عقيدة الأشرعة المطوية: هل سمّيت الخوف من المحاولة تسليمًا؟

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

جلس على شاطئ حياته طويلًا، يراقب القوارب وهي تبتعد.

هذا يتعلم مهارة جديدة، وذاك يطرق بابًا أُغلق في وجهه مرارًا، وثالث يبدأ من الصفر بعدما خسر ما بناه. كانوا يخطئون، ويتعثرون، وتصفعهم الأمواج، لكن أشرعتهم بقيت مرفوعة.

أما هو، فكان قاربه مربوطًا إلى الشاطئ، وشراعه مطويًّا، ومجاديفه ملقاة في القاع.

وحين سأله أحدهم: لماذا لا تتحرك؟ رفع رأسه في سكينة مصطنعة وقال:

«أنا سلّمت أمري لله، وأنتظر ما يكتبه لي».

لكن السؤال الذي كان يهرب منه لم يكن: ماذا كتب الله لي؟

بل كان:

هل سلّمت حقًّا… أم خفت من كلفة المحاولة، فسمّيت خوفك تسليمًا؟
رجل يجلس عند قارب ذي شراع مطوي على الشاطئ بينما تبحر القوارب أمامه في مشهد يعبّر عن الخوف من المحاولة المتنكر في صورة تسليم

في أعماق النفس قدرة مذهلة على التلاعب بالمسميات؛ لا لتكتشف حقيقتها، بل لتحمي كبرياءها من ألم المواجهة.

ومن أخطر هذه الحيل أن تأخذ معنى إيمانيًّا عظيمًا كالتوكل أو الرضا أو التفويض، ثم تفرغه من قوته، وتحوله إلى مخدّر روحي يبرر لك البقاء في منطقة الراحة.

فتسمّي الكسل رضا. وتسمّي الخوف حكمة. وتسمّي الهروب تفويضًا. وتسمّي ترك ما تستطيع تسليمًا لأمر الله.

ثم تجلس في صالة الانتظار، لا لأن الأبواب كلها أُغلقت، بل لأنك لم تطرق واحدًا منها بقوة كافية.

هذا ليس تسليمًا.

هذا انسحاب أنيق من ساحة المسؤولية، بعد أن ألبسته النفس عباءة اليقين.
فهرس المحتويات — اضغط للعرض

اللاعمل ملاذًا لحماية الكبرياء

لماذا يختبئ الإنسان أحيانًا خلف الانتظار الساكن؟

لأن المحاولة تكشفه.

إذا تقدمت إلى وظيفة فقد تُرفض. وإذا بدأت مشروعًا فقد تخسر. وإذا عرضت فكرتك فقد تُنتقد. وإذا تعلمت مهارة جديدة فقد تكتشف مقدار جهلك. وإذا حاولت إصلاح خلل في حياتك فقد تضطر إلى الاعتراف بأن جزءًا من المشكلة كان فيك.

أما حين لا تبدأ، فإن صورتك تبقى آمنة في خيالك.

لم تفشل؛ لأنك لم تحاول. ولم تُرفض؛ لأنك لم تتقدم. ولم تُختبر قدراتك؛ لأنك لم تدخل الميدان.

وهكذا تبرم النفس صفقة خاسرة: تشتري سلامة كبريائها المؤقتة، وتدفع الثمن من عمرها وفرصها ومسؤولياتها، ثم تضع على الصفقة ختمًا إيمانيًّا مزيفًا مكتوبًا عليه:

«الخيرة فيما اختاره الله».

والخيرة حق، لكن هذه الكلمة تُقال بقلب مطمئن بعد بذل السبب، لا بلسان يختبئ بها قبل أن يتحرك.

فالرضا ليس أن ترفض دخول الطريق، ثم ترضى ببقائك في مكانك. والتفويض ليس أن تلقي ما كُلِّفت به، ثم تنتظر من القدر أن يؤديه عنك.

والتوكل ليس إلغاء مسؤوليتك، بل أداءها كاملة مع البراءة من حولك وقوتك.

قانون الريح والشراع

تخيّل أن حياتك رحلة بحرية.

الله سبحانه هو رب البحر، ومالك الريح، ومقدّر الأمواج، ومصرف الأقدار. يفتح ما شاء، ويغلق ما شاء، وييسر ما شاء، ويصرف ما شاء بحكمة قد تظهر لك وقد تخفى عنك.

هذه منطقة لا سلطان لك عليها.

لكن الله أعطاك قاربًا، ومنحك عقلًا يتعلم، ويدًا تعمل، وقدرة على الاختيار، وأمرك أن تبذل ما تستطيع.

فليس لك أن تتحكم في اتجاه الريح، لكن عليك أن ترفع الشراع. وليس لك أن تأمر البحر أن يهدأ، لكن عليك أن تحسن الإمساك بالدفة.

وليس لك أن تضمن بلوغ الشاطئ الذي اخترته، لكن عليك ألا تبقى مربوطًا إلى الرصيف ثم تزعم أنك تنتظر قدر الله.

قال تعالى:

﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159].

فجاء التوكل بعد العزم، لا بدلًا منه.

