هل كل ما يحدث لك رسالة من الله؟ لا تجعل الغموض حكمًا على رحمته

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

🕯️ قد لا تعرف لماذا اختار الله لك هذه الصفحة… لكنك لست بحاجة إلى فهمها حتى تطمئن إلى رحمته

أحيانًا لا يكون أثقل ما في الحدث هو الحدث نفسه.

بل تلك الأسئلة التي تأتي بعده.

يُغلق باب كنت ترجوه، فيبقى قلبك واقفًا أمامه، لا يسألك فقط: ماذا ستفعل الآن؟ بل يبدأ يهمس لك:

هل هذا صرفٌ من الله؟
هل هو رفض؟
هل أخطأت في شيء؟
هل أغضبت الله؟
هل انتهى الأمر؟
هل كان ينبغي أن أفهم من هذا شيئًا؟

ثم يتأخر ما تنتظره.
وتأتي حادثة أخرى.
ثم كلمة تسمعها مصادفة.
ثم حلم.
ثم منشور يمر أمامك في وقت حساس.
ثم شعور في صدرك لا تعرف من أين جاء.

فتبدأ تجمع الأشياء بعضها إلى بعض، لعلها تمنحك جوابًا.

لا لأنك تحب الغيب.
ولا لأنك تريد أن تتكلم فيما لا تعلم.
بل لأن قلبك متعب، ويريد شيئًا يستند إليه.

يريد أن يعرف:

ماذا يحدث؟
وهل أنا بخير مع الله؟
وهل الطريق الذي أمشي فيه خطأ؟
وهل بقي لي من الرجاء شيء؟

وربما لا تقول في داخلك: «الله لا يرحمني».

قد تكون الخاطرة أهدأ من ذلك، لكنها أشد وجعًا:

«يا رب… أنا لا أعترض، لكنني تعبت من ألا أفهم. فقط أريد أن أعرف أنني لم أُترك وحدي في هذا.»

وهنا ربما تحتاج إلى من يقول لك برفق:

ليس عليك أن تفهم كل شيء.
وليس عليك أن تفك شفرة كل ما يقع لك.
ومن رحمة الله بك أنه لم يجعل سكينتك معلقة على قدرتك على تفسير أقداره.

يمكن أن تجهل لماذا وقع الشيء…
وتظل عبدًا قريبًا.

ويمكن أن تخفى عليك الحكمة
ولا يكون في ذلك ما يهدد معرفتك بالله.

صفحة مفتوحة في ضوء هادئ تعبّر عن أن فهم كل ما يحدث ليس شرطًا للطمأنينة إلى رحمة الله
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

ليس كل باب مغلق حكمًا عليك

من حقك أن تتأمل فيما يحدث.
ومن حقك أن تتعلم.
وأن تراجع نفسك.
وأن تسأل: هل أخطأت؟ هل فاتني سبب؟ هل أحتاج أن أغيّر طريقي؟

هذه أسئلة نافعة.

لكن هناك فرقًا رقيقًا بين أن تتعلم من الحدث…
وأن تطلب منه أن يخبرك بموقف الله منك.

تتعطل معاملة كنت تنتظرها.

يمكنك أن تقول:

ربما هناك خطأ في الإجراء.
سأراجعه.
سأبحث عن طريق آخر.
سأنتظر قليلًا.

لكن لا يلزم أن تضيف:

إذن الله لا يريد لي الخير.

ويتأخر زواج كنت تتمناه.

يمكنك أن تقول:

لم يقع بعد.

وهذه وحدها حقيقة كاملة.

أما:

الله لا يريد أن يكرمني.

فهذه جملة أثقل من الواقع نفسه، ولا دليل عندك عليها.

وقد تخسر فرصة كنت تراها بداية جديدة.

فتقول:

انتهت هذه الفرصة.

وتحزن.
ويحق لك أن تحزن.

لكن لا يلزم أن يتحول انتهاء فرصة إلى حكم على بقية العمر.

فقد أُغلق باب واحد.

ولم يُكتب لك أن تعرف من إغلاقه كل ما سيأتي بعده.

وكذلك حين يفتح الله عليك بشيء جميل.

احمده.
وافرح.
واستبشر به خيرًا.

لكن لا تحمل اللحظة أكثر مما تحتمل.

فليس كل تيسير وعدًا مكتوبًا ببقية القصة.
ولا كل راحة بعد دعاء خبرًا عن المستقبل.

