صوت المشكلة أعلى من كل ما يُبقيك واقفًا.
فاتورة واحدة قد تملأ رأسك.
لكن الطعام الذي وُجد اليوم لا يصنع ضجيجًا.
رسالة رفض واحدة تبقى في صدرك ساعات.
أما الأبواب التي لم تُغلق كلها… فتمر أمامك كأنها أمر عادي.
وجع في جسدك يستولي على انتباهك.
لكن الأعضاء التي ما زالت تعمل في صمت لا تطلب منك أن تلاحظها.
شخص خذلك، فتشعر أن السند انكسر.
ولا تنتبه بسهولة إلى آخر سأل عنك، أو إلى قدرة بقيت فيك، أو إلى سبب صغير لم يسقط بعد.
هكذا يفعل العسر.
إنه يصرخ.
يدخل إلى الوعي بقوة.
يوقظك في الليل.
يجعلك تفتح الهاتف.
تعيد الحساب.
تقرأ الرسالة مرة أخرى.
تتخيل ما بعدها.
أما اليسر…
فكثيرًا ما يعمل بطريقة مختلفة.
لا يطرق الباب بعنف.
لا يرسل إليك إشعارًا يقول:
انتبه، لقد لُطِف بك هنا.
لا يضع دائرة حمراء حول الشيء الذي بقي.
لا يخبرك كل مساء بعدد الأثقال التي لم تسقط فوقك.
ولهذا قد يعيش الإنسان وسط صور من التيسير، ثم يقول بصدق موجوع:
لا أرى إلا العسر.
قال الله تعالى:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
معه.
لكن القلب أحيانًا لا يبحث عن اليسر الذي مع العسر.
إنه ينتظر يسرًا واحدًا محددًا:
أن يختفي العسر.
فإذا بقي الدين، قال: لا يسر.
إذا طال المرض، قال: لا يسر.
إذا لم تصل الموافقة، قال: لا يسر.
إذا بقي الباب مغلقًا، قال: أين اليسر؟
كأننا لا نعترف باليسر إلا حين يخرج العسر من الغرفة تمامًا.
وهنا قد يكون موضع الخلل في طريقة رؤيتنا، لا في وعد الله.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض
العسر يحتل الشاشة
تخيل شاشة أمامك.
في منتصفها مشكلة كبيرة.
رقم عليك سداده.
موعد تنتظره.
خبر تخشاه.
شخص يقلقك.
ملف متوقف.
هذا الشيء يحتل الشاشة كلها.
تكبره بيدك.
تراجعه.
تدخل إلى تفاصيله.
تخرج منه ثم تعود.
حتى يبدو لك أن حياتك كلها أصبحت هذه المشكلة.
لكن على أطراف الشاشة أشياء أخرى ما زالت تعمل:
استيقظت.
تحركت.
وجدت من تكلمه.
قضيت بعض حاجاتك.
مرّ موقف كان يمكن أن يتعقد ولم يتعقد.
وصلت إلى مكانك.
أكملت عملًا وأنت تظن أنك لا تملك طاقة.
نمت ساعتين بعد ليلة ظننت أنك لن تنام فيها.
ضحكت للحظة وسط أسبوع ثقيل.
وجدت لقمة.
بقي باب.
جاءك خاطر حل.
تأجل شر كنت تخاف وقوعه اليوم.
هذه الأشياء لا تصرخ.
ولهذا لا تنافس المشكلة على انتباهك.
العسر يحتل الشاشة… واليسر يعمل أحيانًا في الخلفية.
المشكلة أنك قد تظن أن ما لا تراه لا يحدث.
أنت تعدّ الضربات… ولا تعدّ ما امتصها
حين يقع عليك أمر مؤلم، تسجله فورًا.
اليوم حدث كذا.
ثم جاء كذا.
ثم تعطلت هذه.
ثم قال فلان تلك الكلمة.
ثم تأخر الأمر.
ثم نقص المال.
وفي الليل تستطيع أن تسرد قائمة كاملة بما أوجعك.
لكن جرّب أن تسأل نفسك:
ما الذي منع هذا اليوم من أن يكون أشد؟
هنا قد تصمت.
