يقف الزارع عند أول الحقل، وفي كفّه بقيّة من بذر، وتحت قدميه أرضٌ قاسية لم يَلِنْ ترابها، وفوقه سماء لا تحمل علامة قريبة للمطر.
يعرف ما ينبغي أن يفعله: يشقّ الأرض، ويضع البذرة، ويهيّئ ما استطاع من السقيا. لكن يده تتباطأ؛ لا كسلًا عن العمل، بل لأن قلبه يريد ضمانًا قبل أن يبدأ. يريد غيمةً تلوح، أو رطوبةً في التراب، أو علامةً تخبره أن تعبه لن يضيع.
وهكذا يفعل أحدنا حين تضيق الأسباب.
لا يعجز دائمًا عن الحركة، لكنه يعجز عن الحركة بلا طمأنة من الواقع. يستطيع أن يتصل، ويسأل، ويخطط، ويجرّب، ويطرق ما بقي من السبل المشروعة؛ غير أن قلبه يقول في خفاء: أعطني أولًا ما يدل على أن السعي سينجح، ثم أتحرك.
وهنا يخرج السؤال الذي تكشف به الأرض اليابسة موضع اعتمادنا:
هل كنت تستعمل السبب… أم كنت تستمدّ منه الأمان؟
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
ضيق الأسباب يكشف موضع الاعتماد
حين تكون الأرض رخوة، والماء قريبًا، والبذر وفيرًا، يصعب أحيانًا أن يعرف الإنسان أين استقر قلبه. قد يظن أنه متوكل، بينما كان مطمئنًا إلى وفرة أدواته.
فإذا قلّ الماء، وتشقّق التراب، وتعطلت الوسيلة التي ألفها، ظهر الفرق بين يدٍ كانت تعمل بالسبب، وقلبٍ كان يعيش عليه.
ضيق الأسباب لا يصنع التعلّق من العدم؛ لكنه قد يكشفه.
فالسبب الذي كان في اليد فقط يمكن تبديله أو تركه دون أن ينهار القلب. أما السبب الذي نزل من اليد إلى الصدر، فإن تعطله لا يبدو خسارة وسيلة فحسب، بل يبدو كأن الحياة نفسها توقفت.
وهذا هو الفرق بين استعمال الوسيلة وبين تحول الأسباب إلى ملاجئ سرية في القلب.
موضع اليد وموضع القلب
وقد وضع القرآن هذا الحدّ الدقيق في مشهد الزرع:
﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: 63-64].
أنت تحرث.
تشقّ التراب، وتضع البذر، وتتعاهد الأرض، وتحسن ما تستطيع من العمل. لكنك لا تمنح الحبّة سرّ الحياة، ولا تأمر الجذر أن يمتد، ولا تملك للموسم أن يكتمل.
هذا هو موضع اليد وموضع القلب.
اليد على المحراث؛ لأنها مأمورة بالسعي بحسب القدرة والحال.
والقلب مع الله؛ لأنه يعلم أن المحراث يشقّ الأرض، لكنه لا يُنبت الزرع.
الأسباب تعمل، لكنها لا تحكم.
وهذا هو التوكل مع الأخذ بالأسباب: عملٌ بالجوارح، وافتقارٌ بالقلب، دون أن يتحول الجهد إلى خالق للنتيجة.
اشتراط الحصاد قبل الحرث
غير أن النفس قد تقع في خداع دقيق يمكن تسميته: اشتراط الحصاد قبل الحرث.
تقول: سأسعى حين تتضح النتيجة. سأبدأ حين تقوى الاحتمالات. سأتحرك حين يطمئنني الواقع أن الطريق يستحق.
فإن لم ترَ في الأرض إلا الجفاف، جلست إلى جوار المحراث تراقب التراب، ثم سمّيت قعودك واقعية.
وليس كل قعودٍ واقعية، كما أن كل حركة ليست توكلًا.
ليس كل قعود واقعية
قد تكون بعض الأسباب قد انتهت فعلًا، وقد يكون تكرارها استنزافًا لا حكمة فيه.
والتوكل لا يعني أن تضع البذر في أرض ثبت فسادها، ثم تسمي إهمال المعرفة يقينًا.
من فقه الحرث أن تعرف متى تغيّر موضع الزرع، أو تقلل المساحة، أو تستبدل نوع البذر، أو تحفظ ما بقي لموسم أصلح.
لكن الفرق كبير بين أن تترك سببًا لأنك فحصته فلم يعد نافعًا، وبين أن تترك السعي كله لأن قلبك لم يحصل على ضمان.
الأول تصحيح لطريقة الحرث.
والثاني اشتراط خفي على الله:
لن أضع يدي في التراب حتى أرى الحصاد واقفًا أمامي.
العبد مكلّف بالحرث لا بامتلاك الحصاد
والتوكل لا يمنح العبد علمًا بالغيب، ولا يعده بأن كل بذرة سيضعها ستصير سنبلة في الدنيا.