يمكنك أن تفرح دون أن تدّعي علم الغيب.
ويمكنك أن ترجو دون أن تشترط على الله شكل الإجابة.

أحيانًا لا تبحث عن التفسير… بل عن الأمان

وربما هذه هي أرق نقطة في المسألة كلها.

أحيانًا تقول لنفسك:

أنا فقط أريد أن أفهم.

لكن ما يريد الفهم في داخلك قد لا يكون العقل وحده.

قد يكون الخوف.

لأن عبارة:

«لا أعرف لماذا حدث هذا»

ثقيلة على القلب.

تترك مساحة مفتوحة.

وأنت لا تعرف ما الذي يأتي بعدها.
ولا ماذا يعني ما وقع.
ولا إلى أين تمضي.

والقلب المتعب يحب الأشياء المكتملة.

حتى لو كانت مؤلمة.

ولهذا قد يبادر إلى تفسير سريع:

ربما الله غاضب مني.
ربما هذا الباب انتهى إلى الأبد.
ربما أنا لا أُستجاب لي.
ربما هذا معنى كل ما يحدث.

ليس لأنك تريد إساءة الظن بالله.

بل لأن النفس أحيانًا تفضّل قصة مؤلمة واضحة على مساحة لا تعرف كيف تمشي فيها.

فالتفسير يمنحها إحساسًا مؤقتًا بأنها أمسكت بشيء.

لكن بعض التفسيرات التي نضعها فوق أقدارنا تكون أوجع من القدر نفسه.

وهنا تأتي الراحة:

ليس مطلوبًا منك أن تملأ كل فراغ في الفهم.

بعض الفراغات تُترك لله.

وبعض الأسئلة يكفيها أن تقول:

لا أعلم.

لا أعلم لماذا أُغلق هذا الباب.
لكنني أعلم أن الله لا يظلمني.

لا أعلم لماذا طال الانتظار.
لكنني أعلم أن الله لم يغب عني.

لا أعلم ما الذي سيأتي.
لكنني أعلم أن القادم ليس خارج علمه.

لا أعلم لماذا لم تقع الأمور كما تمنيت.
لكنني أعلم أن جهلي بالحكمة لا يعني غياب الحكمة.

وهذا يكفي لكي يستريح القلب قليلًا.

القرآن لا يطالبك بأن تعرف سر كل قدر

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]

وفي هذه الآية رحمة قبل أن يكون فيها نهي.

فالله لا يكلّفك أن تحمل ما لا تعلم.
ولا أن تجعل الظن يقينًا.
ولا الشعور خبرًا.
ولا الخوف تفسيرًا.
ولا الرجاء وعدًا.

إنما يكفيك أن تقف عند ما أُعطيت من علم.

وقال سبحانه:

﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]

وليست هذه إهانة للعقل.

بل راحة له.

فالإنسان ليس مطالبًا أن يحيط بالقصة كلها حتى يعيش يومه مع الله.

يكفيه أن يعرف ما أظهر الله له.

ويترك ما وراء ذلك لمن لا يخفى عليه شيء.

وقال سبحانه:

﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]

ولعل أهدأ ما في خاتمة الآية:

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

لم تُكلَّف أن تعرف الآن كل ما وراء الصفحة.

يكفي أن تعلم أن علمها ليس ضائعًا.

الله يعلم.

وما دام العلم عنده، فلست مضطرًا إلى أن تصنع من خوفك تفسيرًا حتى تستطيع أن تكمل الطريق.

هناك أبواب تستطيع أن تبحث فيها:

الأسباب.
القرارات.
الأخطاء.
الحقوق.
الفرص.
المشورة.
العلاج.
السعي.

وهناك باب آخر لا يُطلب منك أن تفتحه بالقوة:

لماذا اختار الله هذه التفاصيل لي بهذه الصورة؟

قد تعلم بعض الحكمة يومًا.
وقد لا تعلم.

وقد تكتشف بعد سنوات أن شيئًا لم تكن تفهمه صار أوضح.

وقد يبقى شيء لا تعرفه حتى آخر العمر.

ولا تنقص عبوديتك بذلك.

الحدث يخبرك بما وقع… لا بكل ما وراءه

مرضت؟

فالذي تعرفه أنك مرضت.

لا يلزم أن تقول:

هذه عقوبة.

ولا:

هذه علامة أنني سيئ عند الله.

ولا حتى:

لا بد أن وراءها فرجًا قريبًا بالصورة التي أتخيلها.

