تأجيل التوبة: حين تجعل رحمة الله تصريحًا مؤجلًا بالمعصية

حين يوقظك الله بكلمة
المؤلف حين يوقظك الله بكلمة
تاريخ النشر
آخر تحديث

تأجيل التوبة قد يبدو رجاءً في رحمة الله، لكنه يصبح خداعًا حين يتحول إلى وعدٍ يسهّل المعصية بدل أن يفتح باب الرجوع منها.

رجل يقف بين باب مظلم وطريق مضيء مفتوح يرمز إلى تأجيل التوبة والرجاء الكاذب

قبل أن يقع في الذنب، يمرّ في قلبه اسم الله.

ليس ليستحيي.

ولا ليتراجع.

بل ليهدأ.

يقول لنفسه: الله غفور رحيم. سأستغفر بعد ذلك. سأعود حين أهدأ. هذه المرة الأخيرة. وما دام باب التوبة مفتوحًا، فلن يضيع الأمر.

ثم يدخل إلى ما يعرف أنه يضعفه، وفي يده وعدٌ مؤجل بالتوبة.

لا يقول: لن أتوب.

بل قد يكون مطمئنًا تمامًا أنه سيتوب يومًا.

لكن التوبة التي جعلها موعدًا بعد المعصية، لم تعد في تلك اللحظة رجوعًا إلى الله

صارت جزءًا من الخطة التي سهّلت له البقاء بعيدًا عنه.

وهنا لا يكون السؤال:

هل تؤمن برحمة الله؟

بل:

هل تذكر رحمته لأنك انكسرت بعد الذنب، أم لأنك تريد أن تطمئن قبل أن تفعله؟

فهرس المحتويات — اضغط للعرض

فرقٌ كبير بين عبدٍ زلّ، فلما رأى قبح ما فعل ركض إلى باب الله، وبين عبدٍ يفتح على نفسه باب المعصية وهو يقول في داخله: لا بأس، فالباب الآخر مفتوح.

الأول أخطأ، ثم تعلّق بالرحمة لينجو.

والآخر قد يجعل الرحمة وسادةً ينام عليها قبل أن يخطئ.

والله غفورٌ رحيم حقًا.

أرحم بك من نفسك.

يفتح لك الباب بعد المرة العاشرة كما فتحه بعد الأولى، ويقبل رجوع من أفسد ثم صدق، ولا يملّ من التائب حتى يملّ التائب من التوبة.

لكن رحمته ليست إذنًا بأن تختار ما يسخطه، ثم تطلب من رحمته أن تحرس لك اختيارك.

ليست ورقةً تحملها في جيبك، ثم تدخل بها إلى الذنب مطمئنًا.

هي يدٌ ممدودة لتخرجك منه.

والرجاء الصحيح لا يجعلك أخفَّ على المعصية

يجعلك أسرع إلى التوبة.

حين يعرف العبد أن ربه لا يطرده إذا عاد، لا يقول: إذن أستطيع أن أبتعد قليلًا.

بل يقول: إذن لا عذر لي أن أبقى بعيدًا.

لكن النفس تعرف كيف تأخذ المعنى الجميل وتستعمله في غير موضعه.

تقول: لا تكن قاسيًا على نفسك. ثم تحول العبارة إلى عذرٍ لئلا تواجه نفسها.

تقول: كل الناس يخطئون. ثم تستريح إلى كثرة الساقطين بدل أن تسأل: لماذا أصرّ على الطريق نفسه؟

تقول: سأتركه حين تتحسن ظروفي.

وكأن التوبة تحتاج إلى حياةٍ مستقرة، لا إلى قلبٍ يعرف أنه يحتاج إلى الله الآن.

تقول: سأبدأ بداية حقيقية في رمضان، أو مع الشهر الجديد، أو بعد أن أتزوج، أو حين يخف الضغط، أو حين أكون أقوى.

ثم يمر الموعد.

ويأتي موعد آخر.

وتبقى المعصية في مكانها، بينما تبقى التوبة مشروعًا جميلًا للمستقبل.

وقد لا يكون الإنسان مستهينًا بالله حين يقول هذا.

ربما يكون خائفًا أصلًا، ومتعبًا من تكرار السقوط، ويظن أنه لا يحق له أن يتوب حتى يضمن من نفسه أنه لن يعود أبدًا.

لكن الله لم يطلب منك أن تأتيه بضمانٍ للمستقبل.

طلب منك أن تأتيه بقلبٍ صادقٍ في هذه اللحظة.

أن تقول: يا رب، ما فعلته لا يرضيك، وأنا لا أريد الإقامة عليه، فأعنّي على الخروج منه.

أما أن تؤجل الرجوع حتى تضمن أن رغبتك ماتت، أو أن ظروفك تغيّرت، أو أن طريق الذنب اختفى وحده؛ فقد تؤجل عمرك وأنت تنتظر نسخةً مثالية من نفسك لا تأتي.