ليس لأن الجواب غير موجود.
بل لأنك لم تكن تعدّه.
أنت تعدّ الضربات.
لكن قلّما تعدّ ما امتصها.
تقول:
كان يومًا مرهقًا.
صحيح.
لكن من أين جاءت القدرة على إكماله؟
تقول:
المال قليل.
صحيح.
لكن كيف مرّت حاجات كان يمكن أن تستهلك أكثر؟
تقول:
أنا وحدي.
وقد يكون شعورك بالوحدة مؤلمًا حقًا.
لكن هل أنت بلا سبب تمامًا؟
بلا قدرة؟
بلا شخص واحد؟
بلا باب دعاء؟
بلا لحظة ستر؟
بلا قوة حملتك إلى هذه الساعة؟
لا أقصد أن نحوّل كل ألم إلى لعبة إيجابية باردة.
ولا أن نقول للموجوع: انظر إلى النصف الممتلئ وانتهى الأمر.
هذا تمييع للوجع.
الدين يؤلم.
والمرض يؤلم.
والفقد يؤلم.
والانتظار يستنزف.
والأبواب المغلقة قد تضيق بها النفس.
لكن هناك فرق بين أن تعترف بالعسر…
وبين أن تمنحه حق تفسير حياتك كلها.
العسر يقول لك: أنا كل شيء.
وهنا ينبغي ألا تصدقه دائمًا.
اليسر الصامت
هناك يسر لا يأتيك في صورة انتهاء المشكلة.
بل في صورة:
أن تُحمل داخلها.
كنت تظن أن الخبر إذا جاء سينهارك.
جاء.
وبكيت.
واضطربت.
لكن مرّ اليوم الأول.
ثم الثاني.
وما زلت هنا.
ليس معنى هذا أن الألم قليل.
لكن شيئًا حملك.
كنت تقول:
إن بقي الأمر شهرًا آخر فلن أتحمل.
مرّ الشهر.
ولست بخير كامل.
ولست قويًا كما تحب.
لكنّك لم تُمحَ.
هناك قوة وصلت إليك في الطريق، لا قبله.
وهذا من اليسر الذي قد لا نسميه يسرًا.
الإنسان يريد أن يُرفع الحمل.
فإذا لم يُرفع، لا ينتبه إلى أن ظهره أُعين على حمله.
يريد أن ينفتح الباب.
فإذا بقي مغلقًا، لا يرى أن بابًا جانبيًا صغيرًا بقي منه ما يعيش به يومه.
يريد جوابًا كاملًا.
فإذا لم يأته، لا ينتبه إلى فكرة واحدة جاءت في وقتها ومنعته من قرار متعجل.
يريد الفرج بصوت مرتفع.
بينما بعض اليسر يدخل حياته على أطراف أصابعه.
لا يغيّر المشهد كله… لكنه يمنع المشهد من ابتلاعك.
لأن الألم يطالبك بالانتباه
هناك سبب بسيط يجعل رؤية العسر أسهل.
الألم بطبيعته يطلب الانتباه.
الجسد إذا تألم أخبرك.
الخطر إذا اقترب استنفر فيك الخوف.
الحاجة إذا اشتدت ضغطت على العقل.
أما النعمة المستقرة، فيعتادها الإنسان.
أول يوم بعد زوال وجع شديد، تقول:
الحمد لله.
بعد أسبوع، تمشي كأن المشي أمر لا يستحق الملاحظة.
أول مرة يُفتح لك باب عمل بعد بطالة، تفرح.
ثم يتحول العمل بعد مدة إلى شيء عادي، وربما إلى موضع شكوى.
أول ليلة تنام فيها بعد أرق طويل، تشعر بقيمة النوم.
ثم يعود النوم خلفية صامتة للحياة.
نحن نسمع صوت ما انكسر أكثر من صوت الأشياء التي ما زالت تمسك البيت.
ولهذا قد تدخل بيتًا فيه مصباح واحد محترق، فلا ترى إلا الظلمة في تلك الزاوية.
مع أن بقية البيت مضاء.
ليس لأن الضوء ضعيف.
بل لأن العطل جديد.
وهنا يبدأ ظلم النظر
الخطر ليس أن تتألم.