خذ بالأسباب.

تعالج.
تدعو.
وتبقى أبواب الرجاء مفتوحة.

خسرت مالًا؟

فالذي تعرفه أن مالًا فُقد.

لا أن كرامتك عند الله فُقدت معه.

انتهت علاقة؟

فالذي تعرفه أن العلاقة انتهت.

لا أن قلبك لن يعرف خيرًا بعدها.

ولا أن الله سيعيدها لأنك ما زلت تتمناها.

تأخر دعاء؟

فالذي تعرفه أنك لم تر بعد الصورة التي طلبتها.

لا أن الله أعرض عنك.

ولا أنك عرفت متى وكيف ستكون الإجابة.

وهذا الحدّ رحمة.

لأنه يعفيك من أن تحمل فوق ألم الواقعة عبء تفسيرها أيضًا.

قد يكون في القدر حكمة… دون أن تكون مطالبًا بتسميتها

نحن لا نقول إن الأحداث بلا حكمة.

حاشا.

ولا نقول إن الله لا يربي عباده بما يقدره عليهم.

قد يخرج الإنسان من ألم أقرب إلى الله.
وقد يرى من نفسه شيئًا لم يكن يراه.
وقد يتعلم من خسارة.
وقد يرجع من ذنب.
وقد ينضج بعد انكسار.
وقد يفتح له البلاء باب دعاء لم يكن يعرفه.

لكن هناك فرقًا جميلًا بين أن تقول:

«هذا ما تعلمته مما حدث»

وبين أن تقول:

«إذن هذا هو السبب الذي لأجله قدّر الله عليّ ما حدث».

الأولى تتحدث عما ظهر لك.

والثانية تتحدث عما استأثر الله بعلمه.

وقد تكون الحكمة أوسع بكثير مما أدركت.

وقد يكون في الأمر من المعاني ما لا يخطر لك.

وقد لا يكون واجبك أن تعرفها أصلًا.

يكفي أحيانًا أن تنتفع بما فتح الله لك من فهم…

ثم تترك الباقي له.

حين يتعب القلب من مراقبة العلامات

هناك نوع من التعب لا يأتي من كثرة الأحداث.

بل من كثرة مراقبتها.

تدعو.

ثم تبدأ تفتش في اليوم كله:

هل ظهر شيء؟
هل سمعت كلمة؟
هل جاءني إحساس؟
هل رأيت حلمًا؟
هل هذا المنشور جواب؟
هل هذا التيسير بداية؟
هل هذا التعطيل صرف؟

وربما تقول في سرّك:

«يا رب… فقط أعطني شيئًا أفهم منه أنني لم أضع رجائي في المكان الخطأ.»

ثم تبدأ تبحث عن ذلك «الشيء» في كل ما يمر بك.

في كلمة.
وفي حلم.
وفي صدفة.
وفي منشور.
وفي انفتاح باب أو إغلاقه.

لا لأنك تريد أن تجعل كل شيء علامة.

بل لأن قلبك يريد ما يطمئنه.

ثم إن تيسر شيء، هدأت قليلًا.

وإن تعطل بعدها، عدت إلى الحيرة من جديد.

وهكذا يصبح القلب كأنه ينتظر إشارات باستمرار.

ولا يعود يعيش يومه.

بل يراقبه.

ولا يعود الدعاء دعاءً فقط.

بل يصبح بعده انتظارًا لعلامة.

ولا يعود التوكل تفويضًا.

بل محاولة لمعرفة القادم قبل أن يأتي.

وأنت لست محتاجًا إلى كل هذا حتى تكون قريبًا من الله.

يمكنك أن تدعو…

ثم تقوم إلى يومك.

وتعمل.
وتسعى.
وتنام.

ولا تراقب السماء طلبًا لرمز خاص.

الله يسمعك دون أن يرسل لك بعد كل دعاء إشارة تفهم منها النتيجة.

ويعلم حاجتك دون أن يشرح لك في كل مرة ماذا يفعل بها.

وهذا ليس بُعدًا.

هذا هو معنى الغيب.

ربما لا تحتاج الآن إلى تفسير كامل… بل إلى خطوة آمنة

يحدث شيء مؤلم.

فتسأل:

ماذا يعني هذا؟

لكن ربما يكون السؤال الذي يرحمك أكثر:

ماذا أستطيع أن أفعل الآن؟

ولعل من أرحم ما يعيد الإنسان من دوامة التفسير إلى أرض اليوم قول النبي ﷺ:

«احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» رواه مسلم.