وقال النبي ﷺ:

«احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» رواه مسلم.

فجمع في كلمات قليلة بين الحركة والافتقار: احرص، ثم استعن، ولا تستسلم للعجز.

التسليم الحقيقي ليس أن تطوي شراعك، وتلقي مجاديفك، وتنام في قاع القارب منتظرًا أن تقذفك الأمواج إلى جزيرة النجاة.

التسليم الحقيقي أن تشد الحبال بما تستطيع، وتتعلم ما تجهل، وتصلح ما أفسدت، وتعيد المحاولة بعد التعثر، ثم يقول قلبك في أثناء كل ذلك:

يا رب، هذا ما استطاعه عبدك، وقد بذل سببه كما أُمر، لكنه يعلم أن الشراع لا يستقل بتحريك القارب، وأن الريح لا تهب إلا بإذنك، وأن وصوله ليس ثمرة قوته وحدها، بل فضل منك وتقدير.

الأسباب تعمل، لكنها لا تحكم

قد تكون سببًا في وقوع النتيجة، لكنها ليست ربًّا لها ولا ضامنًا لها.

قد ترفع الشراع ولا تهب الريح التي توقعتها. وقد تهب الريح من جهة لم تحسب لها حسابًا. وقد تقودك العاصفة نفسها إلى شاطئ لم تكن تقصده، ثم تكتشف بعد حين أن نجاتك كانت هناك.

ولذلك لا يعبد المؤمن السبب ولا يهمله.

لا يتكئ عليه بقلبه، ولا يعطله بجوارحه.

بل يضع السبب في يده، ويُبقي قلبه معلقًا برب السبب.

أن تعرق جوارحك ويسجد قلبك

الخلل يبدأ حين نخلط بين وظيفة الجوارح ووظيفة القلب.

وظيفة الجوارح أن تبذل ما تستطيع: تخطط، وتتعلم، وتسأل، وتبحث، وتطرق الأبواب، وتراجع أخطاءك، وتستشير أهل الخبرة، وتعيد المحاولة ما دام الطريق مباحًا والقدرة موجودة.

ووظيفة القلب ألا يجعل شيئًا من ذلك إلهًا خفيًّا يضمن له النتيجة.

الجوارح تُحسن السبب لأنه مسؤوليتها. والقلب لا يتكئ على السبب؛ لأنه يعلم أن النتائج ملك لله.

هذه هي معادلة الافتقار:

أن تعرق جوارحك، ويسجد قلبك.

أن تكون في ظاهر أمرك مشغولًا بإتقان ما عليك، وفي باطنك متبرئًا من حولك وقوتك. أن تعمل بجد، لا لأنك تظن أن عملك يخلق النتيجة، بل لأن الله أمرك أن تعمل.

وأن تطمئن بعد العمل، لا لأنك ضمنت النجاح، بل لأنك سلّمت الثمرة لمن لا يضيع عنده صدق السعي.

ليس الافتقار أن تشلّ جوارحك حتى تثبت أنك لا تعتمد عليها. وليس السعي أن تنسب لنفسك ما لا تملك.

فالافتقار لا يقول: لن أعمل؛ لأن الله هو الفاعل.

بل يقول: سأعمل؛ لأن الله أمرني، وسأفتقر إليه؛ لأن عملي لا يستقل بشيء.

حين يصبح السعي شاهدًا على صدق الدعاء

الدعاء عبادة عظيمة لا يقوم مقامها شيء، والسعي ليس دعاءً بالمعنى الشرعي، لكنه قد يكون شاهدًا عمليًّا على صدق الطلب.

فمن دعا الله علمًا، ثم أغلق كتابه، لم يمنعه الإيمان من الدراسة، بل منعه شيء آخر سماه إيمانًا.

ومن دعا الله رزقًا، ثم رفض كل باب مباح يستطيع طرقه، فليس السؤال هنا عن صدق لفظه فقط، بل عن السبب الذي جعله يعطل ما يستطيع.

ومن دعا الله صلاح شأنه، ثم أصر على العادات نفسها والقرارات نفسها والبيئة نفسها، فقد يكون منتظرًا ثمرة جديدة من بذور لم يغيرها.

قال تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: 15].

قال: فامشوا، ثم نسب الرزق إليه: ومن رزقه.

فالخطوات منك، والرزق منه. والبذر منك، والإنبات منه. والطرق منك، والفتح منه. والتعلم منك، والتوفيق منه.

وقد يرزق الله عبده من غير سبب احتسبه، ويفتح له بابًا لم يطرقه، فهذا فضل منه سبحانه، لكنه لا يُتخذ ذريعة لتعطيل الأسباب التي أُمر بها الإنسان.

إن الذي يقف أمام أرض قاحلة، ويدعو بحصاد وفير، ثم يرفض أن يبذر مع قدرته على البذر، ليس أكثر توكلًا ممن بذر؛ بل لعل الباذر المفتقر أصدق تفويضًا منه.

لأن الأول طلب الثمرة وترك ما كُلِّف به. أما الثاني ففعل ما عليه، ثم رد الثمرة إلى مالكها.