الخطر أن تجعل الألم شاهدك الوحيد.
فتقول:
كل شيء مغلق.
هل حقًا كل شيء؟
لا أحد معي.
هل حقًا لا أحد؟
لم أرَ خيرًا.
ألم ترَ خيرًا… أم أنك لم ترَ الصورة التي كنت تسميها وحدها خيرًا؟
لا شيء يتيسر.
هل لا شيء يتيسر، أم أن الشيء الأكبر الذي تريده لم يتيسر بعد، فابتلع في عينك كل تيسير صغير؟
هذه أسئلة لا تُطرح لتوبيخ الموجوع.
بل لإنقاذ بصره من سطوة الألم.
لأن العسر إذا طال، قد يصنع داخل النفس عدسة سوداء.
لا تضيف مصائب جديدة إلى الواقع.
لكنها تجعل كل ما في الواقع يمر من خلالها.
حتى التيسير يُعاد تفسيره.
يأتيك شخص ليساعدك، فتقول: مساعدة بسيطة.
يُقضى أمر، فتقول: بقي الأهم.
يمر يوم بلا كارثة جديدة، فتقول: لم يحدث شيء.
تُدفع عنك حاجة، فتقول: بالصدفة تيسرت.
تجد قوة، فتقول: اضطررت.
وهكذا…
كل يسر يدخل المحكمة متهمًا بأنه «ليس كافيًا».
فلا يخرج من قلبك شيء اسمه امتنان.
ليس لأن الله لم ينعم عليك.
بل لأنك وضعت شرطًا قاسيًا للاعتراف بالنعمة:
إما أن ينتهي العسر كله… أو لن أسمي شيئًا يسرًا.
اليسر ليس دائمًا حلًا… أحيانًا هو مساحة للتنفس
ربما بقيت المشكلة.
لكن أُعطيت اليوم ساعتين هادئتين.
لا تحتقرهما.
ربما لم يُقض الدين.
لكن حاجتك العاجلة مرّت.
لا تقل: هذا لا شيء.
ربما لم يأت الجواب.
لكن القلق انخفض قليلًا بعد دعاء صادق.
لا تستهِن بهذا.
ربما لم يتغير الشخص.
لكن قلبك لم يعد ينزف كل مرة بالطريقة نفسها.
ربما لم يُفتح الباب.
لكن تعلّمت كيف لا تضرب رأسك به كل ليلة.
لسنا نجزم أن كل هذه الصور هي المقصودة في كل ابتلاء بعينه.
ولا نزعم معرفة الحكمة التفصيلية من أقدار الناس.
لكننا نحتاج أن نتعلم رؤية ما نعيشه دون أن يسمح للعسر أن يمحو بقية الصورة.
ليس كل يسر نهايةً للعسر؛ بعض اليسر مساحة يفتحها الله لك داخله لتستطيع العبور.
اختبار بسيط لعينك
هذه الليلة، لا تسأل فقط:
ما الذي أتعبني اليوم؟
أنت تعرفه غالبًا.
اسأل سؤالًا آخر:
ما الذي كان يمكن أن يجعل اليوم أشد… ولم يحدث؟
ثم:
ما الذي أعانني وأنا لم أكن أظن أنني قادر؟
من الذي جاء في وقته؟
أي حاجة مرّت؟
أي شر تأجل؟
أي باب بقي؟
أي قوة وُجدت عند الحاجة؟
لا تتكلف الإجابات.
ولا تخترع نعمًا لتقنع نفسك أنك سعيد.
كن صادقًا.
قد يكون يومك فعلًا شديدًا.
لكن فتش بهدوء.
ستكتشف أحيانًا أن العسر كان يتكلم طوال اليوم…
بينما اليسر كان يعمل.
في تفصيلة.
في تأخير.
في شخص.
في قوة.
في ستر.
في باب صغير.
في قلب لم ينطفئ تمامًا.
في سجدة استطعت أن تصل إليها رغم كل شيء.
والميزان… حتى لا نظلم الموجوع
ليس مطلوبًا ممن يعيش بلاءً شديدًا أن يقف كل ساعة ليحصي النعم كي يُسمح له بالحزن.