قد يتم الأمر كما أحب، وقد يتأخر، وقد يصرفه الله عنه، وقد يبذل وسعه ثم لا يرى الثمرة التي طلبها. والله أعلم بما يصلح عبده.
لكن عدم امتلاك الحصاد لا يلغي صدق الحرث.
فالعبد لا يعبد الله بالنتائج التي لا يملكها، بل بما أقامه الله فيه من صدق القصد، وصحة التوكل، وبذل المستطاع، وترك المحرم، وقبول ما ينتهي إليه الأمر دون أن يجعل الطاعة ثمنًا لنتيجة دنيوية بعينها.
فالجهد سبب مأمور به، لكنه لا يضمن النتيجة ولا يمنح العبد سلطانًا على الحصاد.
حسن الظن لا ينكر تشققات الأرض
وحين تضيق الأسباب، لا يطلب منك أن تتظاهر بأن الأرض خضراء.
يجوز أن ترى الجفاف، وأن تحسب ما بقي من ماء، وأن تعترف بالخسارة، وأن تحزن لتأخر الموسم.
حسن الظن بالله ليس إنكارًا لتشققات التراب، والتوكل ليس نشوة مصطنعة أمام واقع مؤلم.
إنما المطلوب ألّا تجعل جفاف الأرض تعريفًا لقدرة الله، ولا ضعف ما في يدك حكمًا على ما عنده، ولا غياب العلامات إذنًا لليأس منه.
وهذا هو الميزان الذي يمنع الواقعية من أن تتحول إلى قبر للرجاء.
أعد كل شيء إلى مكانه
ولإصلاح موضع الاعتماد، أعد كل شيء إلى مكانه.
سمِّ المحراث محراثًا، لا رازقًا.
وسمِّ البذر بذرًا، لا وعدًا.
وسمِّ اجتهادك حرثًا، لا سلطانًا على الحصاد.
افعل ذلك في قلبك قبل أن تفعله بلسانك؛ لأن الأسماء حين تختلّ تتضخم الأدوات حتى يأخذ السبب في النفس مقامًا لم يُخلق له.
ثم انظر إلى الرقعة التي تستطيع حرثها اليوم، لا إلى الحقل كله دفعة واحدة.
مكالمة لازمة، استشارة صادقة، تعلّم مهارة، مراجعة خطة، تقليل نفقة، متابعة عمل، أو ترك وسيلة ثبت ضررها إلى وسيلة أصلح.
لا تحتقر الخطوة لصغرها، ولا تحملها ما لا تطيق من الآمال.
ضعها في الأرض بوصفها بذرة، لا بوصفها موسمًا كاملًا.
لا تحفر حول البذرة كل ساعة
وبعد كل بذل، حرّر قلبك من الحفر المتواصل حول البذرة لترى هل نبتت.
فبعض القلوب لا تترك أسبابها، لكنها تفسدها بكثرة التفتيش: تراقب كل إشارة، وتعيد حساب الاحتمالات، وتفتح التراب كل ساعة، ثم تشتكي أن السكينة لا تنمو.
افعل ما عليك، وراجع سعيك في أوقاته المعقولة، ثم اترك ما غاب عنك لله.
فالتفويض ليس ترك الحقل، بل ترك ادعاء السيطرة على ما يحدث تحت التراب.
إذا لم يأتِ الحصاد
وإذا لم يأتِ الحصاد الذي رجوت، فلا تتهم الحرث الصادق بالعبث، ولا تجعل ألم الخسارة خصومةً مع الله.
راجع ما فعلت، وتعلّم، وصحح، واستغفر من التقصير إن ظهر، ثم امضِ بما بقي لك من قدرة.
فالخسارة قد تكشف خطأ في الوسيلة، لكنها لا تمنحك علمًا بحكمة الله، ولا تبيح لك أن تجعل موسمًا واحدًا خاتمة علاقتك به.
اقرأ أيضًا
- حين تنكسر الأسباب: كيف يكشف انكسار السبب موضع التوكل؟
- متى يتحول الأخذ بالأسباب إلى تعلق؟ اختبار الطمأنينة
- التوكل حين تغيب الأسباب: حين يكون اعتمادك على الله مكشوفًا
القلب مع الله واليد على المحراث
عند المساء، قد يعود الزارع وثوبه مثقلًا بالتراب، ويداه متعبتين، ولا غيمة فوق رأسه، ولا سنبلة أمام عينيه.
لكنه يعود وقد عرف حدّه:
حرث ما استطاع، ولم يدّعِ أنه يزرع الحياة.
أمسك بالمحراث، ولم يسلمه قلبه.
ووضع البذرة في الأرض، ثم أبقى رجاءه عند الله.
فإذا ضاقت الأسباب، فلا تُخرج يدك من الحقل… وأخرج الحقل من قلبك.