هناك نوع من التعب لا يأتيك لأن رجاءك ضعيف… بل لأنك تحاول أن تحمي رجاءك من كل احتمال لا تحبه.
تدعو الله بشيء بعينه. شخصًا تتمناه. شفاءً تنتظره. رزقًا تحتاجه. بابًا لا تريد أن يُغلق.
وتدعوه طويلًا، حتى يصبح هذا المطلوب حاضرًا في صلاتك، وفي سجودك، وفي الليالي التي لم يعرف أحد ماذا كان يدور فيها بينك وبين الله.
ثم يقول لك أحدهم: فوّض النتيجة لله.
فتنقبض. ليس لأنك ترفض الله. بل لأن قلبك يسمع في كلمة «التفويض» شيئًا آخر:
استعد لأن تفقد ما تحب.
ويقول لك أحدهم: قد يعطيك الله عين ما تريد، وقد يختار لك غيره.
فتشعر كأن شيئًا انطفأ. وتقول في داخلك:
لكنني أحسن الظن بالله.
أنا دعوت كثيرًا.
أنا واثق به.
لماذا تريدون مني أن أقول: لا أعلم؟
أليس اليقين بالله أن أصدق أن الله سيعطيني؟
وهنا يحتاج القلب إلى تصحيح رفيق جدًا.
ليس ليُطفأ رجاؤه… بل حتى لا يحمل الرجاء وظيفة لم يُخلق لها.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
- أنت لا تخون دعاءك حين تقول: «لا أعلم»
- المشكلة تبدأ حين نطلب من الرجاء أن يخبرنا بالمستقبل
- أحيانًا نقول «أنا متيقن» لأننا نخاف من كلمة «ربما»
- الله لم يطلب منك أن تعرف ما سيفعله حتى تثق به
- ربما كان أصعب التفويض أنك لا تريد أن يشعر قلبك بأنك تودّع الشيء
- حسن الظن بالله لا يعني أن تستبعد كل ما لا تحبه
- الدعاء ليس عقدًا تملّك به النتيجة
- والسكينة بعد الدعاء نعمة… لا وثيقة مستقبل
- لا تجعل رجاءك يحتاج إلى علامات كي يبقى حيًا
- لا تقتل العشم… غيّر موضعه
- هنا يظهر الفرق بين رجاءين
- لا تطلب من نفسك أن تتقبل خسارة لم تقع
- «لا أعلم» لا تطفئ الرجاء… بل تحرره
- علامة الذاكرة
أنت لا تخون دعاءك حين تقول: «لا أعلم»
ربما كانت هذه أول جملة تحتاج أن تسمعها:
قولك: «لا أعلم ماذا سيكتب الله لي» ليس سوء ظن بالله. ولا هو ضعف يقين. ولا تراجع عن الدعاء. ولا إغلاق للباب.
أنت فقط تعيد شيئًا إلى مكانه الصحيح:
الغيب إلى الله.
فأنت تستطيع أن تقول بكل صدق:
يا رب، أريده.
وأرجوه.
وألح عليك فيه.
وسآخذ بأسبابه.
وسأفرح إن أعطيتنيه.
ثم تقول في الجملة نفسها:
ولا أعلم ماذا كتبت لي.
ولا تناقض بين الجملتين.
الأولى عبودية الرجاء. والثانية عبودية العلم بحدودك.
المشكلة تبدأ حين نطلب من الرجاء أن يخبرنا بالمستقبل
هناك فرق كبير بين ثلاثة أشياء:
ما تريده. وما ترجوه. وما تعلمه.
تريد هذا الأمر. هذا واضح. وترجو أن يعطيك الله إياه. وهذا مشروع.
لكن هل تعلم أنه سيقع بعينه؟
هنا تقف.
ليس لأن الله عاجز. ولا لأن رحمته ضاقت. ولا لأن الدعاء لا ينفع. بل لأنك عبد لم يُعط علم الغيب.
والخلل يبدأ حين ننقل قوة الشعور من باب الرجاء إلى باب المعرفة.
فنقول:
أنا أريده جدًا… إذن لا بد أن يكون لي.
دعوت به كثيرًا… إذن لا بد أن يقع.
شعرت براحة بعد الدعاء… إذن هذه بشارة.
يتكرر أمامي الحديث عنه… إذن هذه علامة.
