هل شققتَ عن قلبه؟… حين تنسى أنك أنت من كتب ما بين السطور

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

قالها الآن؟ الآن تحديدًا؟ بعد أن قاتل، وبعد أن أدركه السلاح، وحين صار الموت أقرب إليه من خطوة.

قال:

لا إله إلا الله.

ماذا خطر لك؟ تمهّل قليلًا. لا تجب بما تعلمه من الحديث. ادخل المشهد كما لو أنك تراه لأول مرة.

رجل يقاتل المسلمين. ثم يُغلب. ثم يرى السلاح فوقه. ثم يقول الكلمة التي يعلم أنها قد تنجيه.

ربما قلت في داخلك: واضح. قالها خوفًا. قالها لينجو. لو كان صادقًا لقالها قبل أن يُدرك.

القرائن متماسكة. والتفسير يبدو منطقيًا.

وقد قال أسامة بن زيد رضي الله عنه للنبي ﷺ بعد أن قتل الرجل:

«إنما قالها مخافة السلاح.»

فجاءه السؤال:

«أفلا شققتَ عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا؟»

توقف هنا. لأن المشكلة ليست أن القرينة لم تكن موجودة. كانت موجودة. وليس أن التفسير كان مستحيلًا. كان محتملًا جدًا.

لكن شيئًا صغيرًا حدث بين العين والقلب. رأى أسامة المشهد. وفهم منه معنى. ثم تعامل مع المعنى الذي فهمه كأنه شيء رآه.

وهذه هي المسافة التي نقطعها كل يوم دون أن نشعر.

ترى شيئًا. تفسره. ثم تنسى أنك فسّرته.

وبعد قليل تقول: أنا أعرف.

الحكم على نيات الناس وكتابة التفسيرات بين سطور أفعالهم
فهرس المقال

متى سقطت «ربما» من الجملة؟

أرسلت الرسالة. ظهرت علامة القراءة. لم يرد.

هذه هي القصة حتى الآن. ثلاثة أسطر فقط: أرسلت. قرأ. لم يرد.

بعد ساعة قلت: ربما انشغل. بعد ساعتين: يتجاهلني. في المساء: هو لا يحترمني أصلًا. وفي اليوم التالي كان سلامك باردًا.

هو لم يرسل شيئًا جديدًا. ولم يقل كلمة أخرى. لكن قصته داخلك تطورت كثيرًا.

بدأت بواقعة: لم يرد. ثم أضفت تفسيرًا: يتجاهلني عمدًا. ثم أضفت نية: يريد أن يشعرني أنني قليل القيمة. ثم بنيت عليها موقفًا.

والعجيب أنك حين غضبت منه، لم تعد تقول: أنا غاضب من التفسير الذي رجحته. بل قلت: أنا غاضب مما فعله بي.

متى أصبح تفسيرك جزءًا من الواقعة؟ متى سقطت كلمة «ربما»؟ ومتى تحولت «ربما يتجاهلني» إلى «يتجاهلني» ثم إلى «يحتقرني»؟

أحيانًا لا يكذب علينا الواقع. نحن فقط نكتب جملة بين سطرين منه… ثم ننسى أن الخط خطُّنا.

ربما كان يتجاهلك فعلًا. الموعظة لا تقول إن تفسيرك خطأ دائمًا. قد يكون صحيحًا. وقد تكون القرائن قوية.

لكن السؤال ليس: هل يمكن أن أكون مصيبًا؟ السؤال:

هل ما ظننته صار عندك علمًا؟

رأيت الفعل… فمن أين رأيت الدافع؟

تصدق أمام الناس. قلت: يرائي. بكى. قلت: يمثل. اعتذر بعد أن اشتدت المشكلة. قلت: خاف العاقبة. اقترب منك. قلت: له مصلحة. ابتعد. قلت: ظهر خبثه.

توقف. ما الفعل الذي كان يستطيع أن يفعله لينجو من تفسيرك؟

إن تكلم، فهو متصنع. وإن صمت، فهو متكبر. إن أحسن، فهو يمهد لشيء. وإن أساء، فقد ظهر على حقيقته.

إن اعتذر، فهو خائف. وإن لم يعتذر، فهو مجرم لا يبالي. إن تغير، قلت: مؤقت. وإن بقي، قلت: ألم أقل لكم؟

ما الباب المفتوح أمامه؟ إن لم تجد جوابًا، فلعل المشكلة لم تعد أنك تراقب أفعاله.

ربما صرت تحرس تفسيرك.