ولا ينبغي أن نستخدم هذا المعنى لإسكات الناس عن وجعهم.
من حق المريض أن يقول: أتألم.
ومن حق المدين أن يضيق.
ومن حق المنتظر أن يتعب.
ومن حق القلب أن يمر بلحظات لا يرى فيها إلا الجرح.
القرآن لم ينكر وجود العسر.
قال: العسر.
وسماه.
لكنه لم يتركه وحده في الآية.
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
ولا تنكر اليسر باسم الألم.
هذا هو الميزان.
قل:
أنا متعب.
لكن تعبي ليس كل القصة.
أنا في ضيق.
لكنني لا أعلم كل ما يعمل حولي.
أنا أريد الفرج.
وسأدعو به.
وسآخذ بأسبابه.
لكنني لن أشترط على عيني ألا ترى رحمة حتى تنتهي المشكلة بالطريقة التي رسمتها.
أسئلة شائعة حول رؤية اليسر مع العسر
هل معنى ﴿فإن مع العسر يسرا﴾ أن المشكلة ستنتهي فورًا؟
لا يلزم من الآية أن كل مشكلة بعينها ستنتهي فورًا أو بالطريقة التي يتخيلها الإنسان. والمقال لا يجزم بصورة محددة لليسر في كل واقعة، وإنما يدعو إلى ألا نحصر التيسير في زوال العسر كاملًا، وألا نجعل استمرار الألم دليلًا على انعدام كل رحمة أو إعانة.
كيف أرى اليسر دون أن أنكر ألمي؟
بأن تصدق في الأمرين معًا. تقول: هذا يؤلمني، ثم لا تسمح للألم أن يصبح التفسير الوحيد لكل حياتك. الاعتراف بما بقي من نعمة أو قدرة أو سبب لا يلغي الجرح، كما أن وجود الجرح لا يمحو كل ما بقي حوله.
ما المقصود باليسر الصامت؟
المقصود صور من التيسير قد لا تأتي في هيئة حل كامل وصاخب للمشكلة؛ كقدرة تصل عند الحاجة، أو شر لا يقع، أو سبب يبقى، أو مساحة تهدأ فيها النفس قليلًا. ولا نجزم بأن صورة بعينها هي حكمة الله الخاصة في ابتلاء شخص معين.
ماذا أفعل حين لا أرى إلا العسر؟
لا تجبر نفسك على ادعاء السعادة، ولا تنكر شدة يومك. اسأل بهدوء: ما الذي كان يمكن أن يجعل الأمر أشد ولم يقع؟ وما الذي أعانني حتى هذه الساعة؟ المقصود تصحيح مجال الرؤية، لا توبيخ النفس على الألم.
اقرأ أيضًا
- الثقة بالله وقت الشدة: كيف يثبت القلب حين يتأخر الفرج؟
- حين تتتابع العقبات فتظنها علامة خذلان
- لا نعبد الله لننجو من الابتلاء… بل لئلا نضيع فيه
الخلاصة
العسر سهل الرؤية.
لأنه يوقظك.
يؤلمك.
يضغط عليك.
يطرق أبواب فكرك بعنف.
أما اليسر…
فقد يكون هو الشيء الهادئ الذي منعك من السقوط الكامل وأنت مشغول بعدّ الجراح.
قد يكون في السبب الذي بقي.
في القوة التي وصلت في وقتها.
في الشر الذي لم يقع.
في اللحظة التي تنفست فيها.
في قدرة قلبك على قول:
يا رب.
العسر يصرخ.
واليسر كثيرًا ما يعمل في صمت.
فلا تجعل الأعلى صوتًا… هو كل ما تراه.
اللهم بصّرنا بلطفك دون أن نتكلف تفسير أقدارك، وأعنّا على العسر، ولا تحجب شدة الألم أعيننا عن نعمك.
اللهم ارزقنا قلبًا يصدق في وجعه، ويصدق في حمده، ويرى البلاء بلاءً دون قنوط، ويرى اليسر يسرًا دون غفلة.
وإذا صرخ العسر في أيامنا… فلا تجعل ضجيجه يحجب عنا ما يعمل من لطفك في صمت.