قلبي لا يستطيع أن يتركه… إذن لا يمكن أن يكون الله قد جعلني أتعلق به هكذا عبثًا.
انتبه إلى القفزة.
كل ما سبق قد يخبرك بشيء عن قلبك. ولا يخبرك وحده بشيء مؤكد عن مستقبلك.
شدة رغبتك تخبرك كم تريد الشيء، لا ماذا كُتب لك في الغيب.
أحيانًا نقول «أنا متيقن» لأننا نخاف من كلمة «ربما»
وهذه منطقة دقيقة في القلب.
قد لا يكون الإنسان الذي يقول: «سيحدث يقينًا» أكثر طمأنينة دائمًا.
قد يكون أحيانًا أكثر خوفًا من أن يقول: «لا أعلم».
لأن «لا أعلم» تترك احتمالين مفتوحين. وقد أصبح المطلوب عزيزًا إلى درجة أن مجرد وجود احتمال آخر يؤلمه.
فيبحث القلب عن شيء يغلق الباب على الخوف.
فيقول:
لا.
لا بد أن يحدث.
أنا موقن.
الله لن يخذلني.
ثم يشعر بالراحة.
وهنا ينبغي أن نسأل بلطف:
هل هذه الراحة جاءت من الثقة بالله… أم من إلغاء الاحتمال الذي أخافك؟
ليس كل جزم يقينًا.
أحيانًا يكون الجزم طريقة يسكّن بها الإنسان قلقه أمام غيب لا يستطيع السيطرة عليه.
والفرق عظيم.
الله لم يطلب منك أن تعرف ما سيفعله حتى تثق به
تأمل هذا جيدًا.
نحن أحيانًا نتصور أن الثقة بالله تحتاج إلى معلومة مسبقة عن النتيجة.
كأن القلب يقول:
إذا عرفت أنك ستعطيني هذا، استطعت أن أطمئن إليك.
أما إذا لم أعرف، فكيف أهدأ؟
لكن هذه ليست أعمق مراتب الثقة.
الثقة الأعمق أن تقول: لا أعرف ماذا ستفعل، لكنني أعرف من أنت.
وهذا فارق هائل.
قال الله تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: 216]
تأمل ختام الآية:
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
لم يقل:
وأنتم إن أحسنتم الظن ستعلمون.
ولا:
وإن أكثرتم الدعاء ستعرفون مسبقًا ما سيقع.
بل أبقى الحد كما هو:
هو يعلم. وأنت لا تعلم.
وليس هذا نقصًا في إيمانك.
هذا وصف لمقام العبودية نفسه.
ربما كان أصعب التفويض أنك لا تريد أن يشعر قلبك بأنك تودّع الشيء
تقول:
إن قلت:
«يا رب، إن كان خيرًا لي فاكتبه لي»
أشعر كأنني أستعد لفقده.
وكأن قول:
«اختر لي»
يعني:
«أنا لم أعد أريده.»
ولهذا يتمسك القلب بصيغة أكثر حدة:
يا رب، أعطني إياه.
يا رب، لا أريد غيره.
يا رب، أنا واثق أنك ستفعله.
لكن التفويض لا يطلب منك أن تكذب على قلبك.
ليس مطلوبًا أن تقول: لم أعد أريده. ولا أن تتصنع البرود. ولا أن تقتل الأمنية.
يمكنك أن تقول:
يا رب، أنت تعلم كم أريده.
ثم:
وأنت تعلم ما لا أعلم.
هذا هو التفويض.
ليس تخليًا عن المطلوب.
بل تخليًا عن ادعاء أنك تعرف منزلته في علم الله.
حسن الظن بالله لا يعني أن تستبعد كل ما لا تحبه
هذه من أكثر النقاط التي تختلط على القلب.
يقول:
لو قلت إن الأمر قد لا يحدث، فكأنني توقعت من الله الشر.
لكن الأمر ليس كذلك.
قد لا يقع ما طلبت، ولا يكون ذلك شرًا في حقك. وقد يقع ما طلبت، ويكون خيرًا عظيمًا. وأنت قبل وقوعه لا تعلم.
حسن الظن بالله ليس أن تقول:
الله سيفعل ما أريد.
بل أن تعلم أن الله سبحانه كامل العلم والحكمة والعدل والرحمة، ولا يظلم أحدًا، وإن لم تعلم أنت صورة ما سيفعل.