فليس مطلوبًا منك دائمًا أن تعرف سر الصفحة قبل أن تتحرك فيها.

أحيانًا يكفي أن تعرف ما ينفعك الآن…

وأن تستعين بالله عليه.

مرضت؟

عالج نفسك.

واسأل أهل الخبرة.

وادعُ.

واستعن.

ظُلِمت؟

اطلب حقك بما تستطيع.

واحفظ قلبك من أن يصير نسخة أخرى من الظلم.

أخطأت؟

تب.

وأصلح.

ولا تحوّل الخطأ إلى حكم مؤبد على نفسك.

احتَرت في قرار؟

استشر.

واستخِر.

واجمع المعلومات.

ثم امضِ بما يظهر لك.

أُغلق باب؟

راجع السبب.

واطرق غيره إن استطعت.

وإن لم تستطع، فاسترح من محاولة استخراج رسالة غيبية منه.

قد لا تعرف لماذا اختار الله لك هذه الصفحة.

لكن يمكنك أن تعرف كيف تعبده فيها.

وهذا كافٍ لليوم.

الغموض لا يعني أنك بعيد عن الله

ربما ظننت يومًا أن القرب من الله يعني أن تصبح قصتك مفهومة.

أن تعرف لماذا مُنعت.
ولماذا تأخرت.
ولماذا طال البلاء.
وكيف سينتهي.

لكن القرب من الله لا يساوي وضوح التفاصيل.

قد تكون قريبًا جدًا…

ولا تفهم.

وقد تكون مخلصًا في دعائك…

ولا تعرف لماذا لم يقع ما طلبت.

وقد تمشي إلى الله بقلب صادق…

ولا ترى بعدُ إلى أين يقودك الطريق.

وفي قصة موسى والخضر كان موسى عليه السلام يرى أشياء لم يفهم حكمتها في وقتها.

ثم كُشف له بعض ما وراءها.

وليس معنى القصة أن كل شيء سيُشرح لك بهذه الصورة.

بل أن محدودية فهمك لا تحد حكمة الله.

قد لا ترى المعنى.

ويظل الله حكيمًا.

قد لا تفهم الطريق.

ويظل الله عليمًا.

قد لا تدرك الرحمة في الصورة التي كنت تنتظرها.

ولا يعني ذلك أن الرحمة غابت.

لا تجعل «لماذا؟» تسرق منك «كيف أعيش اليوم؟»

ربما ظل سؤال واحد يطاردك سنوات:

لماذا حدث هذا لي؟
ولماذا بقي؟
ولماذا لم يتغير؟
ولماذا لم أُعط ما طلبت؟

وقد لا تجد جوابًا يشفي السؤال كله.

لكن يوجد سؤال آخر أقرب إلى يدك:

كيف أعيش اليوم مع الله بعد أن حدث ما حدث؟

كيف أصلي وأنا متعب؟
كيف أدعو وأنا لا أعرف ماذا سيأتي؟
كيف أحزن دون أن أجعل الحزن حكمًا على الله؟
كيف أرجو دون أن أكتب للرجاء موعدًا؟
كيف أستغفر دون أن أتهم نفسي بما لا أعلم؟
كيف أتعلم من الماضي دون أن أجعله نبوءة للمستقبل؟

هنا تبدأ سكينة من نوع آخر.

ليست سكينة من فهم كل شيء.

بل من أنك لم تعد تشترط الفهم الكامل حتى تبقى مع الله.

أحيانًا يكون تفسير البلاء أثقل من البلاء

المصيبة قد تقع مرة.

لكن تفسيرها قد يتكرر كل يوم.

هل هذا عقاب؟
هل فاتني شيء؟
هل أنا بعيد؟
هل انتهى رجائي؟
هل كان ينبغي أن أفهم علامة ما؟
هل هذا امتداد لما حدث قبل سنوات؟
هل هذه نهاية الطريق؟

فتجد نفسك تحمل الحدث نفسه…

ثم تحمل فوقه محكمة لا تغلق.

ولو سمحت لبعض الأسئلة أن تبقى بلا جواب، فقد لا يختفي الألم كله.

لكن جزءًا من الاستنزاف قد يهدأ.

تقول:

نعم، حدث هذا.
ويؤلمني.
وسأفعل ما أستطيع.
أما لماذا جاءت هذه الصفحة بهذه التفاصيل…
فلا أعلم.