قررت من هو. ثم أصبح كل شيء يفعله يدخل إلى العقل من باب واحد. لا تسأل: ماذا يعني هذا الفعل؟ بل: كيف يثبت هذا الفعل ما أعرفه عنه؟

وهنا تصبح عبارة «أنا أعرفه جيدًا» من أخطر الجمل.

قد تعرف ماضيه. تعرف طبعه. تعرف أنه كذب من قبل، أو خان وعدًا، أو طلب شهرة، أو آذاك. لكن ما تعرفه عن أمسه لا يجعلك ترى قلبه اليوم.

قد يكون كما ظننت. وقد يكون أسوأ. وقد يكون قد جاهد شيئًا في نفسه لا تعلمه.

وقد يبدأ الاعتذار خوفًا من الخسارة، ثم يلين قلبه أثناء الحديث ويصدق. وقد يبدأ الخير وفي نفسه حظ، ثم يجاهد ذلك الحظ. وقد يضعف، ويتردد، وتختلط دوافعه.

القلب ليس جملة واحدة كتبتها عنه منذ خمس سنوات ثم بقيت كما هي.

ولهذا كان السؤال شديدًا: هل شققت عن قلبه؟ لم يقل له: لم تكن عندك قرائن. بل ردّه إلى الحد الذي لا تبلغه القرائن.

ما الذي وقع في القلب فعلًا؟

أنت لا ترى الرياء

هذه الجملة قد تضايق بعض الناس. لكنك فعلًا لا ترى الرياء.

ترى رجلًا يعمل أمام الناس. هذا ما رأيت. قد يكون مرائيًا. وقد يكون مخلصًا. وقد يكون في قلبه صراع لا تعلمه.

ترى امرأة تكثر من الحديث عن خير فعلته. قد يكون في كلامها طلب ثناء. وقد يكون عفويًا. وقد تختلط النية.

أنت قد ترجح. وتحذر. وتنصح. لكن لا تقل إن عينك رأت ما لم تره.

لا تنسب إلى عينك ما صنعه تفسيرك.

قل: رأيته يفعل الخير أمام الناس. ولا تقل: رأيت الرياء. قل: اعتذر بعد أن ظهرت العواقب. ولا تقل: رأيت الخداع في قلبه.

قل: تكرر منه خُلف الوعد. ولا تقل: هو يستحل أموال الناس ويحب أذيتهم.

هناك فرق بين: هذا الفعل يؤذيني. و: أنت تستمتع بإيذائي.

بين: لا أثق في التزامك المالي بعد هذا التكرار. و: أعرف أنك تريد أكل أموال الناس.

بين: لا أستطيع الاستمرار في هذه العلاقة بهذا النمط. و: أنت تريد تحطيمي.

الجملة الأولى تتكلم عما ظهر لك. والثانية تفتح صدر إنسان، وتضع فيه دافعًا، ثم تقول له: هذا قلبك.

التهمة التي لا يمكن البراءة منها

قل لشخص: أخذت مالي. قد يقول: هذا الإيصال. اتهمه بأنه كان في مكان. قد يأتي بشاهد أنه كان في مكان آخر.

قل له: أنت فعلت هذا رياء. كيف يدافع؟

يقول: لم أقصد. فتقول: كاذب. يحلف. فتقول: حتى الحلف جزء من التمثيل. يبكي. فتقول: دموع مصطنعة. يصمت. فتقول: عجز عن الجواب.

لقد صنعت تهمة لا يوجد لها باب براءة. كل دفاع عندك دليل إضافي.

أنت القاضي، والشاهد، ومفسر الأدلة، ثم قررت مسبقًا أن أي شيء يقوله المتهم جزء من الجريمة.

لهذا اتهام النيات مريح جدًا للنفس. لا يحتاج إلى إثبات. يكفي أن تقول: أنا أشعر. أنا أعرف الناس. أنا لا أخطئ في هذه الأمور.

لكن…

منذ متى صار إحساسك نافذة في صدر غيرك؟

قد يكون إحساسك نذيرًا يدعوك للحذر. قد يجعلك تسأل. قد يجعلك تضع حدودًا. لكن التحذير شيء، والشهادة على القلب شيء آخر.

جرحك قد يكتب بين السطور

من خُدع كثيرًا، قد يقرأ المصلحة في كل اقتراب. ومن أُهين طويلًا، قد يسمع الاحتقار في نبرة عادية.

ومن ذاق الخيانة، قد يفتش عن الغدر في كل غموض. ومن خاف الهجر طويلًا، قد يرى التأخر في الرد إعلانًا للرفض.

ليس كل خاطر يمر بك ذنبًا. ولا كل تفسير أولي جريمة. أنت بشر. وللتجربة أثر. وللألم ذاكرة.