فرق بين أن تثق بالله… وأن تثق بتوقعك عن الله.
الأولى عبادة.
والثانية قد تصبح عبئًا عليك.
الدعاء ليس عقدًا تملّك به النتيجة
كلما طال الدعاء، يصبح المطلوب أحيانًا أشد قربًا من القلب.
ثم بعد سنوات يقول الإنسان:
دعوت بهذا كثيرًا جدًا.
فكيف لا يكون لي؟
وكأن عدد السجدات بدأ يتحول داخله — من غير أن يشعر — إلى نوع من الاستحقاق.
أنا طرقت الباب طويلًا. إذن لا بد أن يفتح هذا الباب بعينه.
لكن الدعاء لم يكن يومًا فاتورة تقدمها لله ثم تطالبه بما كتبت فيها.
افتقار.
سؤال.
رجاء.
والله سبحانه قال:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾
[البقرة: 186]
فأنت لا تدعو غائبًا. ولا تدعو من لا يسمع. ولا تدعو عاجزًا.
لكن قرب الله منك، وسماعه لك، وإجابته لدعائك لا تعني أنك أصبحت عالمًا بالصورة التي ستأتي بها الإجابة.
الدعاء يفتح لك باب السؤال، لا باب الاطلاع على الغيب.
والسكينة بعد الدعاء نعمة… لا وثيقة مستقبل
قد تدعو بشيء.
ثم تنزل على قلبك راحة عجيبة. تقوم من سجودك وقد هدأ شيء كان يضطرب فيك.
وهذه نعمة عظيمة.
فاحمد الله عليها.
لكن لا تحملها ما لم تحمله.
لا تقل:
بما أنني ارتحت، إذن هذه شهادة أن الأمر سيقع بعينه.
السكينة قد تعني شيئًا واحدًا يقينيًا أمامك الآن:
أن قلبك سكن في تلك اللحظة.
أما ماذا سيحدث بعد أسبوع أو سنة… فهذا علم آخر.
وما أجمل أن تأخذ السكينة كما هي، دون أن تحولها إلى نبوءة.
أن تقول:
الحمد لله الذي آنس قلبي.
ثم تترك المستقبل لصاحبه.
لا تجعل رجاءك يحتاج إلى علامات كي يبقى حيًا
بعض الرجاء يصبح هشًا من كثرة حاجته إلى التأكيد.
يحتاج كل يوم إلى شيء:
منشور. حلم. كلمة. مصادفة. إحساس. حدث صغير.
وكلما وجد واحدًا قال:
الحمد لله، هذه علامة.
ثم إذا غابت العلامات، بدأ الخوف.
وهكذا يصبح القلب كمن يحتاج إلى جرعة جديدة كل يوم حتى يستطيع الاستمرار.
لكن الرجاء بالله أوسع من ذلك.
يمكنك أن تدعو اليوم… ولا يحدث شيء ظاهر.
ثم تدعو غدًا. ولا ترى علامة.
ثم تدعو بعده.
وليس معنى ذلك أن شيئًا انقطع بينك وبين الله.
أنت لا تحتاج إلى رسالة عن المستقبل حتى تملك حق الرجاء.
يكفي أنك عبد… وربك كريم.
لا تقتل العشم… غيّر موضعه
هذه ربما أهم نقطة في الموعظة كلها.
لسنا نقول لك:
أطفئ رجاءك.
ولا:
هيئ نفسك للأسوأ.
ولا:
لا تتعلق بأي أمنية.
ولا:
ادع بلا شعور.
بل نقول:
احتفظ بالعشم كله… لكن ضعه في مكانه الصحيح.
بدل:
أنا مطمئن لأن هذا الأمر سيقع.
قل:
أنا مطمئن لأن أمري بيد الله.
بدل:
أنا واثق أن هذا الشخص لي.
قل:
أنا أرجوه من الله، والله أعلم أين الخير.
بدل:
أنا أعرف أن الفرج سيأتي بالصورة التي أتخيلها.
قل:
أنا أعرف أن ربي يسمعني، ولا أعرف الصورة التي كتبها لي.
بدل أن تجعل الطمأنينة متوقفة على السيناريو… اجعلها متعلقة بصاحب السيناريو.
لأن السيناريو قد يبقى مجهولًا.
أما الله فليس مجهولًا.