ثم تسمح لهذه الجملة أن تكون كافية.

«لا أعلم» ليست فراغًا

ربما تخيفك هذه الكلمة.

تشعر كأنها تعني أنك بلا شيء.

لكن «لا أعلم» مع الله ليست سقوطًا في الفراغ.

بل ردٌّ للأمر إلى من يعلم.

قالت الملائكة:

﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: 32]

وما أجمل أن يعرف القلب موضعه.

أنا لا أعلم.

لكن الله يعلم.

أنا لا أرى الطريق كاملًا.

لكنه يراه.

أنا لا أعرف ما وراء الباب.

لكنه لا يخفى عليه.

أنا لا أستطيع أن أجمع أطراف القصة.

وهي عنده ليست متفرقة أصلًا.

فيمكنك أن تقول:

لا أعلم لماذا وقع.
لكنني أعلم أن الله لا يظلم.

لا أعلم لماذا طال.
لكنني أعلم أن الله لا ينسى.

لا أعلم ماذا سيأتي بعده.
لكنني أعلم أن الغد ليس خارج علمه.

لا أعلم هل سيفتح هذا الباب.
لكنني أعلم أن رزقي لا يتوقف على باب واحد.

وحين تعرف ما تعرفه عن الله…

لا يعود ما تجهله مرعبًا كما كان.

لا تحمل قلبك وظيفة لم يُكلّف بها

ليس عليك أن تفسر كل قدر باسم الله.

ليس عليك إذا أُغلق باب أن تقول:

الله يقول لي: اترك.

ولا إذا تأخر رزق أن تقول:

الله يعاقبني.

ولا إذا وافقك خبر أن تقول:

هذه بشارة خاصة لي.

ولا إذا هدأت بعد دعاء أن تقول:

إذن عرفت ما سيفعله الله.

يمكنك أن تفرح.

ويمكنك أن تحزن.

ويمكنك أن تأمل.

ويمكنك أن تخاف.

لكن ليس عليك أن تحوّل كل شعور إلى علم.

وما أرحم أن تعفي قلبك من هذه الوظيفة.

فالذي يعلم الغيب هو الله.

وأنت لست مطالبًا أن تعرف الغيب حتى تعبد رب الغيب.

وإن كنت تعرف ذنبًا… فتب، ولا تجعل المصيبة مترجمًا عنه

إذا كنت تعرف ذنبًا فعلته، فتب منه.

وإن كان عليك حق، فردّه.

وإن كان عندك تقصير، فأصلحه.

هذه أرض واضحة.

لكن لا تنتظر كل ألم حتى تقول:

إذن الله يعاقبني على كذا.

فربما لم يكن الأمر كذلك.

كما لا تجعل النعمة تقول لك:

إذن الله راضٍ عن كل ما أفعل.

حال الدنيا ليس تقريرًا يوميًا يخبرك بمقامك عند الله.

مرجعك أوضح من ذلك:

ما الذي أمر الله به؟
ما الذي نهى عنه؟
أين قصرت؟
وأين تستطيع أن تصلح؟

وحين تعرف، اعمل.

أما الحكم الخاص لكل حادثة، فدعه لله.

وإذا كنت ترجوه… فلا تجعل كل شيء وعدًا

القلب الراجي جميل.

ولا ينبغي أن نطفئ رجاءه.

لكن الرجاء لا يحتاج إلى يقين مصنوع.

قد تدعو بشيء تحبه.

ثم تسمع كلمة توافق ما تتمناه.

خذ منها الأنس إن أحببت.

لكن لا تجعلها عقدًا على المستقبل.

قد ترى قصة إنسان فرج الله عنه.

فاستبشر بقدرة الله.

لكن لا تقل:

إذن هذه رسالتي الخاصة.

قد تشعر براحة بعد الدعاء.

فاحمد الله على الراحة.

ولا تجعلها التزامًا بأن الإجابة ستكون بالصورة التي رسمتها.

يمكنك أن تقول:

يا رب، أرجو هذا بكل قلبي.
وأحب أن تكرمني به.
وأحسن الظن بك.

ثم تترك لله كيف يأتي الخير، ومتى، وبأي صورة.

الرجاء الصادق لا يحتاج إلى أن يعرف التفاصيل.

يكفيه أن يعرف إلى من يرفع يديه.

اترك الغيب لله… وكن أنت عبد هذه الساعة

الله يعلم الصفحة القادمة.