لكن انتبه إلى شيء دقيق:

قد يكون جرحك قارئًا سيئًا للنصوص الناقصة.

يرى فراغًا، فيملؤه بما يعرفه هو. صمت؟ يكتب: احتقار. تأخر؟ يكتب: نبذ. غموض؟ يكتب: خيانة.

ثم تقرأ ما كتبه جرحك وتقول: كنت أعلم.

ربما لم تكن تعلم. ربما كنت تتذكر. وهناك فرق.

لهذا أحيانًا لا تحتاج أن تقول لنفسك: أنا مخطئ. يكفي أن تقول: قد يكون ألمي دخل في القراءة.

هذه الجملة وحدها تعيد نافذة صغيرة للعدل.

الحذر لا يحتاج منك أن تعرف قلبه

وهنا لا نفتح باب السذاجة.

إذا تكرر من شخص الكذب، فلا يلزمك أن تسلمه أسرارك. وإذا لم يؤد ديونه مع القدرة وكرر المماطلة، فلك أن تتوقف عن إقراضه.

إذا آذاك نمط واضح، فلك أن تضع حدودًا. وإذا رأيت قرائن خطر معتبرة، فخذ بالأسباب. الدين لا يأمرك أن تغلق عينيك.

لكن انظر إلى رحمة العدل:

يمكنك أن تحمي نفسك دون أن تختلق قلبًا لخصمك.

قل: هذا السلوك تكرر، ولن أتعامل معه بهذه الصورة. يكفي. لا تحتاج أن تضيف: لأنه خبيث.

قل: هذا الكلام آذاني. يكفي. لا تحتاج: وأنا أعرف أنك قصدت كسري.

قل: لا أطمئن إلى هذا التصرف. يكفي. لا تحتاج: قلبك أسود.

الحدود لا تحتاج إلى علم بالغيب. والحذر لا يحتاج إلى شهادة على السرائر.

تعامل مع الفعل بما يستحقه. واترك القلب لمن يعلمه.

لماذا تريد أن يكون تفسيرك السيئ صحيحًا؟

هذه ربما أوجع من كل ما سبق. أحيانًا لا يكون السؤال: لماذا أسأت الظن؟ بل:

لماذا ارتحت عندما وجدت تفسيرًا سيئًا؟

قالوا لك: فلان فعل الخير. قلت بسرعة: يريد الشهرة. ثم شعرت بشيء من الراحة. لماذا؟

اعتذر منك. كان يمكن أن تترك احتمال الصدق مفتوحًا، لكنك أسرعت إلى: خائف من العواقب. لماذا كان هذا التفسير أريح؟

قد يكون لأنك إن قبلت احتمال صدقه، ستضطر إلى مراجعة شيء في نفسك. قد تضطر أن تعترف أنك بالغت. أو أنك ظلمت. أو أنك لا تعرفه كما كنت تظن.

وأحيانًا تمنحنا إدانة باطن الآخر صورة مريحة عن أنفسنا.

هو مراءٍ. إذن أنا صادق. هو متصنع. إذن أنا طبيعي. هو يحب الثناء. إذن أنا زاهد فيه. هو خبيث. إذن أنا الضحية النقية.

وقد نكون منشغلين بإثبات ظلمة قلبه لأن ذلك يجعل صورتنا أكثر بياضًا.

لهذا، قبل أن تقول: أنا أعرف لماذا فعل. اسأل نفسك بهدوء:

لماذا أريد لهذا التفسير تحديدًا أن يكون صحيحًا؟

ربما تجد في قلبك شيئًا أهم من قلبه كله.

«وحسابهم على الله»

وفي الحديث قال النبي ﷺ:

«… وحسابهم على الله».

ما أريح هذه الجملة حين يعرف الإنسان حدّه.

هناك ظاهر تتعامل معه. وفعل تحاسب عليه. وحق ترده. وحد تضعه. وخطأ تسميه خطأ.

ثم هناك باب آخر. ليس بابك. حساب السرائر.

لماذا بكى؟ ماذا كان يريد حين تصدق؟ هل صدق في آخر اعتذره؟ هل تاب فعلًا؟ هل كان خوف الناس هو الدافع كله أم بعضه؟ هل دخل على قلبه شيء في الطريق ثم جاهد؟

أنت لا تعلم. ولست مطالبًا أن تعلم.

يمكن أن تقول: فعله خطأ. والله أعلم بنيته. ما أعدلها.

تحفظ الحكم على الظاهر. ولا تقتحم الصدر.