هنا يظهر الفرق بين رجاءين
رجاء يقول:
أنا بخير ما دام هذا الباب سيفتح.
ورجاء يقول:
أرجو أن يفتح هذا الباب بكل قلبي، لكنني بخير مع الله قبل أن أعرف.
الأول يحتاج إلى النتيجة حتى يهدأ.
والثاني يستطيع أن يحمل الأمنية دون أن يجعلها شرطًا للسكينة.
وهذا لا يجعل الألم خفيفًا.
قد تبكي إذا أُغلق الباب. وقد تحزن. وقد تسأل الله طويلًا أن يفتحه.
العبودية لا تحول الإنسان إلى حجر.
لكنها تمنع الحزن من أن يقول:
إذا لم يقع ما أردت، فقد خاب ظني بالله.
لأن ظنك الحسن بالله لم يكن معقودًا على شيء واحد.
لا تطلب من نفسك أن تتقبل خسارة لم تقع
وهذه أيضًا رحمة ينبغي أن نعطيها للقلب.
حين نقول لك:
«قد يقع وقد لا يقع»
لا يعني أن تبدأ منذ الآن في عيش الحزن الثاني.
لا تتخيل الفقد.
ولا تتدرب على المصيبة.
ولا تقل:
كيف سأعيش إن لم يحدث؟
ليس هذا هو التفويض.
أنت لا تعلم أصلًا أن الحرمان سيقع.
فلماذا تعيش ألمه مقدمًا؟
يكفي أن تقول:
أنا أرجوه اليوم.
وأدعوه اليوم.
وآخذ بسببه اليوم.
ولا أعرف الغد.
ولا تحتاج أكثر من ذلك.
«لا أعلم» لا تطفئ الرجاء… بل تحرره
حين تقول:
لا أعلم هل سيكون لي…
يبقى لك أن تقول:
لكنني أسأل الله.
وحين تقول:
لا أعلم متى يأتي الفرج…
يبقى لك أن تقول:
لكنني لن أغلق الباب على الله بساعة صنعها خوفي.
وحين تقول:
لا أعلم هل هذا الطريق سيكتمل…
يبقى لك أن تمشي في السبب المشروع ما دام مفتوحًا.
وحين تقول:
لا أعلم…
تسقط عنك وظيفة شاقة جدًا:
أن تتنبأ.
وتبقى لك وظيفة أجمل:
أن تعبد.
تدعو.
تسعى.
ترجو.
تستخير.
وتترك لله ما لا تعرفه.
علامة الذاكرة
احفظ هذه الجملة:
يمكنك أن تريد الشيء بكل قلبك… دون أن تدّعي أنك تعرف أنه لك.
وهذه:
شدة رغبتك تخبرك عن قلبك، لا عن الغيب.
وهذه:
لا تحتاج أن تعرف ماذا سيفعل الله حتى تحسن الظن به.
ثم احفظ الأهم:
اليقين لا يقول: أعرف ماذا سيفعل الله.
اليقين يقول: أعرف من أدعو، وإن كنت لا أعرف ماذا سيكتب لي.
فقل لله ما تريد.
سمّه باسمه.
لا تخجل من شدة حاجتك.
لا تخف من كثرة الدعاء.
لا تخف من أن تقول:
يا رب، أريده بعينه.
ثم دع في قلبك مكانًا لجملة أخرى لا تناقض شيئًا من ذلك:
يا رب… وأنت تعلم وأنا لا أعلم.
فهذا ليس بابًا أغلقته في وجه الرجاء.
بل بابًا أغلقته في وجه ادعاء الغيب.
وقد يكون من أصفى صور العبودية أن تبقى الأمنية مشتعلة في قلبك… بينما تبقى يدك مفتوحة لله.
لا تقبض على النتيجة.
ولا تطرد الرجاء.
تقول:
يا رب، هذا ما أحب.
وهذا ما أسألك.
وهذا ما أتمناه.فإن كان لي، فبلّغنيه برحمتك، ويسّره لي على خير.
وأنت تعلم ما لا أرى، فلا تجعلني أظن أن مخالفة توقعي مخالفة لرحمتك.
علّمني أن أرجوك بلا ادعاء.
وأن أثق بك بلا اشتراط.
وأن أبقى واقفًا على بابك، لا لأنني أعرف ماذا ستضع في يدي… بل لأنني أعرف إلى من مددت يدي.