التوبة ليست مكافأةً تمنحها لنفسك بعد أن تصبح قويًا

التوبة هي المكان الذي تذهب إليه لأنك ضعيف.

قال الله تعالى:

﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ۝ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾.

سورة الحجر: 49–50

لم يفتح الله لك باب رحمته لتنسى جلاله، ولم يذكرك بعذابه لتنسى رحمته.

إنما يريد قلبًا يسير إليه بينهما: يخاف أن يختار ما يسخطه، ويرجو ألا يُغلق في وجهه إذا رجع.

أما الرجاء الذي لا يوقظ فيك حياءً، ولا يدفعك إلى إصلاح، ولا يجعلك تخاف على قلبك من الاعتياد

فلعله ليس رجاءً يقرّبك.

لعله غطاءٌ ناعم يؤجل المواجهة.

وأخطر ما في هذا الغطاء أنك قد تبقى محافظًا على صورةٍ طيبة عن نفسك.

تصلي أحيانًا. وتدعو. وتتأثر بموعظة. وتقول: أنا أحب الله، وأنا لست شخصًا سيئًا.

وقد يكون فيك خيرٌ كثير فعلًا، ولا يملك أحد أن يحكم على قلبك أو يغلق عنك باب الرجاء.

لكن وجود الخير في حياتك لا يجعل من حقك أن تترك الباب الذي تعرف أنه يجرحك مفتوحًا.

الطاعة نعمة.

وليست رصيدًا تسحب منه كلما أردت أن تطمئن إلى ذنبٍ تقيم عليه.

ولا تقل: سأستغفر بعده.

اسأل نفسك قبل أن تدخل إليه:

لماذا أحتاج أن أرتب استغفارًا بعده، بدل أن أتركه الآن؟

لماذا أريد من رحمة الله أن تهدئ ضميري، بدل أن تدفعني إلى النجاة؟

فإن وجدت في قلبك هذا الصوت: «سأتوب لاحقًا»، فلا تخف من الاعتراف بما وراءه.

قل: أنا لا أريد أن أترك الذنب الآن، لكنني لا أريد كذلك أن أخسر صورة التائب في عيني.

وهذه لحظة صدق.

لا لتجلد نفسك.

بل لتكفّ عن تجميل تأجيلك.

ثم ابدأ من الباب الحقيقي، لا من الشعور الذي تنتظره

إن كان هناك طريقٌ محفوظ إلى الذنب، فلا تكتفِ بأن تكره نتيجته. أغلق الطريق.

إن كانت محادثةً تعيدك إليه، فاقطعها.

إن كان محتوىً يوقظ ما تحاول إخماده، فأبعده.

إن كان وقتًا معلومًا تضعف فيه، فلا تدخله بالأداة نفسها والخلوة نفسها، ثم تطلب من التوبة أن تنقذك في آخر لحظة.

لا تجعل الاستغفار ممحاةً تمسح بها الأثر، وأنت تحتفظ بالقلم في يدك.

ودعاؤك بعد الذنب ليس بديلًا عن ردّ حقٍ ضيعته، أو إصلاح أذى فعلته، أو إزالة سببٍ تركته عمدًا في مكانه.

التوبة ليست أن تحزن من الداخل فقط.

هي أن تغيّر شيئًا من الخارج لأنك عرفت أن قلبك لا ينجو بالكلمات وحدها.

ومع ذلك، إن سقطت بعد توبةٍ صادقة

فلا تقل: كنت أكذب، ولا تقل: لا فائدة مني.

ارجع.

لكن ارجع هذه المرة وأنت تسأل سؤالًا أكثر صدقًا:

ما الباب الذي تركته مفتوحًا؟

ما الوعد الذي كنت أكرره لنفسي؟

ما اللحظة التي حوّلت فيها رحمة الله من باب عودة إلى تصريح تأجيل؟

ثم أغلِق هذا الباب.

فالعبد لا يُنقَذ لأنه لم يضعف أبدًا، بل لأنه كلما عرف أنه ضعيف، لم يرضَ أن يجعل ضعفه وطنًا.


اقرأ أيضًا

وفي اللحظة التي يقول لك فيها قلبك: افعل الآن، وستتوب بعد ذلك

لا تدخل في جدالٍ طويل.

قل:

أنا لا أملك غدًا، ولا أملك قلبًا يضمن لي أنه سيبقى حيًا كما هو الآن. لكنني أملك هذه اللحظة، وأملك أن أرجع فيها إلى الله.

ثم ارجع.

لا لأنك يائس من نفسك.

بل لأنك راجٍ لربك حقًا.

فرحمة الله ليست تصريحًا مؤجلًا بالمعصية.

رحمته أن يفتح لك الباب الآن… قبل أن تبتعد أكثر.

تعليقات

عدد التعليقات : 0