يمكنك أن تقول: لا أقبل هذا التصرف. دون أن تقول: أنا أعرف ما في قلبك.

يمكنك أن ترفض الظلم. دون أن تدعي أنك رأيت الكراهية التي ولدته.

يمكنك أن تحذر من الرياء. دون أن تمشي بين الناس توزع أحكامًا على المخلصين والمرائين.

رأيت الفعل… لكنك لم تر القلب.

أعد مرحلة التفسير إلى مكانها

العلاج ليس أن تمنع نفسك من التفكير. ولا أن تقول عن كل شيء: لا أعلم شيئًا. ولا أن تعيش ساذجًا.

العلاج أبسط. وأشد. أعد الجملة المفقودة.

قل: رأيت أنه لم يرد. وفسرتُ ذلك بأنه يتجاهلني.

رأيت أنه اعتذر بعد اشتداد المشكلة. وظننتُ أن خوف العاقبة أحد دوافعه.

رأيت عملًا صالحًا أُعلن. وخطر لي أن صاحبه قد يطلب نظر الناس.

لاحظ الفرق. لم نطلب منك أن تكذب على نفسك. ولم نقل: ظنك مستحيل.

فقط أعد كل شيء إلى مكانه. ما رأيته: رأيته. ما استنتجته: استنتجته. ما لا تعلمه: لا تسمه علمًا.

لا تجعل تفسيرك يرتدي ثياب الواقعة.

هذه المسافة الصغيرة في اللغة قد تمنع ظلمًا كبيرًا في القلب.

بدل: هو يحتقرني. قل: شعرت من تصرفه باحتقار، ولا أعلم قصده.

بدل: هي تغار مني. قل: فسرت بعض تصرفاتها بالغيرة، وقد أكون مخطئًا.

بدل: فعلها رياء. قل: أخشى عليه من الرياء، والله أعلم بنيته.

وبدل: أنا أعرفه. قل: أنا أعرف ما رأيت منه.

ثم توقف.

اقرأ أيضًا

ارفع قلمك قليلًا عن السطور التي لم تُكتب

ربما ظلمت إنسانًا سنوات بقصة لم يقلها.

وربما برّدت علاقتك بشخص بسبب نية لم يعترف بها، ولم يثبتها واقع، لكنها استقرت في ذهنك حتى صارت جزءًا من اسمه.

وربما كلما فعل شيئًا، فتحت النسخة القديمة من قصته وقرأت منه المعنى نفسه.

اقترب. قلت: مصلحة. ابتعد. قلت: كبر. اعتذر. قلت: خوف. صمت. قلت: حقد.

ثم قلت: لا يمكن أن يخدعني.

ربما. لكن اسأل: هل أعطيته أصلًا أي طريق لا يكون فيه مذنبًا؟

وهنا تذكر أسامة رضي الله عنه.

ساحة معركة. سلاح. رجل قاتل. وكلمة خرجت عند آخر لحظة.

قرائن أثقل من رسالة لم يُرد عليها. وأشد من نبرة صوت. وأوضح من ابتسامة ناقصة.

ومع ذلك جاء السؤال:

«أفلا شققتَ عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا؟»

فإذا أغراك ذكاؤك أن تقول: أنا أعرف لماذا فعل. فتوقف قليلًا.

لا لتلغي عقلك. بل لتضعه في مكانه.

رأيت السطور. اقرأها. اربط القرائن. واحذر إن احتجت. واتخذ موقفك من الفعل.

لكن لا تملأ الفراغ بقلمك، ثم تشير إلى ما كتبت وتقول: هذا قلبه.

ترى القرينة، فتفسرها، ثم تنسى أنك فسرتها… وبعد قليل تحاكم إنسانًا على نية كتبتها أنت في قلبه.

فليكن في لسانك دائمًا موضع صغير للعدل: قد أكون مخطئًا.

وفي قلبك حد لا تتجاوزه: لا أعلم ما في قلبه.

وانشغل بالسريرة التي أعطاك الله بابًا إلى مجاهدتها. سريرتك أنت.

لماذا غضبت؟ لماذا ارتحت لتفسير السوء؟ لماذا احتجت أن يكون مرائيًا؟ لماذا كان احتمال صدقه مزعجًا لك؟ ولماذا تحرس حكمك عليه كل هذه الحراسة؟

أما قلبه… فله رب شق العلم إليه دون مشرطك.

عامل الناس بما ظهر، وخذ من القرائن ما تحتاجه للعدل والحذر.

ثم تذكر:

رأيت الفعل… لكنك لم تر القلب.

تعليقات

عدد التعليقات : 0