ليس كل توقف تواكلًا

ومع ذلك، لا يجوز أن نجلد كل عاجز، أو نتهم كل متوقف بالكسل.

فقد يكون الإنسان قد بذل حتى استُنفدت طاقته، أو منعه مرض، أو ضاقت به الوسائل، أو لم يبق أمامه سبب مباح، أو تبيّن له بعد استخارة واستشارة أن الانسحاب من طريق معين هو القرار الأحكم.

العجز الحقيقي ليس تواكلًا. والراحة التي يحتاجها الجسد ليست هروبًا. وترك السبب المحرم أو المؤذي ليس ضعفًا، بل عبادة وبصيرة.

وقد يكون من صدق التوكل أن تتوقف عن باب استنزفك بعد أن ظهر ضرره، لا أن تستمر فيه لإثبات قوتك.

المشكلة ليست في أن تتوقف حين تعجز.

المشكلة أن تتوقف وأنت قادر، ثم تصنع من خوفك نظرية إيمانية تحميك من الاعتراف به.

فاسأل نفسك بصدق:

هل انعدمت الأسباب حقًّا، أم أن السبب المتاح مؤلم لكبريائي؟

هل أنا عاجز، أم أنني أرفض أن أبدأ بداية متواضعة؟

هل فوّضت النتيجة إلى الله، أم فوّضت إليه العمل الذي كلّفني به؟

كيف تزن قلبك؟

انظر إلى نفسك عند النجاح.

هل تقول في باطنك: وصلت بذكائي، وخبرتي، وتخطيطي، ولولا مهارتي ما كان شيء؟

إن كان قلبك كذلك، فقد تحولت الأسباب في داخلك من وسائل إلى أوثان خفية، وأصبحت ترى نفسك صانعًا مستقلًّا للنتيجة.

وانظر إلى نفسك عند الإخفاق.

هل تنهار كأن الله لم يعد يدبر أمرك؟ هل تسخط لأن الطريق لم ينته إلى الصورة التي رسمتها؟ هل تشعر أن جهدك كان عقدًا يُلزم القدر بإعطائك ما طلبت؟

إن كان الأمر كذلك، فلعل قلبك لم يكن متوكلًا على الله، بل كان متكئًا على عمله، ينتظر منه نتيجة مضمونة.

أما المفتقر حقًّا، فإذا نجح قال:

هذا فضل ربي، وقد جعل جهدي سببًا، ولو شاء لسلب السبب أثره.

وإذا أخفق قال:

فعلت ما استطعت، وليس لي على الله شرط، ولعل في المنع رحمة لا أراها، وسأتعلم مما وقع ثم أنظر في السبب التالي.

لا يسرق النجاح افتقاره. ولا يسلبه الإخفاق عبوديته.

لأنه لم يكن يعمل ليجبر القدر على طاعته، بل كان يعمل طاعة لله، ثم يستقبل ما يقع بقلب مفوض.


اقرأ أيضًا

شرف العرق

لا تجعل من التسليم مسلخًا تذبح عليه ما أودع الله فيك من طاقة وقدرة.

ولا تجعل من الرضا ستارًا تخفي خلفه خوفك من البداية.

ولا تنتظر أن تتغير حياتك بينما تحرس العادات التي صنعت واقعك.

اكتب سيرتك الذاتية. تعلم المهارة التي تؤجلها. اسأل من يعرف ما تجهله. أصلح الخلل الذي تتهرب من مواجهته.

اطرق الباب مرة أخرى إن كان يستحق. واترك الباب حين يتبين لك أنه ليس طريقك، ثم ابحث عن غيره.

لا يلزم أن تنجح كل محاولة، لكن يلزم ألا تجعل الخوف من فشلها عذرًا لدفنها قبل أن تولد.

انهض، وافرد شراعك، وخض البحر بما تستطيع.

فإن هبت الريح، فلا تقل: أنا الذي حرّكت القارب.

وإن تأخرت، فلا تطوِ شراعك ساخطًا.

وإن قادتك إلى غير وجهتك، فلا تتهم الطريق قبل أن ترى ما وراء المنع.

ارفع يديك وقد علِق بهما غبار المحاولة، وقل:

يا رب، بذلت ما استطعت، لا اعتمادًا على قوتي، بل امتثالًا لأمرك. وهذا جهد عبد عاجز لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شئت؛ فإن فتحت فبفضلك، وإن منعت فبحكمتك، وإن أخرت فبعلمك، فلا تكلني إلى نفسي، واهدني إلى السبب الذي يرضيك، وبارك لي في السعي، ثم اختر لي ما هو خير.

حينها تكون قد فهمت الافتقار:

ليس أن تجلس منتظرًا أن تأتيك الثمرة دون سعي منك.

بل أن تتحرك بكل ما تستطيع، وأنت تعلم أن حركتك نفسها بالله، وأن قوتك منه، وأن الطريق ملكه، وأن الشاطئ الذي ستبلغه لن يكون إلا الذي أذن به.

ارفع شراعك إذن… لكن لا تعبد الشراع.
```2[❶](code://python)

تعليقات

عدد التعليقات : 0