نتيجة ما لا تستطيع التحكم فيه.
ولا تجعل التوقف عن تحليل الاحتمالات استسلامًا. يمكنك أن تضع موعدًا لمراجعة السبب، وخطة بديلة إن لم يتم، وحدًا يحمي مالك ونفسك من انتظار لا نهاية له. ثم بين موعد وآخر، اترك الملف مغلقًا في ذهنك بقدر استطاعتك، ولا تعش كل دقيقة كأن القرار سيصدر فيها.
التفويض ليس ترك التخطيط؛ إنه منع التخطيط من ادعاء السيطرة.
دعاء من لا يملك الخريطة
وربما بقي الألم بعد كل هذا. ستظل بعض الليالي ثقيلة، وقد يعود السؤال كلما ضاق الوقت، وقد تسمع من الناس كلمات صحيحة لا تبلغ موضع الوجع فيك. لا تطالب نفسك بطمأنينة كاملة لا تهتز. يكفي أن تعرف إلى من ترفع خوفك، وألا تجعل خوفك هو الذي يقودك.
قل:
يا رب، أنا لا أطلب أن أعرف الطريق كله، لكن لا تكلني إلى خوفي وأنا لا أرى إلا خطوة واحدة. ثبّتني فيما أعلم، واحفظ قلبي من أن يملأ غيبك بظنونه. اختر لي برحمتك، ودلني على واجبي، وأعني عليه، واجعل جهلي بما سيأتي باب افتقار إليك، لا باب سوء ظن بك.
ثم أمسك بما تعرفه، ولو كان قليلًا.
أنت لا تملك خريطة ما بعد هذه الساعة.
لكن ما بعد هذه الساعة ليس مجهولًا عند الله، وأنت لست في ساعة مهملة.