وأنت لك هذه الساعة.

هو يعلم ما وراء الباب.

وأنت تعرف أنك تستطيع أن تطرقه إن كان طريقًا مشروعًا.

هو يعلم لماذا طال الأمر.

وأنت تعرف أنك تستطيع أن تصبر اليوم.

هو يعلم هل يأتي ما تتمناه أم لا.

وأنت تعرف أنك تستطيع أن تدعوه.

هو يعلم معنى القصة كلها.

وأنت لا تحتاج إلى فهم الكتاب كله حتى تعبد الله في الصفحة المفتوحة أمامك.

وهذا يحرر القلب.

لست مدير الغيب.

ولا مطلوبًا منك أن تضمن النهاية.

ولا أن تعرف ماذا سيحدث قبل أن تعيش ما يحدث.

يكفيك أن تمشي بما ظهر لك…

وتترك ما خفي لمن لا يخفى عليه شيء.

علامة الذاكرة

احفظ هذه الجملة:

ليس كل ما يحدث لك رسالة خاصة تحتاج إلى فكّها.

واحفظ هذه أيضًا:

الحدث قد يخبرك بما وقع، لكنه لا يخبرك وحده لماذا أراده الله لك.

وهذه:

ليس مطلوبًا منك أن تعرف مراد الله الخفي في كل ما يقع؛ يكفيك أن تعرف من هو الله.

فإذا أُغلق باب، قل:

أُغلق هذا الباب.

ثم لا تجعل قلبك يضيف:

إذن أُغلقت الرحمة.

وإذا فُتح باب، فاحمد الله.

ولا تطلب من الفرح أن يخبرك ببقية القصة.

وإذا جاءك منشور وافق حالك، فخذ منه الموعظة.

ولا تثقل عليه بأن تجعله خطابًا خاصًا عن مستقبلك.

وإذا جاءك حلم، فلا تبنِ عليه عمرك.

وإذا جاءك خوف، فلا تجعله نبوءة.

وإذا طال انتظارك، فلا تجعله دليلًا على أنك منسي.

وإذا لم تفهم…

فقل:

لا أعلم.

ثم ذكّر قلبك:

أنا لا أعلم، لكن الله يعلم.
أنا لا أرى، لكن الله يرى.
أنا لا أملك الغد، لكنه في علم الله.
أنا لا أفهم كل ما يحدث، لكنني أعرف ربي بما عرّف به نفسه، لا بما يخبرني به خوفي.

وربما كان هذا هو الأمان الذي كنت تبحث عنه منذ البداية.

ليس أن تُكشف لك أسرار الطريق كلها…

بل أن تعرف أنك تستطيع أن تمشي فيه، ولو لم تُكشف.

يا رب،

لا نطلب منك أن تكشف لنا سر كل ما جرى، ولكن نسألك قلبًا لا يضيع إذا خفي عنه السر.

وإذا لم نفهم تدبيرك، فثبّتنا بمعرفتك.

وإذا أبطأ عنا ما نحب، فلا تجعل التأخير يقطع رجاءنا فيك.

وإذا أُغلق باب، فلا تجعل قلوبنا تظن أن رحمتك أُغلقت معه.

وإذا طال الطريق، فذكّرنا أنك لم تغب عنه لحظة.

وإذا عجزنا عن فهم ما كتبت، فلا تجعل عجزنا بابًا لسوء الظن بك.

علّمنا أن نقول «لا أعلم» ونحن مطمئنون أنك تعلم.

وأن نقول «لا أرى» ونحن موقنون أن بصرك لا يغيب عنه شيء.

وأن نسألك ما نحب، ثم نترك لك ما لا نعرف.

واحفظ قلوبنا من أن يترجم خوفها أقدارك بغير علم، أو يكتب رجاؤها على الغيب وعودًا لم تعدنا بها.

واجعل معرفتنا بك أوسع في صدورنا من حيرتنا فيما قدّرت.

واجعلنا إذا لم نفهم الطريق، نأنس بمن بيده الطريق.

وإذا لم نعرف ما وراء الباب، نطمئن إلى من يعلم ما وراءه.

وإذا لم نفهم الصفحة، لا ننسى أن الكتاب كله عندك.

فأنت رب الغيب.

ونحن عباد هذه الساعة.

ويكفينا، يا رب، حين لا نعرف لماذا كُتبت الصفحة…

أن نعرف من الذي كتبها.

تعليقات

عدد التعليقات : 0